..شيئًا قليلًا

20 أغسطس 2016

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

جذور

لمّا كنّا صغارًا، كنّا نلعبُ لعبة الاتّزان على قدمٍ واحدة، الذي يُمكنه أن يثبتَ لمدةٍ أطول من غيره، يكون الرّابح، آنذاك، قبل فِقهنا لأشياءٍ كثيرة، كنا نعدّ ذلك الأمر مُمتعًا! ولمّا أخذتْ الحياة دورتها، تبدّلت المعاني، فأضحى ما كان يُمتعنا، يُتعبنا..

هَب أن لديك طاولة، ما يجعلكَ تستفيد منها، وتَغتني بها عن غيرها، هو ثباتها بالأرض، لو أنها كانت تهتزّ، لصرفتَ النظر عنها، وبحثت عن بديلٍ لها، لكنّ ثباتها، يجعلك مُطمئنًا، تضع كل حمولتك فوقها، غير آبهٍ لثقل تلك الأشياء؛ لأنك تعلم يقينًا بقوة أعمدتها، لذلك فإنك تأتي من الدّنيا، متبضّعًا، تُفرغ حمولتك عليها، وهي بدورها، تحتملُ كل بضاعتك، الصّالح منها والطّالح.

وهَب أنّك في يومٍ، ظننتهُ أنت، أنّه كبقية أيّام تبضّعك من دُنياك، رُحت تتبضّع مستقرًّا، سعيدًا، تجري الأمور على الأرض كما هو مُعتاد، لكن الأمر في السماء، يأتيك على عكس كلّ التوقعات، وبينما أنت توشك أن تضع كل بضاعتك، فوقها، إذ بها تَهوي على الأرض!

تقفُ مدهوشًا، خائفًا، على كل بضاعاتك التي تعبتَ كي تحصل عليها، وأنت تُعاين كل البضائع التي أُتلفت إثر السقوط المُفاجئ، تتكشّف لك نفسك، بضاعاتُ السنين، التي ألقيتُ بها، واندسّت تحت بقية مستجداتك، أنتَ الآن تراها جليّة.. قد يكون أول ما تحمدُ الله عليه، هو أنّ الله لم يكشف عورة … قلبكَ أمام أحد من الناس، وأن السقوط المفاجئ، حدث بينا أنت وحيدًا، إلا قليلًا.

أتعلم شيئًا؟

تلك الطاولة، التي سقطت، والتي كان ذاك المسكين، يحمّلها كل شيء، أتعلم بأننا جميعًا نملك طاولة مثله تمامًا! الفارق بيننا هو عدد الأعمدة ومتانتها، التي تثبّت طاولة كل واحدة فينا، منّا من اكتفى بعمودٍ واحد في قلبه، منا من يثبّت قلبه بأعمدةٍ عدة، ومع أوّل بضاعة يُلقيها… ينهار قلبه. العبرة ليستْ بعدد المعاني التي تثبّت قلبك في النوازل، بل بعُمقها واستقرارها فيك.

يحدث أن نعتني بالأعمدة، نعكف سنة لإتمام العمود الأول للقلب، حتى إذا ما ظنناه غدا متينًا، ننتقل لعمودٍ آخر، بذاتِ الطريقة، تمر سنينًا من العُمر، نقضيها في إعدادِ العدّة لقلوبنا؛ نعدّها للدنيا، نعدّها للفتن، نعدّها للنِّعم، نعدّها لنا، نعدّها لأشياء كثيرة، يحدث الإعداد، دون وعي منا، لكنّ المهم هو أن الأمر يسير في قلوبنا، دون أن نخطط هذا، يقدّر الله لنا أشخاصًا، ومواقفًا، تجاربًا نمر بها، معايشتنا لكل ذلك، ينحت ذلك العمود، ويقوّم فيه اعوجاجات؛ فيصبح أكثر صلابة.

لمّا يغلب علينا الظن أننا اجتزنا المرحلة الصعبة، وأننا أبعدُ ما يكون عن الفِتن، عن الجَزع، عن التبرُّم والشكْوى… تسير دنيانا وفق ما اعتدنا، يستمر تبضّعنا، الفارق أننا بِتنا نمحّص بضائعنا- مفاهيمنا ومعاني الحياة فينا- قبل أن نلقيها بالجُملة على أفئدتنا.

