رَوضتي، وغيركِ لا أُريد

2 فبراير 2017

هذه التدوينة، غير قابلة لأنْ تقرأها متعجِّلًا، غير قابلة لكتابةِ مقدِّمات!

بينما الجميع، يعملُ كعادتهِ، على قدمٍ وساق، فواحدة تُخطّط، وثانية تسدّ فراغ صديقتنا المتغيّبة، في روضَتي، روضتنا، كلّ مشغول، كلّ مُنهمك في شغله، كثيرًا ما يحدث أن تلتقي الأجساد، ونفترق في مواطنٍ كثيرة! لكنَّ شيئًا واحدًا يجمعنا، كلّنا مشغولون بإعداد الإنسان. أكثر من مائة طفل في روضتنا، ينتظرونَ منَّا الكثير، ينتظرون الماء العذب، لتنبتَ بذورهم، فنسعد برؤية براعمهم، أوراقهم، ولمَّا نشيب، يبلَّغنا المولى، ثمارهم، ولربَّما- وكلّي ثقة بالكريم- بأنّه سيكرمنا ليس فقط لنَرى تلك الثّمار، بل سيمتدّ كرمه، لنكن أوّل مَن يتذوقوا حلاوة تلك الثمار!

بينما يمضي يومنا، كأمسنا، غير أنّنا نتعهّد ماء عطاؤنا بتجديدهِ، حدثَ ما لمْ يكن بالحُسبان! قدَّر الله، وحدث ما حدث، اُضطررنا لتخلية المَبنى، في أقلِّ من ليلةٍ وضُحاها، تبدّل نورنا ظُلمة، وسرورنا حُزنًا! انتقلنا لمكانٍ آخر، مكان لا يُشبه روضتي، وأُناس لا يشبهون أطفالي، حتّى كراسيهم المُرتفعة، لا تُشبه كراسينا الصغيرة! ألوان أثاثهم القاتم، لا يُشبهنا أيضًا! كان أوّل شعور قذفه الله في قلبي: أنّنا افتقرنا بعد غِنى! لوهلةٍ، أصبح قلبي لاجئ! قلبي الذي كان يملك الكثير من الأشياء، اليوم، أصبح محتاجًا لمأوى مادّي وروحي…

استقبلنا الغير ببشاشةِ وجه وسلامة صدر، لكن، شيء في القلبِ لا زال، عصيّ على أن يخرج! صارتْ مهمتي، ومهمّة كل معلمة، كل إدارية، هي: التأقلم مع الوضع الجديد، وبأسرعِ وقتٍ مُمكن!

اللاجئ في الحقيقة، كان يمتلك كلّ شيء، فجأة ولأسباب قدّرها الله له، يفقد كلّ شيء، فيذلّ بعد اعتزاز، بعد أن كان يشعر بالشّبع الروحي، يعتادَ قلبه على الجّوع، دون أن يهنأ بلُقمة روحية، تُقِم نبضه، وهذا ما حدث معنا.

من بينِ المئات من الأشياء التي نمتلكها، وملّكنا الله إياها، في روضتي، كان الخَيار صعبًا بأن نتخيّر الأكثر حاجة إليه، ونقلهُ لحيثُ انتقلنا! ماذا عن بقية ما أملك؟ أساسًا لا أعرف كيف يختار المرء من بين أملاكه ويُفاضل بينها؟! نحنُ الذين ملّكنا الله كلّ مقوّمات الحياة، ويوم أن تُسلب نصف واحدة، نتوه ونتخبّط!!! آنذاك، كُشفتْ لي سوءة جديدة من سوءاتي! لا أُتقن اختيار الأهم! فكل شيء أملكه، في نظري، فإنّي أحتاجه، يحتاجُ قلبي رؤيته، ولو لمْ استخدمه!

على ما يبدو مرّ الأسبوع الأول، بصعوبةٍ بالغة، إلى أن اعتدنا الوضع، ألِفنا المكان الذي أُعيد تأهيله ليكون مناسبًا لنا ولأطفالنا، ألِفنا الشخصيات الجديدة الذين كنا لا نراهم إلا مرّة في العام، ألِفنا رؤيتهم كلّ صباح، ألِفنا الاشتراك في الأدوات، المشاعر، أشياء كثيرة… امتدّ هذا الأمر لأطفالنا، اعتادوا أشياء كثيرة.

