فَلَنُحْيِيَنَّهُ …

11 نوفمبر 2017

 

يلمحُ رشفاتي البطيئة للعصير، يُخبرني فور إعادتي للعصير لغرفة المعلمات، وعيناه يغشاها الحُزن: ” معلمة كان نفسي أذوق من عصيرك!” أنسى شعوري بالدُّوار، أُطبطبُ على كتفهِ، أُطمئنه أني لم انتهي منهُ كاملًا، وعدتهُ بأن يذوق ما اشتهى بإذن الله، قُبيل خروجي، أتذكر وعدي لعمر! أذهبُ وكوب ورقي في يدي وفي الأخرى العصير الذي اشتهاه، أستأذنُ صديقتي بأني أحتاجُ عمر قليلًا، يحتجُّ بقية أصحابه بنظراتهم دون أن يتحدثوا، أُجلسه بجواري، أُعطيه العصير في ذلك الكوب، أراهُ كوب ورقي، لكنَّه لم يكنْ كذلك لدى عُمر! كان كأنَّهُ كوب من الجنَّة، قد أُهدي له!

اللحظات الجميلة في حياتك، تأتيكَ في أوقاتٍ غير متوقعة، نِعَم الله عليك يُنزلها لقلبك، في الوقتِ الذي تكن منشغلًا بأمورٍ أخرى، ستذهب لذَة تلك النعمة فيما لو كان رأسكَ مُطأطئ! وسيُمتعك الله نعيمها ويرزقك شُكرها، لو أنَّك عمَّا أشغلكَ، انصرفتْ.

هذا ما يحدث معنا في الحقيقة، تضيع – أو أننا نُضيَّع- استشعارنا لنعمٍ كثيرة؛ ذلك لأننا مرهقين بأمورٍ أخرى تحدثُ حولنا، أو نشعر بها، أو أقدار نُطيل الوقوف عندها، حتى إذا ما انتهى بنا الأمر لإيماننا الذي يجيء متأخرًا، بأنَّ ما أصابنا لم يكن ليُخطئنا، وما أخطأنا لم يكن ليُصيبنا، و لكنها أقدار الله! نُدرك ذلك – وإيماننا لا يسعفنا؛ لضعفه- متأخرًا، في الوقتِ الذي يُكرم الله به قلوبنا بكثيرٍ مما اشتهينا، تأتي نعمائه في أوقاتِ سَعتنا، ضِيقنا، تأتينا في ازدحام الشعور والمهام، تأتينا في صَحونا ورُقادنا، برؤية يُسرَّ الخاطر لها، لكننا كثيرًا ما نفوِّت كل هذا عمدًا أو سهوًا، لكنها في النهاية تضيع، وشيء من العُمر، يتسرَّب مع ضياع كل نعمة كتبها الله لنا، لكننا لم نُرعِها اهتمامًا يليق بها.

ماذا يحدث بعد أن يضيِّع المرء كل النعم؟ يقلَّ زاده وقت شدَّته، تجدهُ في سفرهِ للحياة، شاكيًا باكيًا مُتذمرًا، حتى ما يُعينه على أن يتخفَّف مما يُعاني ويشعر، فهو زاهد، ومُقلّ! تذكِّره لإحسانِ الله له، في مواقفِ كثيرة وأحداث متكررة، يخفِّف وطأة ما يمرّ به، لكن ذلك الإحسان متهالك، لم يحرص على أن ينمّيه وأن يجمعه لأيَّام كتلك!

تذكركَ لإحسان الله لقلبك، لحياتك، استذكارك لتفاصيلٍ أتعبتك، وكيف أنَّها برحمةِ الله وفضله، غَدت ذكرى، استشعارك لنعمةٍ بعينها، كيف كان لهذهِ النعمة من تغيير كبيرٍ في حياتك، نقلة نوعية لم تحلم بها! وما أتتكَ راغمة إلا بنعمةٍ من الله وفضل… كل هذا يأتي للقلب اليقظْ، صاحب الإيمان القوي، أو الذي يُحاول السير على الطريق، يجمع شتاته مبكرًا، يلمَّ بقاياه؛ لعلمهِ أنَّ لا شيء يبقى على حاله.