بعد تعبِ إعداد قلبك، تغدو طريقة تبضّعك من الدنيا مختلفة، تزداد خشيتك، عليك! تخشى على انهيار قلبك، تخشى أن ينزلق،  وينكسر عمود بحماقةٍ منك! تلك الخشية، تُورثكَ انتقاء أسواق الدنيا، حتى يُصبح من نصيبك، سوقَين يكثُر ارتيادكَ عليهما، وفي كلّ مرة تأتي من الدنيا، عليكَ، على قلبك، تودع فيه بضاعة قريبة من بضاعةِ الأمس، تبضعك المتشابه هذا، يقوّي قلبك، يغذّيه، أنتَ تلحظ ذلك، لكنها الدنيا يا صاح! من ذا الذي يأمنُ قلبه، حتى يأمن دُنياه؟!

تنظر في حقيبةِ تبضّعك، تجدُ فيها ماكنتَ تهرب منه، تجدُ فيها ذنب سابق، وعثرة ماضية، وصفحة قد طواها الله برحمته، تجدها جلية، أتتكَ راغمة عنك!!! تأتيك تلك البضاعة، بينا يومك كنتَ تظنه يسير عاديًا… وسوقكَ ينتظر القدوم… تتغيب عن ذلك السوق، لمصابك ياصديقي… مصابك الذي أربك أعمدة قلبك كلّها، تخشى عليك، على قلبك من الفتنةِ ياصديقي، تهرعُ لطوق نجاتك، تفتحهُ على عجل، تقرأ منه أوّل ما يقع ناظريك عليه… تجد فيه مايجعلك، تشعر وكأنك تقرأه للمرّة الأولى.

(فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [ النحل:94 ]
(وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ …) [ الإسراء:73]
(وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا) [ الإسراء:74]

أرأيتَ ما يحدث لو ركنتَ شيئًا قليلًا، لما طرأ عليك فجأة في حياتك؟ (إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا)[ الإسراء:75] ذلك الركون القليل، والاستئناس المؤقت، عظيم عند ربّ القلوب. موازين الأشياء تختلف بميزانِ مَن سنّ للحياة قوانينها، سبحانه.

تُدرك، أن ثبات بضاعتك لسنينٍ طويلة، ماكان لجهدٍ منك، بقدرِ ما أنّه كان معونة من الله، تلك المعونة الإلهية، الخفيّة، التي كثيرًا ما جعلتك تغترّ بإيمانك ياصديقي! ها أنت اليوم، وقد كشف الله سوءة نفسك؛ حتى تعلم أنّك وإيمانك وكل معنى كنتَ تظنّه فيكَ عميقًا، يظل أجوفًا، بيتًا خرِبًا، وسقفًا مُتهاويًا، بضاعتك هذه التي بزعمكَ، التي أنجتكَ سنين كثيرة، ها هي اليوم تخذلك! تخذلك من أجلٍ ماضٍ كان فيك، قدّره الله ليكون لك حاضرًا، في وقتٍ غدا فيها قلبك مُحصّنًا! كما تزعم!

يا مقلِّب القلوب، ثبّت قلبي على دينكَ، وإذا أردتَ بقومٍ فتنةً، فاقبضني إليك غير مفتونة، ولا تَكلني ياربّ لنفسي طَرفة عين، وأصلِح لي شأني كلّه، ثبّتني بالقولِ الثّابت في الحياة الدنيا والآخرة.

 

Share

سيُجدي الكلام

18 أغسطس 2016

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

free

أراها تسير بين النّاس، تُصلِح، تُرمّم، تُطبِّب، أراها زهرة، أراها ماء عذبًا، أراها عودًا غضًّا، لكن كثُر الذين سلبوها كل ذاك! سلبوها جمالها وخيّريتها التي أودَعها الله فيها، لم تَعد بذات المنزلة في المجالس، ولا في الصدّور، خفُت بريقها، وبَهتت ألوانها، وماكان هذا، إلّا لإجحاف من حولها، لها، فإن جاء الحديث عنها، كان نصيبها، نصيب إنكار المُنكَر بالقلب… أضعف الإيمان، وهي- لعَمري- الإيمان كلّه.

