على رأسِ العمل!

11 نوفمبر 2016

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

heart

ثم تفتُر بعد همّة، ويخفو بريقك بعد استنارة، وتشعر أنّك زائد على هذا العالم! وتشعر بما لم تشعر به لوقتٍ طويل، تشعر أنك غير قادر على العودة لسالفِ عهدك، وعملك الذي ألفْتَه! لوهلةٍ، ولحيلةٍ شيطانية زيّنها لك، فصدّقتها نفسك، تظنّ ظنًا لا يليق بك! – لكنّك ظننت في النهاية- أن المفرّ هو الانسحاب، الخروج من كلّ هذا المأزق، واعلان استقالتك بينك وبين نفسك!

صحيح أنك لازلت تعمل معهم، في المنزل، وفي عملك، لكن قلبك مستقيل عن العمل الحقيقي! جوارحك تُمارس الأعمال الروتينية، تتمّها بإكراه من جهاتٍ كثيرة، لكن القلب مستقيل…

قاوِم ياصديقي، كلّ شعور يحول دونك ودون أن يكون قلبك على رأسِ العمل بسببٍ أو بلا سبب! عدّه بلاء، اصبر، وتصبّر واصطبر، اجتهد وجاهد، لا بأس أن يفقد الإنسان نفسه، يتوقف قلبه (وربما إيمانه) أن يكون منتجًا، أن يُكمل مشاريع كثيرة، فتح لها الباب، وابتدأها، ثم لشعورٍ عابر، وسيمضي، يغلق كل أبواب الخير، في لحظة!

قاوِم العُسر بالتسبيح، زاحم الشعور بشعور، زاحم الفراغ بالعمل، زاحم الجهل بالعِلم. قُم، كلما أطلتَ القعود؛ فالأجسام الراكدة، مرفأ للأتربة!

الإنسان لما يقرّر أن يكون قلبه على رأسِ العمل، يبدو عمل قلبه ظاهرًا جليًا لكل شخص يلتقيه، تجد له كلمة طيبة في المجالس، وخيرهُ لأهله قبل غيره، يُمارس هواياته، لازال يشعر بالشغف تجاه ما يحب، فتجده مُقبل دائمًا ومُبادر، يقترح، يبتدأ، وقليلًا ما تجده، مُحبَط أو مُنسحب! و لأن قلبه لا يعرف للسكون معنى، فإنه كثيرًا ما يدفعه لعمل أشياء كثيرة، يؤمن هذا الإنسان، الذي ملّكه الله قلب على رأسِ العمل، أن عمله الذي يُتقنه، إذا لم يقم به على أكملِ وجه، فإنّ غيره من الناس لن يقم به، يُدرك أيضًا، أنّ فراره من مهماته في إصلاح نفسه والآخرين، يعني رغبته على استعجال منيّته وهو على قيد الحياة!

كما أن البطالة في وظائف الدنيا ظاهرة، فإن بطالة القلوب أشدّ انتشارًا! ياربّ استعملنا فيما تحبّ، واعنّا على ما استخلفتنا عليه، وكنْ لتلك القلوب العاملة، خير مُعين، أعنها حين تعمل، وحين تميل لأن تستقيل، أعنها لما تُعلن استقالتها أن تعاود العمل! وثبّتها على ما يُرضيك.

الحمدللهُ الذي بنعمته تتمّ الصالحات، الحمد للواهب على تمامهِ سبعةِ أعوام لهذه المدونة.
ربّ أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانًا نصيرًا.
11/11/2016