يقول ابن القيم:
” النعم ثلاثة، نعمة حاصلة يعلم بها العبد، ونعمة منتظرة يرجوها، ونعمة هو فيها لا يشعر بها “.

أُعلِّم صِغاري بأنَّ القلوب هي محطّ نظر الرب، وما علموا أنَّني كثيرًا ما أنسى هذه الحقيقة! كَم مرَّة تُحسن فيها صُنع أمر، يُثني عليك الجميع، يشكرك من حولك، لكنك لا تشعرُ بالرضا رغم كل تلك الحفاوة! شعورًا صغيرًا كفيل بأن يقلب موازين قلبك، يجعلك تشعر دون أن يخبرك أحد، أنَّ في الأمر، خلل! بادر واصلح! وليس كل عُطب يحتاج لطبيب، ثمَّة نوع منهم، لا يحتاج سوى لأن تدعو الله كثيرًا بأنْ يُصلح قلبك، تُجاهد المرَّة تلو المرَّة، حتى تجعل من قلبك، مكانًا يليق لنظر الربَّ. 

قال تعالى: ( وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ) [ النحل:18]

رُغم عدم مقدرتنا على أن نُحصي نعماء الله علينا، لكنَّهُ الله الذي يتجاوز ويعفو ويغفر، يرى تقصيرنا عن شكرهِ، لكنه يُكرمنا بمنحنا المزيد من الفُرص، يُكرمنا بألا يقطع عنا ما نُحب، ومن نُحب، يُكرمنا بالمزيد من النعم، مع استمرارِ غفلتنا ولهونا.. إنَّه الله!

قال ابن كثير- رحمه الله- قوله: ” إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ أى يتجاوز عنكم، ولو طالبكم بشكر جميع نعمه لعجزتم عن القيام بذلك، ولو أمركم به لضعفتم وتركتم، ولو عذبكم لعذبكم وهو غير ظالم لكم، ولكنه غفور رحيم، يغفر الكثير، ويجازى على اليسير”

قال تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [النحل:97]

ومَن منَّا للحياة الطيبة ليس براغبٍ ولا بطامع؟ عمل صالح وإيمان صادق هو كلّ ما تحتاجه لأن يُحييكَ الله، يُحيي قلبك، يُحيي روحك، يُحييك ويجعل كل ما فيكَ حياة على حياة! لا يُحييكَ فحسب، بل يجعل حياتك طيَّبة، تلك الحياة التي تجعل من قلبك مُطمئنًا، يصرفُ عنه كل ما قد يشوِّش عليه الطريق، ويرزقهُ من حيثُ لا يحتسب. 

تأتي كل هذه الأشياء، فيما لو كان قلبك يقظ بدايةً، بعدها تأتي بقية الأشياء! فما من عمل صالح لقلبٍ لاه. إذا رزقكَ قلب فطِن، يستذكر نعماء الله عليه، يحمد ويشكر، يصبر ويرضى، فأنتَ على خير. 

أنتَ في هذه الحياة قضيتك الإيمان، في كلّ نعمة يرزقك الله بها، أو بليَّة يبتليكَ بها، ما موقف قلبكَ منها؟ مقياسك الحقيقي لنجاحك في كل ما كتبهُ الله لك هو زيادة إيمانك في كل نعمة، ومع كل بليَّة ومُصيبة، إن لم يكن كذلك، فراجع قلبك، استعن بالله؛ حتى للطريق، يُرشدك ويدلَّك.

عُمر، أتته السعادة، بينما هو يشعر بالسعادة! كان يلهو مع صحبه، لكنَّ الله أكرمهُ ما اشتهاهُ فزاده نعمة على نعمة.. اللهمَّ يا ربَّ عُمر، ويا ربَّ كل الأنام، ارزق أفئدتنا الإيمان الذي يُسندنا في متاهاتِ الحياة، ارزقنا يقين الأطفال الجازم بك وبقُدرتك، أعنَّا على شُكر كل النعم، على الوجهِ الذي ترضاهُ عنَّا.