يحدثُ كثيرًا، أن يتردد على مسامعك، من يقول لك، بينما أنت “تتكلم” مع أحدهم، لن ينفع الكلام! أنتَ تتكلّم، كما تكلّم كل الأنبياء مع أقوامهم، تتكلّم، كما تكلّم الله جلّ جلاله مع موسى عليه السلام، تتكلّم، لأن الكلام رأس مالك في كلّ أمورِ حياتك، أنت تتكلّم، لأنّ أشياء كثيرة تبدأ بالكلام، والأفعال قرينتها ومُتمّمتها، وبعد كلّ هذا، تجدُ من يقول لك: ” لن ينفع الكلام”! قد لا يُجدي الكلام، في وقتي ووقتك الحاضر ياصاح، نقول كلماتنا اليوم، وننساها في نهاية ليلتنا، ويذكُرها ربنا في كتابٍ، لا يضلّ ربي ولا ينسى، يتولّى الصادق منها، يُنبتها نباتًا حسنًا في قلب من أودعناها فيه، يجعل الله لكلماتنا الصادقة من يكفلها، كما كفَل زكريا عليه السلام، مريم! الله يهيئ لكل كلمة، من يكفلها؛ حتى تنشأ نشأة صالحة، عندها.. تؤتي أكُلها.

“ندخُل الجنّة، بكلمة (سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين).
الإسلام، دخلناه بكلام (أشهدُ أن لا إله إلا الله، وأنّ محمدًا رسول الله)
د. سلمان العودة

من ملّكه الله ملَكَة حُسن الكلام، فقد ملّكه خيرًا عظيمًا، بالكلمة، تستطيع فعل ما لا يستطيع فعله أيّ شخص آخر، ليس لقوّةٍ ذاتية منك، إنّما بفضل تلك الأحرف التي أنزلها الله، ووهبك القدرة على إعادة نسجها وابتكار طُرق جديدة لحياكتها، فينجذب من حولكَ لها، فتحرّك فيهم معنىً راكدًا، وتُحيي ما أوشكَ على الضمور، تُنقذ غرق الإيمان في القلوب..  تفعل أشياء كثيرة، بكلمةٍ واحدة، ووالله أنك في أحايينٍ كثيرة، كنت قد تفوّهت بكلماتٍ جمّة، لم تلقِ لها بالًا، سوى أنّها كانت نقية، صادقة، فأبكتْ من حولك، يحدّثونك أنهم بحاجة لك! تقول لهم أنك المُسيكين ولا حيلة لك، تمامًا كحالهم، لكن… يعلّمك الله أن طوق نجاة الكثير كانت … كلماتكَ الصّادقة.

الكلمات الصادقة، ليستْ حصرًا على الكتّاب والكبار من الأنام، إنّها مُتاحة للجميع! قد تجد كلامًا أدبيًا مُصاغًا بمفردات تحتاج لقواميس تفكّ لك شفرته، لكنك بالكاد تجد قشور صدق زائفة، بينما تذرفُ عيناك دمعًا، من كلماتٍ مصاغة بطريقة عادية جدًا، وما أبكاك إلا لأرطال الصدق لصاحبها! هذا النوع من الكتابات الذي أحتاجه، وتحتاجهُ أنت، وهوَ حقّ لكل من يحتاجه منك في أوقاتٍ من حياته.. تلك الأوقات التي يحدّثك فيها أحدهم، يحدّثك وأنت تفكر كيف يمكنني مساعدته؟ مع يقينك بأنّك لا تملك أدنى حيلة، لمساعدته، أقول لك: ثبّت أركانه بالكلمات.

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” يَا حَسَّانُ اهْجُهُمْ ، وَجِبْرِيلُ مَعَكَ ، وَقَالَ لِي : إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكْمَةٌ , وَقَالَ : إِذَا حَارَبَ أَصْحَابِي بِالسِّلاحِ فَحَارِبْ أَنْتَ بِاللِّسَانِ ” صحيح البخاري
حسّان بن ثابت- رضي الله عنه

ازرع أشجارًا طيبة، أصلها قلوب الناس، ودَع فروع تلك الأشجار الوارفة، تمتدّ، وترفل بالنموّ، دون أن تخطط لمسارِ نموّها، فقط تكفّل بسقايتها كلّما سنحتْ لك القلوب بذلك ، وسيُدهشك الله بطيّب الثمر، إن لم يكن لك، سينعم غيرك بالثّمر، وسيصلكَ حتمًا ولا ريب، الأجر.
“أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ* وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ” [إبراهيم: 24]

الأم، المعلمة، وكل مربّي، بحاجة للكلام، لكن تخيّر ما ستتكلمه… وكُن على يقين بأن ما ستقوله اليوم لهم، بشكلٍ أو بآخر، سيُقال لك.
بالكلام، تُنصر القضيّة، أو تُخذَل. بالكلام، تُسلب الحقوق، أو تُستردّ. بالكلام، يحبّ بعضنا البعض، أو نكره. بالكلام، تتجمّل الحياة، أو تُستقبح.