في كلّ مرة كنتُ أجهّز ما سأعلّمه الأطفال مختلفوا الأعمار، الملتقون في مكانٍ واحد! وهذا من بين ما ألفناه طبعًا! كان يخطرُ على بالي اللاجئ مرّة أخرى، خطرتْ على بالي تلك الصور التي كنتُ أراها على هاتفي فقط، مدارس مُهدّمة، ومعلمة معطاءة لا تجد ذلك الرُكام، عُذرًا لإيقاف العلم! فاستيقظْ من شعوري بأشياء كثيرة، أتذكر مقوّمات الحياة، وفقداننا للمكان فقط! أحدّث نفسي: ستُكملين عطاءك، ولو لصغيرٍ واحد! ليس هذا فحسب، بل تُعطينه بحبّ كبير!

تعلّمنا مهارات كثيرة، تعلّمنا كيف أنّ كل ما نحتاجهُ، مساحة فارغة، بلا أثاث، لنفكّر كل يوم كيف نملأ هذا الفراغ بمتعة جديدة، اختلفتْ مُتعنا وكان ما نملكه أداة واحدة: روح مؤمنة. تؤمنُ بكلّ شيء، وتظنّ في الله خيرًا، تصبر وتصبِّر، وتُصابر. في مواقفٍ كثيرة، كان حالي، حالُنا، ينطبق تمامًا، كما قال تبارك وتعالى: ” إن كانت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها” .

كنّا نرى روضتنا، نمرّ من بابها المُغلق، وقد نشمّ رائحتها، تلك الرَّائحة التي لا يعرفها ولا يميَّزها إلا من عاش في حِجرها، نرى انطفاء أنوارها، وخلوّها من المارِّين، كنّا نرى كل ذلك، ولا نستطيع دُخولها، لم يعُد بالإمكانِ فعل أشياء كثيرة، كنّا في السّابق نفعله بلا أدنى تفكير، مرّة أخرى خطر على ذهني، تلك الدار القاصية، الدَّانية ، القُدس، المسجد الأقصى، يا الله الآن لا أشعر فقط، الآن أعيشُ ما عاشهُ المقدسيين! ترى وطنك، دارك، لكنك مضطر لأن تبتعد.. قد تكون تصلّي فيه كلّ يوم، لكنّك لا زلت ترى أنّه محتلّ، ثمّة أحد يجبرك على أن تخرجّ وتعود لتكن فارغًا، بعد أن كانت أشياء كثيرة تملؤك.

بعد مرور شهر على هذا الحال، اجتمعتُ ورفقتي، ذهبنا لعمل جولة في روضتنا، دارنا الدافئة، التي وإن أُكرمنا في غيرها، فإننا لا نُريد سِواها، مررنا على السَّاحة الخارجية، مررنا على أشياء كثيرة، افترقتُ عن مَجموعتي لأجدَ أحواض الزَّرع التي ابتدأتُ زراعتها مع أطفالي، تذكرتُ وعدي لهم بتعهدنا بسقايتها، شوّقتهم لرؤية مراحل انبات الله لهذه البذرة، ها هي اليوم حصيدًا كأنْ لم تغنَ بالأمس…

خرجنا من جَولتنا، ولم نكن نعلم بأنّ تلك الزيارة- والتي كنّا نراها من حقنا!- سنُسأل عنها!! حين سألتْ مسؤولة الأمن صديقتَاي عن سبب تواجدنا في هذا المكان؟! هَول صدمتي جعلني ألتزمُ الصَّمت! الذي يحملُ أسئلة كثيرة، وصور للمرة الثالثة يستحضرها قلبي، كيف نثبتُ لهم أنّ هذا المكان لنا؟ كيف نُسأل عن حق هو في الأساسِ لنا؟ يا الله!