Share

كأنْ لم تغنَ بالأمْس

23 سبتمبر 2016

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

%d8%ad%d8%b5%d9%8a%d8%af

هل جرّبت أن تكونَ متقينًا من شيء فيك؟ كيقينكَ بتمكّنكَ بكتابةِ اسمك! يمضي العُمر، ثمّ يُبدي لك المولى، أن يقينكَ ما كان بيقين ياصاح! يُبديها لك، وحقيقة أنك (مُتيقن) قد تجذّرتْ فيك. ماكان فيكَ بِضعًا من عُمرك، كنتَ تظنّه ظنًّا!
والظنّ ياصاحبي أكذب الحديث! كما قال نبينا المُصطفى، صلوات الله وسلامهُ عليه.
ماذا يعني أن تظنَّ؟
يعني أنك لستَ بجازمٍ، تجاه أمر ما، يعني أنّك تشكّ بهذا الأمر.
يقول صلّى الله عليه وسلم: “اجتنبُوا كثيرًا من الظنّ، إنّ بعضَ الظنّ إثم“. قامت حياتنا على (بعض الظنون) فأهلكتنا، والله المُستعان!
يقول تعالى: (وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا ۚ إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا) [يونس:36]
افعل ما شئتَ، في النهاية، كُن على (يقين)، أن ظنّك، في كثيرٍ من أمور حياتك، وفي النَّاس، لن يُغنيك ياصاحبي، ستعرفُ ولا ريب ماكان خافيًا عنك، الحقّ الذي غاب عنك، أو غيّبته بصنائعك! أيًا كان السبب، ذلك الظن، القشرة الهشّة، لن يكن لها مصيرًا إلّا أن تتمزّق، شرّ تمزيق! سيمزّقها سطوع الحق، على حين غفلة من صاحبها، منكَ أنت.
الظنّ لا يعمّر في الإنسان طويلًا، كتبَ الله له أن يكونَ قصير الأمد. بعد ظهور الحقّ، قد يستمر الإنسان، في ظنّه، مُتغاضيًا عن كلّ آيات الله فيه! يُغمض عينه ويُطأطئ قلبه رُغم كل البراهين، بالأكاذيب التي فرضها، وصدّقها، فعاشها.. لا يهمّ ماذا تفعل بعد تكشّف الحق، المهم أن الحق في نهاية الأمر، سيُظهره الله، رغمًا عن كل ظنونك، وادّعاءاتك، وماتفعله، شأنك وحدك، فافعل ما يحلو لك، فإنّما هي صحيفتك، فاملأها بما شئت ياصاح!

للحظة فقط، انسَ حديثنا عن الظن، دعني أحدّثك عن صورة، عن موقف، عن بداية مُشرقة، ونهاية غير مُتوقعة! هَب أنك تقفُ في بُقعةٍ من أرضٍ تحبها، هذه الأرض، دون غيرها من الأراضِ، كتب الله لها القبول لقلبك، أكرمكَ الله بعطاياه، اعتلتْ غيمات رمادية فوق أرضكَ التي تُحبّ، فعلمتَ بأنها ستُمطر! المطر يعني النَبت، تزيّنت أرضك، اخضرّت، تعلّقت بها أكثر! لم تنتهِ الحكاية، حتى الآن، بعد اكتمال حُسن صورة ماتحبّ، (ظننتَ) أنه بإمكانك رعايتها، بإمكانك فعل كلّ شيء لها، فجأة من أيامِ عُمرك، يأتي لهذه الأرض، مالمْ تتوقعه، يأتيها أمر الله، في وقتٍ لا تعلمه، ولا يهمك في أيّ وقت جاء الأمر، المهم أنه جاء! فغدت حصيدًا، عادت كما كانت، قاحلة، جافّة، متشقّقة، كأنها لم تكنْ من قبل، غنيّة بالخُضرة، غنيّة بالجمال، غنيّة بك واغتنيتَ بها!

يصف الله لنا هذه الصورة، في سورةِ يُونس:

(إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ)[25]

بدأتْ المشكلة، لما ظنّنا أننا قادرون على إتمام أشياء كثيرة، على ترك ذنوب كثيرة، ولأن المَسافة طالت بين الذنب وآخر عهدك به، ظننتَ أنك تخلّصت منه، أرأيتَ كيف أن تلك الأرض، اجتمع لها الحُسنيين، زُخرف وزينة! وكذلك أنت، يجتمع لك في أمرٍ من أمور حياتك، ما يجعلك تبتهج، فغيركَ محروم، وأنت في منّة،فلما أتاكَ أمر الله، أمر الله كان لتلك الأرض بأن يُقضى على أخضَرها، زرعها وشجرها، فكان هلاكها، أمر الله فيك، لذلك الأمر الذي اجتمع فيه لك، مالم تطلبه من الله، لكنه أكرمك، يكون بأشياءٍ كثيرة، المهم أنه لما يأتي أمر الله، يكن كصخرة ضخمة، تُلقى على قلبك، فلا تقضّ مضجعك فحسب! تقضّ فيك معانٍ غابت عنك، وأُخرى كان بحاجة لأن تُفتتها تلك الصخرة، لتُعيد ترتيب قلبك بعد وقوع تلك الضخمة عليه.