سيُجدي الكلام..

لازلتُ أذكر أجمل الكلمات التي قيلتْ لي، خلال سنواتي الدراسية، أذكر معلمتي في الابتدائي، لما كانت تقول لي بأنّي حسنَة الخطّ… معلمتي في المتوسط، كانت تأخذني من منتصفِ الحصص؛ لأقضي معها بقية اليوم نعدّ لوحاتٍ جميلة، وكانت تُسمع قلبي جميل الحديث عن رسومي! معلمة الأحياء في الثانوي، أكثرتْ مدحي على دفتري الخاص بالمادة، اعتنائي برسوم المادة وتلوينها نال إعجابها، وفي الجامعة.. قصص لا تنتهي من جمال الكلمات التي كتب الله أن أعيشَ جمالها وصدقها من أستاذات، أستاذة الثقافة الإسلامية، كانت في القاعة ما يفوق الستين طالبة، لكنّ ذلك لم يثنيها على أن تبحث عني، لتقل لي كلمة صدق، لازال قلبي يذكرها.
لا أحب الاحتفاظ بالأوراق، لكني لازلتُ غير قادرة على التخلّص من كل ورقة كُتب فيها كلامًا صادقًا، تكاليف مواد ماضية لاتعنيني، ولا أظن أنها ستنفعني، بقدر ما سينفع قلبي، كلماتهن الصادقة، التي… لم يلقينَ لها بال.

سيُجدي الكلام ..

تغيّبتْ سجى، سألتُ والدتها بعد يومين عن سبب غيابها، قالت وهي تضحك، بينما ظلّ الموقف عامين في قلبي، قالت بأنها رفضت المجيئ للروضة “عشان معلمة إيناس ماقالتلي صباح الخير، لما دخلت الفصل” هذه الصغيرة تبلغ من العُمر، ثلاثة أعوام! حتى القلوب الصغيرة، تتعطش للكلمة الطيبة!

ومن غير الكلام، لن ننعم بالسلام..

Share

وأنكِ أمّ..

12 أغسطس 2016

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

mum

كانتْ معي ومعهم، مرّ الموقف الأوّل بالنسبةِ لها، سريعًا، عاديًا، لكنه لم يكن كذلك بالنسبة لي! توالت المواقف، وتركيزها لا زال معي ومعهم، أمّا أنا فقد أصبح تركيزي معهم، ثمّ معها.
بينما هي تحدّثني وتتصرف بتلقائية جميلة مع أبناءها، أخذتني ذاكرتي في رحلةٍ لأناس كثر جالستُهم، كنّ أمهات مثلها، لكنهن بالفعل في مواقف عادية لأيّ أم، لم يكنّ كما رأيتُ صديقتي.
تعدّ القهوة وتحدثني، بينما تصرخ صغيرتها في الغرفة المجاورة: ” ماما انكبّ العصير، روشيني”… أكملتْ حديثها، وكأنّ شيئًا لم يكنْ، توجهت نحو معدات التنظيف، أحضرت الاسفنجة، ظلت تمسح السجّاد، وتُكمل حديثها معي!..
ظلّت صغيرتها تردد بشكلٍ قد يبدو لمن لم تعتَد أذناه على الصغار، مزعج! “ماما روّشيني” … تركتني، بعد أن أعطتني القهوة وقالت لي: ” اسبقيني واشربي” هكذا ببساطة! دقائق معدودة وانتهت قصة تردد الصغيرة علينا، نامت.