الحمدُ لله الذي أتمَّ على هذه المدوَّنة، ثمانية أعوام، ثمانية أعوام لا تُعادل شيئًا مُقابل سنين الإنعام والإحسان، من الحفظِ والجبر، من كل ما يضخّ القلب به، بكَ، ومنكَ وإليكَ يا مولى هذه القلوب. الحمد لك دائمًا وأبدًا، الحمدُ لك سرًا وجهرًا، الحمدُ لك حمدًا كثيرًا طيَّبًا مُباركًا فيه.

ربّ أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانًا نصيرًا.

11/11/2017

Share

وفي الجُدْبِ، حياة

27 يوليو 2017

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

كَان الغيث لا المطر، ذلك الغيث الذي يسقي الله به الناس؛ إغاثةً لهم، الغيث الذي يجلب الخير الكثير النافع، ماذا حلَّ بالغيث ياصاحبي لمَّا دنَا من الأرض؟

يظنّ الناس، الذين أُغيثوا، فغاثتْ قلوبهم، بأنَّ الغيث أصاب أرض واحدة! ذلك صحيح، لكن ليس بشكلٍ كليِّ، أرض واحدة في ظاهرها، لكنها على الحقيقة، ثلاث أراضي، وغيث واحد!

أمَّا الأرض الأولى فإنها الزِّراعية، أو قُل بأنها “الأرض الطيَّبة“،  تلك التي تقبلُ الماء فورًا، ثم تتنعَّم بوافِر الأشجار والأزهار، أرض تقبل، وتُنبت، انتفعتْ ونفعت، أرض كهذه، قلّ من يعرِض عنها!

الأرض الثانية، وهي التي تشبه الأرض الصحراويَّة، سمِّها إن شئتَ “الأرض الأجادب” ، وهي التي تحبسُ الماء داخلها، تقبل الماء، لكنها غير قادرة على أن تُنبت كما الأولى، لا تستطيع أن تُثمر كثيرًا، يكفيها أنها قبِلت، فنفعت، ولربما انتفعوا الناس منها، فحفروا الآبار، ما غرَّهم ظاهرها القاحل، المُقفر، داخلها عامر بالخير، هي حبسَته، ونفعت بطريقَتها. وأرض كهذه، قد يُعرَض عنها؛ ذلك أن ظاهرها لا يُنبئ بخير داخلها! لكنها في الخير، تحوز على المرتبةِ الثانية.

أمَّا الثالثة من الأراضي، فأعيذكَ ياصاحبي منها، وأُعيذني! فهي “الأرض القيعان”! تلك الأرض المُستوية، الخالية من الشجر، كما لو أنَّك سكبتَ الماء على أرضِ رُخَام، ماذا يحدث؟ الأرض القيعان، لا تقبل الماء!! لم تَنتفع، لذلك هي عاجزة عن نفع غيرها!

احتفظ بصورة تلك الأراضي، وعُد لمِن حولك ياصاحبي، ألا يُذكرك ذلك بشيء؟ إنَّهم الناس مرَّة أخرى! وما كان حديثي لك إلّا عن أنواع القلوب الثلاثة تجاه العِلم والهُدى.