الرّائي لقلبك بعد وقوع الصخرة، بعد أن أتاه أمر الله، لا يصدق بأن قلبك كان غنيًا بأشياء كثيرة، كان يسمعها عنك، أو يراها فيك، ما يراه فيك الآن، الفقر، الضعف، الضياع والشتات، كأنك لم تكن غنيًا بالأمس، فكل غنىً فيك، يفقر، و كل قوّة فيك، تضعف،و كل شروق فيكَ يغرُب، و كل انبساط فيك، يُقبض، و كل حاضر فيك، يغيب..

كأن قلبك لم يغنَ بالأمس، ذلك الأمس الذي قد يكون سنين من توبتك، عُمرًا من فعلك للصالحات، لمّا يأتي أمر الله، تموت كل سنينك الجميلة، يُصبح قلبك للحظة، قاحلًا ، حصيدًا، تمامًا كتلك الأرض، التي حصدت، بعد زهوّ!

“اللّهُمّ إلَيْك أَشْكُو ضَعْفَ قُوّتِي ، وَقِلّةَ حِيلَتِي ، وَهَوَانِي عَلَى النّاسِ، يَا أَرْحَمَ الرّاحِمِينَ ! أَنْتَ رَبّ الْمُسْتَضْعَفِينَ وَأَنْتَ رَبّي ، إلَى مَنْ تَكِلُنِي ؟ إلَى بَعِيدٍ يَتَجَهّمُنِي ؟ أَمْ إلَى عَدُوّ مَلّكْتَهُ أَمْرِي ؟ إنْ لَمْ يَكُنْ بِك عَلَيّ غَضَبٌ فَلَا أُبَالِي ، وَلَكِنّ عَافِيَتَك هِيَ أَوْسَعُ لِي ، أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِك الّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظّلُمَاتُ وَصَلُحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِنْ أَنْ تُنْزِلَ بِي غَضَبَك ، أَوْ يَحِلّ عَلَيّ سُخْطُكَ، لَك الْعُتْبَى حَتّى تَرْضَى ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوّةَ إلّا بِك”[ابن هشام 1/ 420]

Share

..شيئًا قليلًا

20 أغسطس 2016

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

جذور

لمّا كنّا صغارًا، كنّا نلعبُ لعبة الاتّزان على قدمٍ واحدة، الذي يُمكنه أن يثبتَ لمدةٍ أطول من غيره، يكون الرّابح، آنذاك، قبل فِقهنا لأشياءٍ كثيرة، كنا نعدّ ذلك الأمر مُمتعًا! ولمّا أخذتْ الحياة دورتها، تبدّلت المعاني، فأضحى ما كان يُمتعنا، يُتعبنا..

هَب أن لديك طاولة، ما يجعلكَ تستفيد منها، وتَغتني بها عن غيرها، هو ثباتها بالأرض، لو أنها كانت تهتزّ، لصرفتَ النظر عنها، وبحثت عن بديلٍ لها، لكنّ ثباتها، يجعلك مُطمئنًا، تضع كل حمولتك فوقها، غير آبهٍ لثقل تلك الأشياء؛ لأنك تعلم يقينًا بقوة أعمدتها، لذلك فإنك تأتي من الدّنيا، متبضّعًا، تُفرغ حمولتك عليها، وهي بدورها، تحتملُ كل بضاعتك، الصّالح منها والطّالح.

وهَب أنّك في يومٍ، ظننتهُ أنت، أنّه كبقية أيّام تبضّعك من دُنياك، رُحت تتبضّع مستقرًّا، سعيدًا، تجري الأمور على الأرض كما هو مُعتاد، لكن الأمر في السماء، يأتيك على عكس كلّ التوقعات، وبينما أنت توشك أن تضع كل بضاعتك، فوقها، إذ بها تَهوي على الأرض!

تقفُ مدهوشًا، خائفًا، على كل بضاعاتك التي تعبتَ كي تحصل عليها، وأنت تُعاين كل البضائع التي أُتلفت إثر السقوط المُفاجئ، تتكشّف لك نفسك، بضاعاتُ السنين، التي ألقيتُ بها، واندسّت تحت بقية مستجداتك، أنتَ الآن تراها جليّة.. قد يكون أول ما تحمدُ الله عليه، هو أنّ الله لم يكشف عورة … قلبكَ أمام أحد من الناس، وأن السقوط المفاجئ، حدث بينا أنت وحيدًا، إلا قليلًا.