أكثر ما شدّني، هو تذكرها لوعودها مع أبناءها، وتذكّرها بأنها في ظل وجود ” الضيف” هي أمّ أيضًا، أيًا كان الضيف، ومهما كانتْ الظروف.
تحدّثني، ثم يأتيها الأوّل، تعطيه من القُبلات والحنان، كأنها تراه للمرة الأولى، وأنا… استمتع بجميلِ المنظر، وصدق الشّعور!
يخبرها بشكواه، تستدعي ابنها الثاني، تسوّي الأمر بينهما بالاتّفاق، ينتهي الأمر لها، تستطرد: “إيوا ايش كنا نقول يا إيناس؟
بالكاد استرجع حبل حديثنا، لجمال ما رأيت، ونُدرته!

أم أخرى، لا أعرفها، شاهدتها قِبالة أحد المحلات، تنتظر انتهاء الصلاة، يُرافقها ابنها الصغير، الوقت يمرّ بطيئًا، والناس تزدحم، وطفلها شعر بالضجر، ألقتْ “برستيجها” جانبًا، وبدأت تلعب معه بكفيها وتردد معه نغمات يبدو أنهما يألفانها، تغيّرت ملامح الصغير، وأكاد أجزم أنه تمنى لو أن المحل لن يُفتح!
رغم أن الكثير منّا حدّق ناظريه تجاهها، وأنا أوّلهم، لكننا لم نكن نعني لها شيئًا، كانتْ كل ما تراه، صغيرها.

أنا لستُ أمًا، لكن أشعر بجزء كبير من معاناةِ الأمهات، خصوصًا في الأماكنِ العامّة، وفي حضرة الضيوف، أعلم أيضًا أن الأم كثيرًا ماتضطر لاستخدام نبرة حادة، على مرأى ومسمع ممن لا تعرفهم، قد تضطر المسكينة لسحب يد الطفل بقوة، فينعتها من يراها بالقسوة، وهي ليستْ كذلك لكن ضيق الوقت وأسباب أخرى جعلتها تتصرف على النّحو الذي… نراه دائمًا.
وهي لاتُلام، لكن، ثمّة أمور بمثابة الوقاية لحدوث أمور كثيرة مزعجة من الطفل، اتفاقات صغيرة، تعقدها الأم بينها وبينه، قد تحدّ من عواقب ما لا يُحمد.
مع العلم أنّ ليس كل الاتّفاقات تؤتي أكلها، لكن من المهم أن نسعى ونأخذ بالأسباب.

كنتُ برفقة ابنة أختي، وقد كنا أجرينا اتفاقاتٍ ثلاث، قبل مغادرتنا المنزل، وفي زحام المكان واكتظاظه بالأطفال، تزاحمت المشاعر، ونقضت الميثاق، فما كان مني إلا أن صرختُ عليها لا شعوريًا!
مضتْ في طريقها، ثم وكأني تداركتُ موقفي، ناديتها، احتضنتها، ذكّرتها بالاتفاق أولًا، شرحتُ لها سبب رفضي لطلبها ثانيًا، اقترحتُ لها بديل أعجبها، ثالثًا، انتهى الموقف.

الاعتماد على الفطرة في التربية، وعلى قاعدة ” كما ربّونا.. نربّي” لا تصح! العلم أولًا، التربية كأي شيء، تأتي بالعلم.
في هذه التدوينة لا أملك الكثير من الحديث، لكن الواقع المُشاهد في أمورِ التربية، يحثّني على كتابة الكثير الذي لا أعرف صياغته!

Share

لكَ شيء!

24 يوليو 2016

 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

world

كوب قهوة مع صديقٍ وفيّ، اجتماعكَ بمن تُحبّ، الحديث مع آخر مُخلِص، وأمور أخرى تستأنس بها، توسّع من ضيق روحك، حتى لو كنتَ في متّسع من الأمر، فإنك بالعادة تحرص على أن يكنْ لك من هذا الاستئناس نصيب، حتى هنا لا مشكلة.
تبدأ المشكلة لما تُصبح هذه الأمور، أساسية، تأخذ أكبر من حجمها، تعطيها أكثر من حقّها، فتأخذ حقوق أمور أخرى من حياتك!
ولمّا تُهمَّش الأمور الأكثر أهمية من فُسحة الروح، جزء من نُصرة هذه الأمة، يضيع، ضيّعته دون أن تدري، ياصديقي!