ألا تَرى أن منَّا من ينفع وينتفع، وليس عن الأرض الطيبة أتحدث، فأهلها هُم ليسوا بحاجةٍ لأن يُكتب عنهم! ولستُ بصدد إخبارك عن القيعان، أصحاب القلوب القاسية، فهم أيضًا عن التعريفِ، بمأمنٍ وغنى! لكنَّ كل الشأن في الفئة المنسية، أولئك الذين نُسرع ونتفنن في الحُكم عليهم، مما نرى من ظاهرهم، فإذا ما شرعوا بالحديث، وخرجتْ منهم كلمة طيبة، أو فعل حميد، يصعب علينا التصديق ودمج الظاهر بما رأينا وسمعنا! إنهم أصحاب الأرض الأجادب، ظاهرهم لا يُوحي بصلاحهم، لكن الخير ياصاحبي في جوفهم، يسكن، هُم غير قادرين على الوصول للعُلماء، يحضرون الدرس تلو الدرس، والمُحاضرة تلو المُحاضرة، عجزوا عن العمل بكل ما علِموا، يأتيهم الشيطان كما أنه يأتيك، يحاول تثبيطهم ألّا جدوى من تلك النفس، التي تُجاهد وتُصارع؛ لتكون على الصراط المُستقيم ما استطاعتْ، يقاومون، يكافحون، لكن ظاهرهم لا يُوحي لك بكل المعاناة التي يعانوها؛ حتى يكونوا أُناس جيدين.

وأنا أكتبُ لك ياصاحبي، يتراءى لي صُور الذين أدهشني حديثهم، لما تكلموا، وأنطقهم الله، أتذكر استغرابي وعقلي يقول: “أنَّى لهذا الفِكر يسكن هذه؟” أكتب لك… وأتذكر أشخاص كُثر، مواقف لا تنتهي، كلها تمرّ ياصاحبي لكنَّ شيء واحد لا يُمكن تمريره وهو أن يمضي العُمر بلا محاولة لأن يكون قلبك -إن لم تستطع أن تكن من الطيبين- فكن من أهل الصحراء! احبس العلم وانفع به كيفما تُريد، لا تنتظر أن ترى النتيجة عليك! وكما يقولون” عافر عشَان تتعلم” حتى لو صَعُب عليك العلم، حتى لو تراكمتْ عليك الدروس، المهم ألا تتوقف عن الطلب، دعِ الناس يرون منك الجزء القاحل، فذاك شأنهم، وحين يريد الله أن يحفروا الأرض، ستسقيهم من بئر معرفتك وهُداك الذي هداكَ الله به. 

آخر الأمر وأوله، ماكنتَ بحاجة لقراءة كل تلك الأسطر الماضية، لكنَّها رغبة الإنسان المُلِّحة لأن يكتب، يستوضح، يستزيد… كان سيكفيك قراءتك لنصَّ الحديث، الذي أورده الإمام مُسلم في صحيحه: 

عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: ” إِنَّ مَثَلَ مَا بَعَثَنِيَ اللَّهُ بِهِ مِنْ الْهُدَى وَالْعِلْمِ, كَمَثَلِ غَيْثٍ – مطر- أَصَابَ أَرْضًا, فَكَانَتْ مِنْهَا طَائِفَةٌ طَيِّبَةٌ, قَبِلَتْ الْمَاءَ, فَأَنْبَتَتْ الْكَلَأَ, وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ, وَكَانَ مِنْهَا أَجَادِبُ, أَمْسَكَتْ الْمَاءَ, فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ, فَشَرِبُوا مِنْهَا, وَسَقَوْا, وَرَعَوْا, وَأَصَابَ طَائِفَةً مِنْهَا أُخْرَى, إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ, لَا تُمْسِكُ مَاءً, وَلَا تُنْبِتُ كَلَأً, فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ, وَنَفَعَهُ بِمَا بَعَثَنِيَ اللَّهُ بِهِ, فَعَلِمَ وَعَلَّمَ, وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا, وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ”.