أتعلم شيئًا؟

تلك الطاولة، التي سقطت، والتي كان ذاك المسكين، يحمّلها كل شيء، أتعلم بأننا جميعًا نملك طاولة مثله تمامًا! الفارق بيننا هو عدد الأعمدة ومتانتها، التي تثبّت طاولة كل واحدة فينا، منّا من اكتفى بعمودٍ واحد في قلبه، منا من يثبّت قلبه بأعمدةٍ عدة، ومع أوّل بضاعة يُلقيها… ينهار قلبه. العبرة ليستْ بعدد المعاني التي تثبّت قلبك في النوازل، بل بعُمقها واستقرارها فيك.

يحدث أن نعتني بالأعمدة، نعكف سنة لإتمام العمود الأول للقلب، حتى إذا ما ظنناه غدا متينًا، ننتقل لعمودٍ آخر، بذاتِ الطريقة، تمر سنينًا من العُمر، نقضيها في إعدادِ العدّة لقلوبنا؛ نعدّها للدنيا، نعدّها للفتن، نعدّها للنِّعم، نعدّها لنا، نعدّها لأشياء كثيرة، يحدث الإعداد، دون وعي منا، لكنّ المهم هو أن الأمر يسير في قلوبنا، دون أن نخطط هذا، يقدّر الله لنا أشخاصًا، ومواقفًا، تجاربًا نمر بها، معايشتنا لكل ذلك، ينحت ذلك العمود، ويقوّم فيه اعوجاجات؛ فيصبح أكثر صلابة.

لمّا يغلب علينا الظن أننا اجتزنا المرحلة الصعبة، وأننا أبعدُ ما يكون عن الفِتن، عن الجَزع، عن التبرُّم والشكْوى… تسير دنيانا وفق ما اعتدنا، يستمر تبضّعنا، الفارق أننا بِتنا نمحّص بضائعنا- مفاهيمنا ومعاني الحياة فينا- قبل أن نلقيها بالجُملة على أفئدتنا.

بعد تعبِ إعداد قلبك، تغدو طريقة تبضّعك من الدنيا مختلفة، تزداد خشيتك، عليك! تخشى على انهيار قلبك، تخشى أن ينزلق،  وينكسر عمود بحماقةٍ منك! تلك الخشية، تُورثكَ انتقاء أسواق الدنيا، حتى يُصبح من نصيبك، سوقَين يكثُر ارتيادكَ عليهما، وفي كلّ مرة تأتي من الدنيا، عليكَ، على قلبك، تودع فيه بضاعة قريبة من بضاعةِ الأمس، تبضعك المتشابه هذا، يقوّي قلبك، يغذّيه، أنتَ تلحظ ذلك، لكنها الدنيا يا صاح! من ذا الذي يأمنُ قلبه، حتى يأمن دُنياه؟!

تنظر في حقيبةِ تبضّعك، تجدُ فيها ماكنتَ تهرب منه، تجدُ فيها ذنب سابق، وعثرة ماضية، وصفحة قد طواها الله برحمته، تجدها جلية، أتتكَ راغمة عنك!!! تأتيك تلك البضاعة، بينا يومك كنتَ تظنه يسير عاديًا… وسوقكَ ينتظر القدوم… تتغيب عن ذلك السوق، لمصابك ياصديقي… مصابك الذي أربك أعمدة قلبك كلّها، تخشى عليك، على قلبك من الفتنةِ ياصديقي، تهرعُ لطوق نجاتك، تفتحهُ على عجل، تقرأ منه أوّل ما يقع ناظريك عليه… تجد فيه مايجعلك، تشعر وكأنك تقرأه للمرّة الأولى.

(فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [ النحل:94 ]
(وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ …) [ الإسراء:73]
(وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا) [ الإسراء:74]

أرأيتَ ما يحدث لو ركنتَ شيئًا قليلًا، لما طرأ عليك فجأة في حياتك؟ (إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا)[ الإسراء:75] ذلك الركون القليل، والاستئناس المؤقت، عظيم عند ربّ القلوب. موازين الأشياء تختلف بميزانِ مَن سنّ للحياة قوانينها، سبحانه.

