.. إن يتفرَّقا

9 ديسمبر 2017

شعور ألّا تجد مَن اعتدتَ وجوده، مَن كان أُنسكَ به، مَن كان جليسك وعضدك، من اجتمَع فيه، ما تفرَّق في غيره، من كان ناصِرك ومُعينك على أن تتجاوز محطَّات حياتك العسيرة، مَن كان السَّند لأوجاعك، وكان لأسرارك، مُستودعًا أمينًا، مَن كان لفرحك، مبسمًا صادقًا، من كان لصمتك، حديثًا، ولحديثك، أحرفًا وجُملًا.. 

ألّا تجده، وهو على الحياةِ، موجود! أن تفقدهُ وهو بالجِوار، ترى تحرّكاته، وربما تسمع صوته، لكنَّ شيئًا ما قد حلَّ، فما عادت القلوب كحال الأمس، ومَن كان صاحبك، غدا شخصًا لا تعرفه، وربما لا يعرفك! 

تجد اسمه بين السطور، يُشهدكَ الله حِواراته، حُضوره، لكنه الفِراق! فِراق الأرواح الذي أذِن الله لهُ بالقدوم، فما كان له إلا أن يكون، وما كان لك إلا أن ترضى! 

تُغادِرك الأشياء، الأمكان، والأشخاص، لكنك لا تُغادرهم! يطيلون المكوث فيكَ، وما تشعر، وما تشعر إلا بتغيِّر توجِّه قلبك، تقلِّباته التي ما عهدتها فيه، ما عاد يقبل أمور كان يقبلها، يرفض أخرى كان يرى فعلها، طبيعي جدًا! 

تلوك كل ذلك بصمتٍ، ترتبك أوردتكَ بهذا الحدث الجديد، الخفيّ على الناس، وما أخفاهُ إلا الله، تلوك مرارة الفقد، بينما يسير يومك ككلّ يوم! تجدُ أنك في كل يوم، تُخبئ تلك المرارة في عُمقك، تنغمسُ في مهام يومك، تتقلَّب بين مهمة وأخرى، وبين ثانية وثالثة، تجدُ ما يذكرك بتلك البُقعة المُظلمة فيك!

تشعر بأنك بالودّ لو تطمس كل ما يُعيدك لما لا ترغب بالعودة إليه، لكنك تجدهُ طافيًا على السطح، تُدرك أنّ عليك أن تتوقف هُنيهة عن أعمالك.. أن تغسل وجهك، مستشعرًا بأن أحزانك تذوب مع ذرات الماء، تضع تلك الجبهة في الأرض، الكل في عمله، سائر، لا يعلم عنك ما تخبئه فيك، طويلًا، تسجدُ لكنك تشعر بأنَّها المرة التي تسجدُ فيها بعمق. . المرَّة الأولى التي تشعر فيها بقُربك من مولاك.. ربما لا تقول شيئًا، تردد فقط: يا ربّ يا ربّ؛ لعلمك بعلمهِ وإحاطته بحالك، يقينكَ بأنَّه لن يتركك في منتصفِ الطريق، يُلهمك أن تسأله الرشد، هداية الطريق.

ربما في الوقتِ نفسه لا تشعر بشيء قد انقشع، لكنك فور عودتك للعمل، يُزيح الله عنك ثِقل ما أتعبك، وإن لم تلحظ ذلك، لكنّ هذا ما يحدث في كل مرة تعود فيها لمولاك، تشكوه فيها وسط الجموع، تترك جميل الصُّحبة، تقرِّر ألا يسيرَ هذا الأمر كما صارت إليها بقية أمورك بطريقة ” الفضفضة” فما كل شكوى، تُريح! ثمة نوع من الشكوى للصَّحب تزيدك غمًا على غمّ، تخرج من حميمية الصُّحبة، بشعور أكثر بؤس مما كنتَ عليه من قبل. 

وما شأن الذي فقد مَن أو ما أحب؟ عزاؤه أن الله سيُغنيه من سَعته، في الأمرِ مُتَّسع، وإن كان الضيق ظاهرها! 