تختتم تلك المسؤولة إخبارنا بعدم حضورنا مرّة أخرى، وبأنّها ستتخذ إجراءَ آخر لو تمّت مُشاهدتنا مرّة أُخرى!!! في تلك اللحظة بالذّات، كان قلبي يقبّل جبين كلّ مقدسي، عاش في أكنافِ الأقصى، عاشها قبل النّكبة أو بعدها، لا مهمّ، المهمُّ هو صبره على إزالة أشواك الوجع في كلّ مرّة يأتي فيها لأقصاه، يصليها زائرًا، غريبًا عنها، يطرده جنود الاحتلال، لكنّه يعتاد المجيء؛ شيء فيه يحرّكه لأن يكون وفيًا صامدًا حتّى الرّمق الأخير.

هذه الحوادث الصغيرة في حياتك، يقدّرها المولى لقلبك، ليعيشها، يحفر مفهومًا، ويؤكد معنىً، فيزيد إيمانك بمبدأ، تغيّر قناعة، ثمَّ تتَتبّع هذه الحادثة الصغيرة، لتراها في جِراح أمَّتك؛ لترى حينها، كيف أن النُّور كان مُلازمكَ، لكنّك كنتَ تُغطيه بكفيّك!

اللهم أعدِنا للأقصى فاتحين مُحرّرين، وافتح لَنا أبواب رحمتك، وأعد لتلك الدار، روضتنا، نورها الوهَّاج، وردّها لنا ردًا جميلًا. اللهم وكمَا أنَّك أدخَلتنا مَدخل صِدق، فأخرِجنا مخرج صدق، اخرجنا من مآزق الحياة، بلطفك وكرمك، واجعل لنا من لدُنك سلطانًا نصيرًا، وآخر دعوانا: أن الحمدُ لله ربَّ العالمين.

Share

ثُمَّ قسَتْ قُلوبُكم..

31 ديسمبر 2016

السلام عليكم ورحمة الله وبركَاته

%d9%86%d8%a8%d8%aa%d8%a9

البعض يحتاج لأدلّة كثيرة؛ ليؤمن بفكرةٍ، بمعتقد، بأمرٍ ما، ماكان ليؤمن به لولا وقوع ذاك الدليل، والبعض الآخر، يحتاج لدليل واحد، دليل واحد يكفيه لأن يقلب حياته وموازينه! ذلك أنّ الدليل، كان قطعيًا، ومُسكتًا.. والبعض، مَن يُوهَب الدليل القاطع، لكنّه، يُنكر الهِبة!

يُساق له الدليل، فيحدث في قلبه، عكس المتوقع! يزداد جُحودًا، يزيد نُكرانًا، ثمّ يزداد قلبه قسوة على قَسوته! وهذا ماحدث مع بني إسرائيل! لما سَاق الله لهم الدليل القاطع من إحياء القتيل، لم يُجدِ هذا الدليل لقلبهم نفعًا! ازدادتْ قلوبهم تصحّرًا وقسوة.. إنّك لن تجدَ أبلغ من وصفِ الكريم لحالهم:

ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ۚ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [البقرة:74]

تُنبئ (ثُمَّ) بنُكرانٍ مُسبق، بجحودٍ مُتكرر، رُغم كل الهِبات، رُغم كلّ النعماء، والمكرمات، ثمّ ماذا حدث؟ تلك القلوب اللينة، بطبعها، قسَت، فلمّا قسَت أخذت شكلين، لا ثالث لهُما، إمّا أنها صارت كالحجارةِ في قسوَتها، أو أنّها أشدّ قسوة! حسنًا هل هذا يعني أن الحجارة لا نفع فيها؛ حيثُ أنها قاسية؟ … إنّ من الحجارةِ ما فيه ثقوب متعددة، فتتفجَّرُ منه الأنهار، فينتفع النّاس، وإنّ من ذلك الجماد القَاسي، ليتصدَّع تصدّعًا، ليُخرجَ منه العيون والآبار… وإنّ من الحجارة، لمَا يهبط بعد أن كان على رأسِ جبل، فيهوي للسفح، وما سقط إلّا من خشيةِ الله!

نعم يا صديقي، صدَّق بأنّ ليس بنو إسرائيل وحدهم من قَسَت قلُوبهم! صدَّق بأن قلوبنا قسَت أو أنّها أوشكتْ على أن تغدو كحالهم! هل زارك هذا الشُّعور، أيا صديق؟ يحدثُ لك هذا، لو كنتَ تقرأ الآيات، وكأنَّما أُنزلتْ من أجلكَ فقط!