تُدرك، أن ثبات بضاعتك لسنينٍ طويلة، ماكان لجهدٍ منك، بقدرِ ما أنّه كان معونة من الله، تلك المعونة الإلهية، الخفيّة، التي كثيرًا ما جعلتك تغترّ بإيمانك ياصديقي! ها أنت اليوم، وقد كشف الله سوءة نفسك؛ حتى تعلم أنّك وإيمانك وكل معنى كنتَ تظنّه فيكَ عميقًا، يظل أجوفًا، بيتًا خرِبًا، وسقفًا مُتهاويًا، بضاعتك هذه التي بزعمكَ، التي أنجتكَ سنين كثيرة، ها هي اليوم تخذلك! تخذلك من أجلٍ ماضٍ كان فيك، قدّره الله ليكون لك حاضرًا، في وقتٍ غدا فيها قلبك مُحصّنًا! كما تزعم!

يا مقلِّب القلوب، ثبّت قلبي على دينكَ، وإذا أردتَ بقومٍ فتنةً، فاقبضني إليك غير مفتونة، ولا تَكلني ياربّ لنفسي طَرفة عين، وأصلِح لي شأني كلّه، ثبّتني بالقولِ الثّابت في الحياة الدنيا والآخرة.

 

Share

سيُجدي الكلام

18 أغسطس 2016

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

free

أراها تسير بين النّاس، تُصلِح، تُرمّم، تُطبِّب، أراها زهرة، أراها ماء عذبًا، أراها عودًا غضًّا، لكن كثُر الذين سلبوها كل ذاك! سلبوها جمالها وخيّريتها التي أودَعها الله فيها، لم تَعد بذات المنزلة في المجالس، ولا في الصدّور، خفُت بريقها، وبَهتت ألوانها، وماكان هذا، إلّا لإجحاف من حولها، لها، فإن جاء الحديث عنها، كان نصيبها، نصيب إنكار المُنكَر بالقلب… أضعف الإيمان، وهي- لعَمري- الإيمان كلّه.

يحدثُ كثيرًا، أن يتردد على مسامعك، من يقول لك، بينما أنت “تتكلم” مع أحدهم، لن ينفع الكلام! أنتَ تتكلّم، كما تكلّم كل الأنبياء مع أقوامهم، تتكلّم، كما تكلّم الله جلّ جلاله مع موسى عليه السلام، تتكلّم، لأن الكلام رأس مالك في كلّ أمورِ حياتك، أنت تتكلّم، لأنّ أشياء كثيرة تبدأ بالكلام، والأفعال قرينتها ومُتمّمتها، وبعد كلّ هذا، تجدُ من يقول لك: ” لن ينفع الكلام”! قد لا يُجدي الكلام، في وقتي ووقتك الحاضر ياصاح، نقول كلماتنا اليوم، وننساها في نهاية ليلتنا، ويذكُرها ربنا في كتابٍ، لا يضلّ ربي ولا ينسى، يتولّى الصادق منها، يُنبتها نباتًا حسنًا في قلب من أودعناها فيه، يجعل الله لكلماتنا الصادقة من يكفلها، كما كفَل زكريا عليه السلام، مريم! الله يهيئ لكل كلمة، من يكفلها؛ حتى تنشأ نشأة صالحة، عندها.. تؤتي أكُلها.

“ندخُل الجنّة، بكلمة (سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين).
الإسلام، دخلناه بكلام (أشهدُ أن لا إله إلا الله، وأنّ محمدًا رسول الله)
د. سلمان العودة

من ملّكه الله ملَكَة حُسن الكلام، فقد ملّكه خيرًا عظيمًا، بالكلمة، تستطيع فعل ما لا يستطيع فعله أيّ شخص آخر، ليس لقوّةٍ ذاتية منك، إنّما بفضل تلك الأحرف التي أنزلها الله، ووهبك القدرة على إعادة نسجها وابتكار طُرق جديدة لحياكتها، فينجذب من حولكَ لها، فتحرّك فيهم معنىً راكدًا، وتُحيي ما أوشكَ على الضمور، تُنقذ غرق الإيمان في القلوب..  تفعل أشياء كثيرة، بكلمةٍ واحدة، ووالله أنك في أحايينٍ كثيرة، كنت قد تفوّهت بكلماتٍ جمّة، لم تلقِ لها بالًا، سوى أنّها كانت نقية، صادقة، فأبكتْ من حولك، يحدّثونك أنهم بحاجة لك! تقول لهم أنك المُسيكين ولا حيلة لك، تمامًا كحالهم، لكن… يعلّمك الله أن طوق نجاة الكثير كانت … كلماتكَ الصّادقة.