 

Share

خاتم مُعلمتي نسرين

7 يوليو 2017

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

لو علِمت معلمتي نسرين، معلمتي في الروضة، عن سعادتي العارمة فور إخبارها لنا، بأننا سنلعب لعبة البحث عن خاتمها في ساحة الرمل، كانت تجلس وسط الرمل، تخلع الخاتم من اصبعها، تطلب منّا أن نُغمض، نُغمض بحبّ وحماس… تُسرع الاخفاء… نبتهج بالبحث ونسعدْ وإن لم نكن من وجدناه! غابتْ الروح، وظلّ الشعور…

لو أنها علمتْ، لما كانت ستتوقف عن مُشاركتنا لخاتمها.. ولو علِمت أن طفلةً من فصلها سيُعينها الله لتكون معلمة كما كانت معلمتها… وكلما حان وقت المرح مع الصغار، تخلع تلك المعلمة خاتمها فتارة تُخفيه، مستحضرة ذات الحب الذي كان يُقدَّم لها.. وتارة تترك الأطفال يطبعون أثر الخاتم على قِطع العجين.. تغيبُ الأماكن ويرحل الأشخاص، ويظلّ الشعور.

صِغاري في الروضة، لما انتقلوا لمرحلة التمهيدي، وصار غيري معلمًا لهم، أصبحوا يترددون عليّ، كلما التقينا، أتعجّب من الأمور التي يخبرونني بها، يذكّروني بجميل العهد الذي كان بيننا، بمواقف بالكاد استجمعُ ذاكرتي لأستعيدها! أسأل نفسي: هل قلتُ هذا حقًا؟

من بين ما يذكّروني به هو ألعابنا التخيلية التي كثيرًا ما كنا نلعبها، لم نكن بحاجة إلا لأداةٍ واحدة، لنتمَّ ألعابنا التي لا تنتهي، قلب مُزدحم بصادق الشعور! وهذا ما جعل من الأوقات التي كثيرًا ما كنتُ أظنها ستمضي… يستعصي محيها.

فارس، الذي تحشرج صوته، قائلًا: ” معلمة، كلامك يبكِّي” عند سماعه لموقف لقاء المؤمنين لربهم في الجنَّة… الشعور الصادق، ما إن يقذفه الله في قلبك، فاعلم أنك موفَّق.. وأنّك للخير، صائِر.

لم يكنْ بيت جدي وجدتي رحمهما الله بالبيتِ الآسِر، لكنه كان لقلبي، فِردوسه!  الطوب المُهدَّم، والفناء الصغير… الذي كان بعيني أوسَع من كل القارات.. ذلك البيت ، أُجزم بأنه كان يكفي سُكان الكرة الأرضية، رحلوا أصحاب الدار، تهدَّم البناء.. وظلَّ جميل الشعور..

في حقيقة الأمر، غالب الناس، يعتني كلّ الاعتناء بالموقفِ نفسه، الحدث بعينه، المناسبة بذاتها، ويغيب عن ذهنه، أن شعور صادق يُغنيه عن كثير ما أسرف في إعداده! ما أكثر المُناسبات والاجتماعات التي كان فيها كل ما نحبّ، لكنها انتهتْ وانتهى كلّ شيء بانتهاءها! ما تتذكره وما يظل في قلبك، ويعمِّر وقتًا طويلًا هو ما طُوي على شعور صادق، حتى لو لم تلتقط صور في ذلك اليوم، فأنت لستَ بحاجةٍ لها، ذلك لأن قلبك يحمل الكثير مما لا ينتهي.. ولا يتبخر…

الإنسان بحاجة لشعور صادق في كلِّ أمور حياته، الشعور الصادق ليس كما يظنه البعض.. أمر زائد.. بل إنه اللبنة الأولى التي يُبنى عليها البناء كله.. وما أكثر من كانت دموعهم الصادقة، طريق هداية الناس، وآخرين.. كلماتهم وإن لم تكن بليغة إلا أنها صادقة.. تزيد في إيمانِ القلوب.. في مقابل بلاغة الكلمة، وفصاحتها وغياب الشعور… النتيجة: ” ليته ما نطق وما كتب!”.