أمَا ترى مَن حولك، وفيكَ! من قلوبٍ، وُهِبت لهم الحياةُ بأكملها، ثُمَّ لأجلِ عارضٍ، يُصوّرونه أبديَّا، تسوء الحياةُ بناظريِهم وما تَحسُن؟ يحجِّرون واسِعًا، ويوسِّعون ضيِّقًا!

كما أنّك رأيت تلك القُلوب، كتلك التي تَلتْ (ثُمَّ)، أمَا رأيتَ، قلوبًا كانت كتلك الحجارة التي سقطت، تصدّعت، تشققت، لكنها نفعتْ غيرها؟ مِنّا يا صديقي، من سُلب الحيَاة، مُنع العطايا، لكنّ قلبهُ لا زال ليَّنًا رحيمًا، لا زال غِذاء تلك المُضغَة، الإحسان لنفسهِ وللنَّاس، لا يعنيهِ ما بهِ من كُروب، فإنّه في كلِّ نازلة لمن حوله، سبَّاق للخير، لإماطة الحُزن، لإقالة عثرةِ مكروب، لإحلال بسمة، ولفعلِ ما لم أستطع أنا ولا أنت، نحنُ الذين ملّكنا الله ما حُرِم منه، أنْ نفعله… رُغم كلّ ما لدينا!

ماذا أُحاوِل أن أخبركَ يا صديقي؟

أرأيتَ كيف أن الأرضَ الجدباء، المُقفرة، يخرجُ من وسَطِها، حشائش خضراء، وبراعمًا تكادُ تُداس بالأقدام؛ لصغِرها! كذلك قلب الذي ينفع الناس، رُغم ما يُعانيه، رُغم “ظروفه” القاسية! قلبه متصحِّر، لكن تصحَّر قلبه، لا يُعارض إحسانه، وإقدامهُ على الحياة، هذا ما لم نستوعِبه أنا وأنت يا صديقي، هذا ما يجب تمامًا أن نُدركه!

المُلمَّات لا تعني إعراضك عمَّن حولك، المُلمَّات والنوازِل التي تعصفُ بنا، لا تُبرِّر لنا قول ” أنا ناقِص”! عند حلول أوّل “كارثة” جديدة! عند قدوم أوّل شخص “يُفضفض” لنا! لا تعني أن نغفلُ عن قولهِ تعالى : (فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِّكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ ۗ ) [آل عمران:153].

ماذا أعني بهذا الكلام، يا صديقي؟

وجدتُ من النّاسِ يا صديقي، مَن يقلبُ قراءة أعمالكَ، وأقوالك، لمَّا تتحدَّث عن أوجاع أُمّتك، يُشفق عليك! يُشفق، رُغم أنك تجدُ لا مكان للشفقة هُنا، لكنَّ رأس شفقته، جاءَ من تصوّره أنَّك حمَّلت قلبك، وأنتَ “اللّي فيك مكفِّيك”! هُم لا يعلمون يا صديقي، أنّ بعض الجِراح، تُضمِّد جراح أخرى! هُم لا يعلمون، أنّ كثير ممّا أصابهم، خَلاصهم منه هو الإلتفات لغيرهِ! أن يصرفَ قلبه عمّا أصابه، أن يرى الحياة مِن حوله؛ فلمّا ينشغل فكرهُ بأمرٍ آخر، يكُن الخلاص، بتدبيرٍ إلهي! لكنّهم لا يعلمون، لذلك فإنّهم يتحدّثون!