القضية وما فيها أن كثيرًا منّا، أصبحَ يقتات قوت يومه من الناس، بطريقةٍ وأخرى، نختلف في الطريقة، ونشترك في “الجريمة”!
لما نسدّ حاجاتنا التي أنشأها الله لنا، لنتحرّك، لننهض بها، لكننا سددناها بتعلقنا بالحياة المادية، بكل مافيها على اختلافها. منّا من تعلق بالناس، وآخرون تعلّقوا بالسفر، وجماعة ثالثة تعلقّت آمالهم بالمطاعم الفارهة!
فكبُر المُصاب يا صديقي.
كبُر جَرح أمّتنا لما تنازل كل واحد منّا، عن أن ينصر قضيته الخاصّة.
قضيته الخاصة التي قد تكون صغيرة في نظره، وفي نظر من حوله، لكنها تختلف في ميزانِ الله.
قضيّته الصغيرة التي إن أحسنَ التعامل معها، وانكبّ عليها، يحتسبُ “ضياع” اجتماع ما، كان من المفترض أن يكونَ فيه حاضرًا، لكن لسبب ما، متعلّق بنُصرة قضيته، كان من المتغيبين لذاك الإجتماع، لكنّه حاضرًا عند الله وملائكته..
لما يحدث كل هذا، تنتصر قضيته الصغيرة، ومع كلّ انتصار، تكبر الصّغيرة، دون أن يلحظ نموّها فيه، لكنّها تنمو بالفعل.
تبدأ من كونها قضية شخصية، خاصّة، قد يستحي من أن يُظهرها للنّاس، فجأة … يلحظ أنّ صغيرته كبرتْ لما يتحدّث عنها!
يعلّقها بهموم الأمة، بدوره الحقيقي في المجتمع، حدث هذا لأنه أيقن أن العالم يحتاجُ إليه.
استعمله الله يا صديقي، أفأنت طامع على أن يستعملكَ الله؟!

تخيل ياصديقي، لو أنّ كل واحد منّا حدّث نفسه، بقوله لها: ” العالم يحتاج لي” قُل لي بربّك، هل كان سيسُرف في لقاء الأصدقاء؟ أم هل كانَت أوقاته تضيعُ سُدى في أمورٍ شتى؟ هو يعرفها ويجهلها نحن؟
العالم يحتاج لي“، يعني أنّ لك دور مهم، في الأرض مكان شاغر، مهما كثر الأنام، فمكانكَ لن يأخذه غيرك، اغرسِ الثّمر ياصديقي. عالمي وعالمك مليئ بالثمر، لكن ثمرتك تتميز عن مليار ثمرة في العالم، قد تخدم ثمرتك الجزء الشمالي من الكرة الأرضية، بينما ثمرتي لا تستطيع ذلك! لكنها تنبتُ في الجزء الجنوبي، لا يهم على أيّ جانب، المهم أنها “تنفع النّاس“. هذه قضيتنا.

سنكونُ بخير لو أجدَنا الانشغال بالقضية، أن تُشغلنا الفكرة، فنتحرّك لها بل نهرول، حتى نجد لها مخرج صدق! كانشغالنا بالناس، بتفاصيلهم الصّغيرة، بحركاتهم، وسكناتهم. لو فعلنا هذا، سيكون حالنا أفضل، وسننعم بطيبِ العيش ياصديقي.

حياة الإنسان ناقصة مالم تكن له قضية يعيش من أجلها، يدافع عنها، يحدّث عنها، يوفّر لها كل سُبل العيش، القضية إن لم تجد ناصرًا لها تحتضر قبل وفاتها، منّا من تبنّى قضايا كان وضعها حرجًا غاية، الكثير منّا يخشى تبنّيها، لأسبابٍ كثيرة، أهمها جهله بها! المهم أنّ غيره سبقهُ إليها، آمن بها منذ البداية، رغم كثرة الأصوات من حوله، أنها ستموت؛ لكثرة طعناتها وجراحاتها، لكنه الإيمان والصدق يا صديقي، يفعل المعجزات! لمّا آمن، وأمّن لها، أتته الفتوح من الله الفتّاح.
يرفع الله أقوامًا، ويذلّ آخرين، تأمل في الذين رفعهم الله واصطفاهم عن العالمين، ستجد في حياتهم قضية انتصروا لها، فنصرهم الله بها.

فمتى ينبتُ ثمركَ يا صديقي؟

قد يكون للحديث بقيّة.

Share