♪ ♫
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

[١]
قلتُ سلفًا ، بأني بعد عملي كمعلّمة في رياض الأطفال ، فقد شعرتُ بما تعانيه الأمّهات . الآن أرغب في تغيير رأيي : لم أشعر تمامًا بما تمرّ به الأمهات !
وصلني شعور أن يقتطع أحد أبناءك ، وقت هدوءك ، وقت خلوتك ، وقتك الثمين بالنسبة لك ، لم يصلني هذا الشعور إلا حين هُوجم وقتي الذي أحبّ من قبل أبناء إخوتي !
نسيت كم أني أحبهم ، كلّهم ، يوسف ، ريتال ، جنى ، بسّام … لكنني الآن أرغب في انصرف وحدي ! وهذا ما لا تستطيع الأم فعله في الواقع ! أن تكون لوحدها متى شاءت ! الأمر الذي لن تشعر به ، إلا حين تعيش تفاصيله .
حين تخطّط لطقوسك ، وتتفنّن في ذلك ، ثم وبكل بساطة ، يقتطعها أبناءك ، تكون مضطرًا أن تتنازل عن طقوسك ! ولأني لم أصبح أمًا بعد ، كان عسيرًا عليّ تقبّل ذلك .
وحدها الأمّ ، من بين سائر المخلوقات ، بين الحب والحاجة ، تفضّل حبها لأبناءها على حاجاتها الخاصة ، بينما لا يستطيع فعل هذا أي أحد آخر !
الأمومة ، أصعب وأشرف مهنة تقوم بها النساء في العالم . اللهم ارزق أمهاتنا وأمّهات المسلمين الأجر ، وادخلهن فردوسك الأعلى في الجنة .
[٢]
أرأيتَ إن كان جيب ثوبك ، مثقوبًا ، ماذا سيحدث للأشياء التي ستضعها بداخله ؟ ستسقط دون أن تدري !
معلمة رياض الأطفال تحديدًا ، لكي تمضي قدمًا في رسالتها السامية ، فعليها أن تمتلك جيوبًا كثيرة من الصبر ، تضع في جيبها الأول رفسة طفل لها ، وفي الجيب الثاني ، تضع غضبًا امتصته من طفلٍ ثانِ. ، وفي الثالث تضع فوضى لم تُسيطر عليها ، تمتلىء جيوبها ، وكثير مما يجب اخفاؤه في تلك الجيوب ، باقٍ ، ينتظر !
في المرات التي أشعر فيها بامتلاء جيوب صبري ، أتعمد لترك طفلًا طالت مدة بكاءه ؛ ذلك لعلمي بأن صبري أوشك أن ينفد ، وأمور كثيرة قد يفعلها المرء بالغة القبح ، إن فقد صبره . المهم أني حين أتركه دقائق معدودات ، أحرص أن استجمع قواي التي خارت ، تارة بالاستغفار ، وتارة بانشغالي مع مجموعة أخرى من الأطفال منسجمون في النشاط ، بعد ذلك أعاود الالتفات للطفل الباكي أو الذي قد كثرت شكواه في اليوم الواحد .
وقد وجدتُ في هذا حلًا وسطيًا لنفسي على الأقل ، لكنها لم تبدو كذلك للمارّة ، الذين قد يتبادر لذهنهم بأن هذه المعلمة قاسية القلب ! تصلني الكثير من الكلمات ، من خلال نظرات المارة ، الذين يشاهدون الموقف ولم يقدّر الله لهم أن يعيشوه ، أو أنهم عاشوه ، لكن مرور السنين ، أنساهم مرارة أن يبكي طفل لأكثر من ساعة ونصف بشكلٍ مستمر ، تلك النظرات تزعجني ، لكنها لن تجعلني أتضعضع للخلف ، ذلك لأني أخاف الله وأتخيل دائمًا لو كان فلان طفلي ، كيف أحب أن تعامله معلمته ؟
[٣]
تسأل المُجيب أن يعطيك أمرًا ، ثم تنساه ، ثم تطلبه أمرًا آخر ، وتنساه أيضًا ، وفي وقتٍ غير متوقع ، يُعطيك ما سألته دُفعة واحدة ، لا تدري ما أنت صانع ، تفرح ، لكن لكل أمر متطلباته ، تقول في نفسك : لو جاءتني متفرقة ، لكان أفضل ! ولا تدري بالحكمة من إجابتها في الوقتِ عينه .
عندما زادت مهامي الكتابية ، مدونتي ، ومدونة معلمة الخير ، إلى جانب مشروعي الكتابي ، ختامًا بالكتابة في المجلة ، أسعدني ذلك ، وأربكني !
في وقتٍ لاحق ، تعلمتُ كيف أتنازل عن طقوسي الكتابية ، وقد هيأ الله لي الأسباب ، واستطعت أن أكتب في أوقات وظروف لم أتوقع أني أستطيع أن أُنتج فيها شيئًا !
وعلى سبيل المثال : أستطيع الآن أن أكتب على الهاتف المحمول ، في تطبيق Pajes ، وهذا مالم أكن توقعه ! كانت الكتابة لابد أن تتم على الحاسوب ولا شيء سوى ذلك ! أستطيع الآن الكتابة بينما يكونوا أبناء إخوتي حولي ، وقد تكون ريتال تلعب مصففة شعري ، وأنا ” زبونتها” !
في المقابل ، اعتذرتُ سلفًا ، فور شعوري بالضغط الكتابي ، من إحدى الجهات الموكلة بالكتابة لها شهريًا ، وكان اعتذاري لمدة شهر واحد ؛ حتى أدير وقتي وسط الزحام ، ثم أعاود الكتابة ، عدم الرد ، ساء قلبي .
تخيلت لو أفصح كل إنسان بما عسُر عليه ، وقوبل بالتجاهل، أتراه يفصح في المرات المقبلة ؟ لا أدري ! ما أؤمن به هو أنك تستطيع أن تقول كل مافي قلبك ، مهما كان ماستقوله سيئًا ، لكن بأسلوب مهذب ،سيتقبلها المتلقي بردًا وسلامًا ، لكن عدم الرد ، يُعدِم شيء فينا .
[4]
وشعورٌ لا يُروى بالماء ، يصفه الشيخ توفيق الصايغ :
جاءني بالـماءِ يــــروي ظـــمأي
صاحب لي من صِحابي الأوفياء
ياصديقي جنّب الماء من فمِي
عطــــش الأرواح لا يُــروى بماء
كل شيء قابل للادّخار ، إلاّ مشاعرنا ، كلما ادخرناها ، فسدت- عبد الله المغلوث