الكلمات الصادقة، ليستْ حصرًا على الكتّاب والكبار من الأنام، إنّها مُتاحة للجميع! قد تجد كلامًا أدبيًا مُصاغًا بمفردات تحتاج لقواميس تفكّ لك شفرته، لكنك بالكاد تجد قشور صدق زائفة، بينما تذرفُ عيناك دمعًا، من كلماتٍ مصاغة بطريقة عادية جدًا، وما أبكاك إلا لأرطال الصدق لصاحبها! هذا النوع من الكتابات الذي أحتاجه، وتحتاجهُ أنت، وهوَ حقّ لكل من يحتاجه منك في أوقاتٍ من حياته.. تلك الأوقات التي يحدّثك فيها أحدهم، يحدّثك وأنت تفكر كيف يمكنني مساعدته؟ مع يقينك بأنّك لا تملك أدنى حيلة، لمساعدته، أقول لك: ثبّت أركانه بالكلمات.

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” يَا حَسَّانُ اهْجُهُمْ ، وَجِبْرِيلُ مَعَكَ ، وَقَالَ لِي : إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكْمَةٌ , وَقَالَ : إِذَا حَارَبَ أَصْحَابِي بِالسِّلاحِ فَحَارِبْ أَنْتَ بِاللِّسَانِ ” صحيح البخاري
حسّان بن ثابت- رضي الله عنه

ازرع أشجارًا طيبة، أصلها قلوب الناس، ودَع فروع تلك الأشجار الوارفة، تمتدّ، وترفل بالنموّ، دون أن تخطط لمسارِ نموّها، فقط تكفّل بسقايتها كلّما سنحتْ لك القلوب بذلك ، وسيُدهشك الله بطيّب الثمر، إن لم يكن لك، سينعم غيرك بالثّمر، وسيصلكَ حتمًا ولا ريب، الأجر.
“أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ* وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ” [إبراهيم: 24]

الأم، المعلمة، وكل مربّي، بحاجة للكلام، لكن تخيّر ما ستتكلمه… وكُن على يقين بأن ما ستقوله اليوم لهم، بشكلٍ أو بآخر، سيُقال لك.
بالكلام، تُنصر القضيّة، أو تُخذَل. بالكلام، تُسلب الحقوق، أو تُستردّ. بالكلام، يحبّ بعضنا البعض، أو نكره. بالكلام، تتجمّل الحياة، أو تُستقبح.

سيُجدي الكلام..

لازلتُ أذكر أجمل الكلمات التي قيلتْ لي، خلال سنواتي الدراسية، أذكر معلمتي في الابتدائي، لما كانت تقول لي بأنّي حسنَة الخطّ… معلمتي في المتوسط، كانت تأخذني من منتصفِ الحصص؛ لأقضي معها بقية اليوم نعدّ لوحاتٍ جميلة، وكانت تُسمع قلبي جميل الحديث عن رسومي! معلمة الأحياء في الثانوي، أكثرتْ مدحي على دفتري الخاص بالمادة، اعتنائي برسوم المادة وتلوينها نال إعجابها، وفي الجامعة.. قصص لا تنتهي من جمال الكلمات التي كتب الله أن أعيشَ جمالها وصدقها من أستاذات، أستاذة الثقافة الإسلامية، كانت في القاعة ما يفوق الستين طالبة، لكنّ ذلك لم يثنيها على أن تبحث عني، لتقل لي كلمة صدق، لازال قلبي يذكرها.
لا أحب الاحتفاظ بالأوراق، لكني لازلتُ غير قادرة على التخلّص من كل ورقة كُتب فيها كلامًا صادقًا، تكاليف مواد ماضية لاتعنيني، ولا أظن أنها ستنفعني، بقدر ما سينفع قلبي، كلماتهن الصادقة، التي… لم يلقينَ لها بال.

سيُجدي الكلام ..

تغيّبتْ سجى، سألتُ والدتها بعد يومين عن سبب غيابها، قالت وهي تضحك، بينما ظلّ الموقف عامين في قلبي، قالت بأنها رفضت المجيئ للروضة “عشان معلمة إيناس ماقالتلي صباح الخير، لما دخلت الفصل” هذه الصغيرة تبلغ من العُمر، ثلاثة أعوام! حتى القلوب الصغيرة، تتعطش للكلمة الطيبة!

ومن غير الكلام، لن ننعم بالسلام..

Share