أُعلِّم صغاري أنَّ الحياة لا بدّ أن تمضي، رغم الذي يحدثُ فيها، يحدثُ أن يرونَ آثار التعب على وجهي، فيبادرون بسؤالي: معلمة راسك يوجعك؟ أخبرهم بالإيجاب، فيتعجَّبون! سبب عجبهم يعود لفكرةِ ما الحاجة للعطاء، والعذر معكِ بالغياب! أخبرهم بأنَّ الإنسان لا بدّ أن يصبر، يصبر يعني يتحمّل، ويدعو الله أن يجعله يعمل الصالحات، حتى لو كان يشعرُ بالألم، طالما أنَّه يريدُ فعل الخير، فالله معه… هذا الصغير، يسمعُ اليوم عن ألم رأسي، يرى مُجاهدة الألم لأجلِ العطاء، غدًا يرى ذلك المفهوم، في حياتهِ، يرى تلك القلوب المكتظة بالهموم، لكنّها لا تبدو كذلك! ذلك لأنّها تعملُ لأجل غيرها، تعملُ حتى لأنَّ كثيرًا من الأفكار والحقائق لابدّ أن تظهر، كثيرًا من المفاهيم، لا بدّ أن تتضح، إذا كان كلّما تعبنا، تعبتْ قلوبنا، توقفنا، فمتَى يجيء النَّصر يا صاحبي؟!

تعلَّم يا صاحبي، كيف تغدو مُزهرًا، وقلبك متصحرًا، لا بأس! تعلّم أن تنبتَ وسط الجليد، أن تكنْ غيمةً لمُبلَّل الرّوح، أن تكنْ ضمّادة لنازفِ الفؤاد، أن تكُن ممحاة، لمن كثرتْ عثراته، أن تكنْ سيفًا للحقّ.

لا بدّ من سِنة الغفلة، ورقاد الغفلة، ولكن كُن خفيف النَّوم- ابن القيِّم

أطلنا الرّقاد يا صاحبي، وأشغلتنا همومنا! حتى اشتغلنا بها! كلّ مافي الحياة يمضي، والعُمر.. يمضي، وقلوبنا في رُقاد، رُقاد من أجلِ نفسها! من أجلِ حاجاتها، متى ننتصر لقضية؟ متى ننشغل بفكرة؟ متى نُعين، نُحسن… فمتى يفيق القلب يا صاحبي، متَى؟

 

Share

على رأسِ العمل!

11 نوفمبر 2016

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

heart

ثم تفتُر بعد همّة، ويخفو بريقك بعد استنارة، وتشعر أنّك زائد على هذا العالم! وتشعر بما لم تشعر به لوقتٍ طويل، تشعر أنك غير قادر على العودة لسالفِ عهدك، وعملك الذي ألفْتَه! لوهلةٍ، ولحيلةٍ شيطانية زيّنها لك، فصدّقتها نفسك، تظنّ ظنًا لا يليق بك! – لكنّك ظننت في النهاية- أن المفرّ هو الانسحاب، الخروج من كلّ هذا المأزق، واعلان استقالتك بينك وبين نفسك!

صحيح أنك لازلت تعمل معهم، في المنزل، وفي عملك، لكن قلبك مستقيل عن العمل الحقيقي! جوارحك تُمارس الأعمال الروتينية، تتمّها بإكراه من جهاتٍ كثيرة، لكن القلب مستقيل…

قاوِم ياصديقي، كلّ شعور يحول دونك ودون أن يكون قلبك على رأسِ العمل بسببٍ أو بلا سبب! عدّه بلاء، اصبر، وتصبّر واصطبر، اجتهد وجاهد، لا بأس أن يفقد الإنسان نفسه، يتوقف قلبه (وربما إيمانه) أن يكون منتجًا، أن يُكمل مشاريع كثيرة، فتح لها الباب، وابتدأها، ثم لشعورٍ عابر، وسيمضي، يغلق كل أبواب الخير، في لحظة!

قاوِم العُسر بالتسبيح، زاحم الشعور بشعور، زاحم الفراغ بالعمل، زاحم الجهل بالعِلم. قُم، كلما أطلتَ القعود؛ فالأجسام الراكدة، مرفأ للأتربة!

الإنسان لما يقرّر أن يكون قلبه على رأسِ العمل، يبدو عمل قلبه ظاهرًا جليًا لكل شخص يلتقيه، تجد له كلمة طيبة في المجالس، وخيرهُ لأهله قبل غيره، يُمارس هواياته، لازال يشعر بالشغف تجاه ما يحب، فتجده مُقبل دائمًا ومُبادر، يقترح، يبتدأ، وقليلًا ما تجده، مُحبَط أو مُنسحب! و لأن قلبه لا يعرف للسكون معنى، فإنه كثيرًا ما يدفعه لعمل أشياء كثيرة، يؤمن هذا الإنسان، الذي ملّكه الله قلب على رأسِ العمل، أن عمله الذي يُتقنه، إذا لم يقم به على أكملِ وجه، فإنّ غيره من الناس لن يقم به، يُدرك أيضًا، أنّ فراره من مهماته في إصلاح نفسه والآخرين، يعني رغبته على استعجال منيّته وهو على قيد الحياة!