وفي قوله تعالى: (وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِّن سَعَتِهِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا) النساء: 130 ، يقول ابن عاشور:

ثم وسّع الله عليهما إن لم تنجح المصالحة بينهما فأذن لهما في الفراق بقوله : { وإن يتفرّقا يغن الله كلاًّ من سعته }.
وفي قوله : { يغن الله كلاَ من سعته } إشارة إلى أنّ الفراق قد يكون خيراً لهما لأنّ الفراق خير من سوء المعاشرة . ومعنى إغناء الله كلاًّ : إغناؤه عن الآخر . وفي الآية إشارة إلى أنّ إغناء الله كلاّ إنّما يكون عن الفراق المسبوق بالسعي في الصلح .

 

يبتليك الله بما تُحبّ، وبمن تُحب، بمن علَّقت آمالك ومشاعرك عليه؛ حتى يُهذِّبك، يُعيدك إليه، وفي كل مرة تضلّ الطريق، تُبعد فيها عن ربَّك الذي أمدَّك وأعدَّك، يُربيك فيها بطريقةٍ قد تُوجع فؤادك، لكنها الطريقة الأنسب لتعلم كَم أنَّك كنتَ ضالًا، فهداك. 

يُعلَّمك الله، في أقدارك العسيرة التي تعيشها بصمت، أنَّ لكل شيء خُلق وأدب، حتى المُسيء له حقوق، وكذلك مَن أو ما فقدته، ووجدتَ أنَّك مضطر للتعامل معه، ثمَّة تجارب جديدة ومواقف جديدة بانتظار أن تتعلَّمها، خُطوة عسيرة، فيُصيرها القدير يُسرًا بعد عسر. . تتعلَّم كيف يُحفظ الودّ رغم فقدانك لكل شيء. كيف تُلقي السلام على مَن أحببت وعلى من لا تُحب، أرأيت كيف تُشذّب الأشجار لتصير في شكلها، أجمل؟ تتساقط أطراف أوراقها، تتفرّق عيدانها الصغيرة، نتيجة كل ذلك الألم: حُلَّة جديدة جميلة! كذلك قلبك، امنحه فُرصة لأن يعيش التجربة كاملة، مهما كانت مؤلمة وقاسية بوصفك، لا تقف عند نقطة معينة، وتنتهي! 

ماتت سمكة في روضتنا، تعلمنا من خلال رحيلها أن الله هو الحي الذي لا يموت، ذبلتْ زهرة صغيرتي، تذكرتْ ربها الحي، تذكرت سمكتنا الملونة، رغم جمالها لكنها فارقتنا، مع كل رحيل قلبٌ يضخّ الإيمان ضخًا. 

الحياة باقية، ما غادرنا الأشخاص، ما تركتنا الأماكن، سُنَّة الله باقية رغم الرحيل، رغم الفقدان، رُغم الظلم ومآسي العالم الإسلامي، حان الوقت لتنتصر فيه على ما تراه شرًا، وليكن بدايتك لتنطلق لرحلة، تتجدد بالإيمان بالمواقف، بشواهد الله لك في كلّ يوم وليلة. أنت بحاجة لأن تقف، كما أخذ موسى الكتاب بقوة، عُد للحياة بِقوة، استعن بالله ولا تعجز. 

كُن وفيًا حتى مع مَن انقطعت عنهم، لا تنسَ أن تسأل عنهم، أن تمنحهم حقوقهم كاملة، وفي كل مرة تُعيدك الأشياء لما لا ترغب، عاود نفسك بالسؤال: هل زادني ذلك إيمانًا؟ إن كان نعم، فاكمل طريقك مُطمئنًا، وإن كان لا، فراجع أمرك، ولا بأس أن يعدل الإنسان عن قراره. 

اللهمَّ اجعلنا ندخل حياة من نُحب مدخل صدق، واخرجنا مخرج صدق. . 

Share

رُبَّ كَلِمة!