احرِص على أن تبثَّ الشعور في كل أمرٍ تقوم به، في كلِّ هدية تُهديها،  كلّ كلمة تتفوَّه بها،  كل موقف تمرّ به، كلّ تجربة تعيشها، وأينما وضعك الله، أنبتَ الشعور.. وما يأتي الشعور الصادق،إلا حينما يعلم الإنسان ماذا يريد الله في كل ما يقوم به؟ الشعور الصادق يأتي لما تفعل الأشياء، وتقول الكلمات الطيبة، وتُهدي، وتٌحسِن، وتعفو… لأجلِ الله.. لا يعلم الناس سبب قيامك بكل هذا، لكنه وحده يعلم..

تعلم أنَّ مولاك، يحبّ منك في هذا الموقف أن تعفو، وفي آخر أن تتجاوز… ومع والديك أن تكون ذليلًا.. علمكَ بإحاطته، وبتدبيره وبجبره لك، وتعويضه لقلبك… يدفعك لأن تقوم بالمزيد من الأعمال بقلبٍ صادق وإن ظل المسيء على حاله، ولم يُرفَع الظلم عن المظلوم!

الناس، ونحنُ منهم بالمناسبة! مزدحمون بالهموم والمشاكل، هم يعلمون بأنك لست من سترفع عنهم البلاء، ولم تكُ تلك بُغيتهم يوم أن اختاروك ليبثُّوا لك مافي صدروهم، الناس بحاجة لسماع وقراءة أحاديثًا صادقة، وما يأتي الصدق إلا من صاحب الإيمان. الذي يقول الكلمة، وما كانت كلمته تلك لتحلّ العُقدة لكن ينفع الله بها، وتُؤتي أُكلها.. وماكتب الله لها القَبول إلا لأنّ صاحبها صدَق الله، فوفَّقه الكلمة، وسدّد رميه.

أنهكتنا المظاهر يا صديقي! وافتقدنا للمعاني التي تُخلِّد المواقف.. وتجعل منها إرثًا عظيمًا، يستحق أن يُروى.. لا لفخامته بل لصدقه.. تلك المعاني التي عاش عليها الأولون.. فدلّوا الطريق، وضللناه…

اللهمّ اجعلنا ممن نزرع جميل الأثر، بالقول والعمل.

 

 

Share

رَوضتي، وغيركِ لا أُريد

2 فبراير 2017

هذه التدوينة، غير قابلة لأنْ تقرأها متعجِّلًا، غير قابلة لكتابةِ مقدِّمات!

بينما الجميع، يعملُ كعادتهِ، على قدمٍ وساق، فواحدة تُخطّط، وثانية تسدّ فراغ صديقتنا المتغيّبة، في روضَتي، روضتنا، كلّ مشغول، كلّ مُنهمك في شغله، كثيرًا ما يحدث أن تلتقي الأجساد، ونفترق في مواطنٍ كثيرة! لكنَّ شيئًا واحدًا يجمعنا، كلّنا مشغولون بإعداد الإنسان. أكثر من مائة طفل في روضتنا، ينتظرونَ منَّا الكثير، ينتظرون الماء العذب، لتنبتَ بذورهم، فنسعد برؤية براعمهم، أوراقهم، ولمَّا نشيب، يبلَّغنا المولى، ثمارهم، ولربَّما- وكلّي ثقة بالكريم- بأنّه سيكرمنا ليس فقط لنَرى تلك الثّمار، بل سيمتدّ كرمه، لنكن أوّل مَن يتذوقوا حلاوة تلك الثمار!

بينما يمضي يومنا، كأمسنا، غير أنّنا نتعهّد ماء عطاؤنا بتجديدهِ، حدثَ ما لمْ يكن بالحُسبان! قدَّر الله، وحدث ما حدث، اُضطررنا لتخلية المَبنى، في أقلِّ من ليلةٍ وضُحاها، تبدّل نورنا ظُلمة، وسرورنا حُزنًا! انتقلنا لمكانٍ آخر، مكان لا يُشبه روضتي، وأُناس لا يشبهون أطفالي، حتّى كراسيهم المُرتفعة، لا تُشبه كراسينا الصغيرة! ألوان أثاثهم القاتم، لا يُشبهنا أيضًا! كان أوّل شعور قذفه الله في قلبي: أنّنا افتقرنا بعد غِنى! لوهلةٍ، أصبح قلبي لاجئ! قلبي الذي كان يملك الكثير من الأشياء، اليوم، أصبح محتاجًا لمأوى مادّي وروحي…

استقبلنا الغير ببشاشةِ وجه وسلامة صدر، لكن، شيء في القلبِ لا زال، عصيّ على أن يخرج! صارتْ مهمتي، ومهمّة كل معلمة، كل إدارية، هي: التأقلم مع الوضع الجديد، وبأسرعِ وقتٍ مُمكن!