كما أن البطالة في وظائف الدنيا ظاهرة، فإن بطالة القلوب أشدّ انتشارًا! ياربّ استعملنا فيما تحبّ، واعنّا على ما استخلفتنا عليه، وكنْ لتلك القلوب العاملة، خير مُعين، أعنها حين تعمل، وحين تميل لأن تستقيل، أعنها لما تُعلن استقالتها أن تعاود العمل! وثبّتها على ما يُرضيك.

الحمدللهُ الذي بنعمته تتمّ الصالحات، الحمد للواهب على تمامهِ سبعةِ أعوام لهذه المدونة.
ربّ أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانًا نصيرًا.
11/11/2016

Share

كأنْ لم تغنَ بالأمْس

23 سبتمبر 2016

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

%d8%ad%d8%b5%d9%8a%d8%af

هل جرّبت أن تكونَ متقينًا من شيء فيك؟ كيقينكَ بتمكّنكَ بكتابةِ اسمك! يمضي العُمر، ثمّ يُبدي لك المولى، أن يقينكَ ما كان بيقين ياصاح! يُبديها لك، وحقيقة أنك (مُتيقن) قد تجذّرتْ فيك. ماكان فيكَ بِضعًا من عُمرك، كنتَ تظنّه ظنًّا!
والظنّ ياصاحبي أكذب الحديث! كما قال نبينا المُصطفى، صلوات الله وسلامهُ عليه.
ماذا يعني أن تظنَّ؟
يعني أنك لستَ بجازمٍ، تجاه أمر ما، يعني أنّك تشكّ بهذا الأمر.
يقول صلّى الله عليه وسلم: “اجتنبُوا كثيرًا من الظنّ، إنّ بعضَ الظنّ إثم“. قامت حياتنا على (بعض الظنون) فأهلكتنا، والله المُستعان!
يقول تعالى: (وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا ۚ إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا) [يونس:36]
افعل ما شئتَ، في النهاية، كُن على (يقين)، أن ظنّك، في كثيرٍ من أمور حياتك، وفي النَّاس، لن يُغنيك ياصاحبي، ستعرفُ ولا ريب ماكان خافيًا عنك، الحقّ الذي غاب عنك، أو غيّبته بصنائعك! أيًا كان السبب، ذلك الظن، القشرة الهشّة، لن يكن لها مصيرًا إلّا أن تتمزّق، شرّ تمزيق! سيمزّقها سطوع الحق، على حين غفلة من صاحبها، منكَ أنت.
الظنّ لا يعمّر في الإنسان طويلًا، كتبَ الله له أن يكونَ قصير الأمد. بعد ظهور الحقّ، قد يستمر الإنسان، في ظنّه، مُتغاضيًا عن كلّ آيات الله فيه! يُغمض عينه ويُطأطئ قلبه رُغم كل البراهين، بالأكاذيب التي فرضها، وصدّقها، فعاشها.. لا يهمّ ماذا تفعل بعد تكشّف الحق، المهم أن الحق في نهاية الأمر، سيُظهره الله، رغمًا عن كل ظنونك، وادّعاءاتك، وماتفعله، شأنك وحدك، فافعل ما يحلو لك، فإنّما هي صحيفتك، فاملأها بما شئت ياصاح!

للحظة فقط، انسَ حديثنا عن الظن، دعني أحدّثك عن صورة، عن موقف، عن بداية مُشرقة، ونهاية غير مُتوقعة! هَب أنك تقفُ في بُقعةٍ من أرضٍ تحبها، هذه الأرض، دون غيرها من الأراضِ، كتب الله لها القبول لقلبك، أكرمكَ الله بعطاياه، اعتلتْ غيمات رمادية فوق أرضكَ التي تُحبّ، فعلمتَ بأنها ستُمطر! المطر يعني النَبت، تزيّنت أرضك، اخضرّت، تعلّقت بها أكثر! لم تنتهِ الحكاية، حتى الآن، بعد اكتمال حُسن صورة ماتحبّ، (ظننتَ) أنه بإمكانك رعايتها، بإمكانك فعل كلّ شيء لها، فجأة من أيامِ عُمرك، يأتي لهذه الأرض، مالمْ تتوقعه، يأتيها أمر الله، في وقتٍ لا تعلمه، ولا يهمك في أيّ وقت جاء الأمر، المهم أنه جاء! فغدت حصيدًا، عادت كما كانت، قاحلة، جافّة، متشقّقة، كأنها لم تكنْ من قبل، غنيّة بالخُضرة، غنيّة بالجمال، غنيّة بك واغتنيتَ بها!

يصف الله لنا هذه الصورة، في سورةِ يُونس:

(إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ)[25]

بدأتْ المشكلة، لما ظنّنا أننا قادرون على إتمام أشياء كثيرة، على ترك ذنوب كثيرة، ولأن المَسافة طالت بين الذنب وآخر عهدك به، ظننتَ أنك تخلّصت منه، أرأيتَ كيف أن تلك الأرض، اجتمع لها الحُسنيين، زُخرف وزينة! وكذلك أنت، يجتمع لك في أمرٍ من أمور حياتك، ما يجعلك تبتهج، فغيركَ محروم، وأنت في منّة،فلما أتاكَ أمر الله، أمر الله كان لتلك الأرض بأن يُقضى على أخضَرها، زرعها وشجرها، فكان هلاكها، أمر الله فيك، لذلك الأمر الذي اجتمع فيه لك، مالم تطلبه من الله، لكنه أكرمك، يكون بأشياءٍ كثيرة، المهم أنه لما يأتي أمر الله، يكن كصخرة ضخمة، تُلقى على قلبك، فلا تقضّ مضجعك فحسب! تقضّ فيك معانٍ غابت عنك، وأُخرى كان بحاجة لأن تُفتتها تلك الصخرة، لتُعيد ترتيب قلبك بعد وقوع تلك الضخمة عليه.

الرّائي لقلبك بعد وقوع الصخرة، بعد أن أتاه أمر الله، لا يصدق بأن قلبك كان غنيًا بأشياء كثيرة، كان يسمعها عنك، أو يراها فيك، ما يراه فيك الآن، الفقر، الضعف، الضياع والشتات، كأنك لم تكن غنيًا بالأمس، فكل غنىً فيك، يفقر، و كل قوّة فيك، تضعف،و كل شروق فيكَ يغرُب، و كل انبساط فيك، يُقبض، و كل حاضر فيك، يغيب..

كأن قلبك لم يغنَ بالأمس، ذلك الأمس الذي قد يكون سنين من توبتك، عُمرًا من فعلك للصالحات، لمّا يأتي أمر الله، تموت كل سنينك الجميلة، يُصبح قلبك للحظة، قاحلًا ، حصيدًا، تمامًا كتلك الأرض، التي حصدت، بعد زهوّ!

“اللّهُمّ إلَيْك أَشْكُو ضَعْفَ قُوّتِي ، وَقِلّةَ حِيلَتِي ، وَهَوَانِي عَلَى النّاسِ، يَا أَرْحَمَ الرّاحِمِينَ ! أَنْتَ رَبّ الْمُسْتَضْعَفِينَ وَأَنْتَ رَبّي ، إلَى مَنْ تَكِلُنِي ؟ إلَى بَعِيدٍ يَتَجَهّمُنِي ؟ أَمْ إلَى عَدُوّ مَلّكْتَهُ أَمْرِي ؟ إنْ لَمْ يَكُنْ بِك عَلَيّ غَضَبٌ فَلَا أُبَالِي ، وَلَكِنّ عَافِيَتَك هِيَ أَوْسَعُ لِي ، أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِك الّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظّلُمَاتُ وَصَلُحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِنْ أَنْ تُنْزِلَ بِي غَضَبَك ، أَوْ يَحِلّ عَلَيّ سُخْطُكَ، لَك الْعُتْبَى حَتّى تَرْضَى ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوّةَ إلّا بِك”[ابن هشام 1/ 420]

Share