اللاجئ في الحقيقة، كان يمتلك كلّ شيء، فجأة ولأسباب قدّرها الله له، يفقد كلّ شيء، فيذلّ بعد اعتزاز، بعد أن كان يشعر بالشّبع الروحي، يعتادَ قلبه على الجّوع، دون أن يهنأ بلُقمة روحية، تُقِم نبضه، وهذا ما حدث معنا.

من بينِ المئات من الأشياء التي نمتلكها، وملّكنا الله إياها، في روضتي، كان الخَيار صعبًا بأن نتخيّر الأكثر حاجة إليه، ونقلهُ لحيثُ انتقلنا! ماذا عن بقية ما أملك؟ أساسًا لا أعرف كيف يختار المرء من بين أملاكه ويُفاضل بينها؟! نحنُ الذين ملّكنا الله كلّ مقوّمات الحياة، ويوم أن تُسلب نصف واحدة، نتوه ونتخبّط!!! آنذاك، كُشفتْ لي سوءة جديدة من سوءاتي! لا أُتقن اختيار الأهم! فكل شيء أملكه، في نظري، فإنّي أحتاجه، يحتاجُ قلبي رؤيته، ولو لمْ استخدمه!

على ما يبدو مرّ الأسبوع الأول، بصعوبةٍ بالغة، إلى أن اعتدنا الوضع، ألِفنا المكان الذي أُعيد تأهيله ليكون مناسبًا لنا ولأطفالنا، ألِفنا الشخصيات الجديدة الذين كنا لا نراهم إلا مرّة في العام، ألِفنا رؤيتهم كلّ صباح، ألِفنا الاشتراك في الأدوات، المشاعر، أشياء كثيرة… امتدّ هذا الأمر لأطفالنا، اعتادوا أشياء كثيرة.

في كلّ مرة كنتُ أجهّز ما سأعلّمه الأطفال مختلفوا الأعمار، الملتقون في مكانٍ واحد! وهذا من بين ما ألفناه طبعًا! كان يخطرُ على بالي اللاجئ مرّة أخرى، خطرتْ على بالي تلك الصور التي كنتُ أراها على هاتفي فقط، مدارس مُهدّمة، ومعلمة معطاءة لا تجد ذلك الرُكام، عُذرًا لإيقاف العلم! فاستيقظْ من شعوري بأشياء كثيرة، أتذكر مقوّمات الحياة، وفقداننا للمكان فقط! أحدّث نفسي: ستُكملين عطاءك، ولو لصغيرٍ واحد! ليس هذا فحسب، بل تُعطينه بحبّ كبير!

تعلّمنا مهارات كثيرة، تعلّمنا كيف أنّ كل ما نحتاجهُ، مساحة فارغة، بلا أثاث، لنفكّر كل يوم كيف نملأ هذا الفراغ بمتعة جديدة، اختلفتْ مُتعنا وكان ما نملكه أداة واحدة: روح مؤمنة. تؤمنُ بكلّ شيء، وتظنّ في الله خيرًا، تصبر وتصبِّر، وتُصابر. في مواقفٍ كثيرة، كان حالي، حالُنا، ينطبق تمامًا، كما قال تبارك وتعالى: ” إن كانت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها” .

كنّا نرى روضتنا، نمرّ من بابها المُغلق، وقد نشمّ رائحتها، تلك الرَّائحة التي لا يعرفها ولا يميَّزها إلا من عاش في حِجرها، نرى انطفاء أنوارها، وخلوّها من المارِّين، كنّا نرى كل ذلك، ولا نستطيع دُخولها، لم يعُد بالإمكانِ فعل أشياء كثيرة، كنّا في السّابق نفعله بلا أدنى تفكير، مرّة أخرى خطر على ذهني، تلك الدار القاصية، الدَّانية ، القُدس، المسجد الأقصى، يا الله الآن لا أشعر فقط، الآن أعيشُ ما عاشهُ المقدسيين! ترى وطنك، دارك، لكنك مضطر لأن تبتعد.. قد تكون تصلّي فيه كلّ يوم، لكنّك لا زلت ترى أنّه محتلّ، ثمّة أحد يجبرك على أن تخرجّ وتعود لتكن فارغًا، بعد أن كانت أشياء كثيرة تملؤك.

بعد مرور شهر على هذا الحال، اجتمعتُ ورفقتي، ذهبنا لعمل جولة في روضتنا، دارنا الدافئة، التي وإن أُكرمنا في غيرها، فإننا لا نُريد سِواها، مررنا على السَّاحة الخارجية، مررنا على أشياء كثيرة، افترقتُ عن مَجموعتي لأجدَ أحواض الزَّرع التي ابتدأتُ زراعتها مع أطفالي، تذكرتُ وعدي لهم بتعهدنا بسقايتها، شوّقتهم لرؤية مراحل انبات الله لهذه البذرة، ها هي اليوم حصيدًا كأنْ لم تغنَ بالأمس…

خرجنا من جَولتنا، ولم نكن نعلم بأنّ تلك الزيارة- والتي كنّا نراها من حقنا!- سنُسأل عنها!! حين سألتْ مسؤولة الأمن صديقتَاي عن سبب تواجدنا في هذا المكان؟! هَول صدمتي جعلني ألتزمُ الصَّمت! الذي يحملُ أسئلة كثيرة، وصور للمرة الثالثة يستحضرها قلبي، كيف نثبتُ لهم أنّ هذا المكان لنا؟ كيف نُسأل عن حق هو في الأساسِ لنا؟ يا الله!

تختتم تلك المسؤولة إخبارنا بعدم حضورنا مرّة أخرى، وبأنّها ستتخذ إجراءَ آخر لو تمّت مُشاهدتنا مرّة أُخرى!!! في تلك اللحظة بالذّات، كان قلبي يقبّل جبين كلّ مقدسي، عاش في أكنافِ الأقصى، عاشها قبل النّكبة أو بعدها، لا مهمّ، المهمُّ هو صبره على إزالة أشواك الوجع في كلّ مرّة يأتي فيها لأقصاه، يصليها زائرًا، غريبًا عنها، يطرده جنود الاحتلال، لكنّه يعتاد المجيء؛ شيء فيه يحرّكه لأن يكون وفيًا صامدًا حتّى الرّمق الأخير.

هذه الحوادث الصغيرة في حياتك، يقدّرها المولى لقلبك، ليعيشها، يحفر مفهومًا، ويؤكد معنىً، فيزيد إيمانك بمبدأ، تغيّر قناعة، ثمَّ تتَتبّع هذه الحادثة الصغيرة، لتراها في جِراح أمَّتك؛ لترى حينها، كيف أن النُّور كان مُلازمكَ، لكنّك كنتَ تُغطيه بكفيّك!

اللهم أعدِنا للأقصى فاتحين مُحرّرين، وافتح لَنا أبواب رحمتك، وأعد لتلك الدار، روضتنا، نورها الوهَّاج، وردّها لنا ردًا جميلًا. اللهم وكمَا أنَّك أدخَلتنا مَدخل صِدق، فأخرِجنا مخرج صدق، اخرجنا من مآزق الحياة، بلطفك وكرمك، واجعل لنا من لدُنك سلطانًا نصيرًا، وآخر دعوانا: أن الحمدُ لله ربَّ العالمين.

Share