24 نوفمبر 2017

عن الكلمات الطيبة، التي نقولها، ولا نُلقي لها بالًا، نرحلُ، وكلماتنا، فيهم،  باقية! عن كل ما تفعله جمال الكلمات، في قلوبنا، عن البسمات التي نُطلقها، ونظرات الحُب التي تصدر منَّا، إثر جمال الكلمات التي نسمعها ممن حولنا. 

 

سُلطان|

بينما هُو يتأرجَح عاليًا، مررتُ من خلفهِ مباشرة؛ لمُساعدة صديق آخر، على عُجالة، صَرخ سُلطان عاليًا، للوهلة الأولى لم أُعِر صرخته انتباهًا، والتفتُ لمن هُو بحاجة لي، لا زال سُلطان يُناديني حتى اقتربتُ منه، ولا زال في عُلوه، يتأرجح، قال لي: ” ترى والله خِفت عليك يامُعلمة”. 

رُبَّ كلمة، تُسعِدك! 


نُور| 

لمَّا قدِمتْ والدتها لتأخذها، كانت نُور تودّعني بنظراتها، وكذلك فعلتُ، قاطعتنا والدتها بإخباري بأن حديث نُور وانشغالها الدائم، هو وجهُ معلمة إيناس، وابتسامة مُعلمتها، وكل ما في تلك المُعلِّمة! نور التي تُخفي كثيرًا مما تشعرُ به، لكنَّها كذلك! 

رُبَّ قلب، تُجلِّيه كَلمة! 


سيف الإسلام|

صغيري الذي أُرحِّب به كما أُرحِّب بأحدٍ أعرفهُ طويلًا، بينما هو في حقيقةِ أمره، مُغترب، يمني الجنسية، لا أفقهُ كثير مما يقول، وربَّما لا يفقهُ كثيرًا مما أقوله، أو هكذا ظننتُ! لكنَّ شيئًا بيننا، قد نمَا، رُغم اختلاف اللهجات، وعُسر الفَهم، رُغمًا عن كل هذا، تآلفت القلوب من حيثُ لا نشعر، حتى أخبرتني والدته بكثيرِ حديث، جهلتُ أكثره، وما علمتُ منه سوى أن ذلك الصغير الذي كنتُ أشعرُ أنه لا تواصل بيننا، أنَّه ” مغروم فيني” على حدّ تعبيرها! تقولُ هذا وقلبي يردد باندهاش: ” سيف!!” أنَّى له ذلك؟ ولا كثير مواقف تجمعنا! لكنَّها القلوب، لما يكتب لها الله الائتلاف. 

رُبَّ كلمة، تُدني البعيد!


مُؤيَّد|

الصغير الذي لا يرضى أن يُعامل معاملة الصغار! الذي يحمل الكثير من الشُّعور، لكنَّه يأبى إلّا أنْ يحفظها طويلًا في قلبه، لحين قدوم والدته، في كلِّ يوم، بعد أن يرتدي حقيبته، مُغادرًا، ويلمح طيف معلمته، يكتفي بقوله: “مُعلمة” بصوتٍ عال، هذا النداء، في ذلك الوقت، يُخبرني عن كل ما حفظهُ بعناية على ألَّا يظهر! فيأتي ذلك النداء… ليُفكِّك كل ما حال بيننا. أُكمل بقية الجُملة التي بدأها بالنداء، أودَّعهُ بجميل الكلمات، يأتيني ردَّه بالنظرات. 

رُبَّ كلمة، بألفِ جُملة! 

في كلِّ مرة يسقط فيها أحد صِغاري، مُتألِمًا، نتحلَّق حوله أنا وبقية صَحبه، مُستجيبين لندائه أو صُراخه، نُغدقه بجميلِ الكلمات، وصادق القُبلات، أُذكِّره على عُجالة أجر الصَّابر على الألم، حتى الشوكة يُشاكها! وما أجمل الكلمات لمَّا تأتي صادقة، حقيقية، وأعني بأنَّها حقيقية لما تُعيد للقلبِ اتزانه، تخرجُ الكلمة من قلبِ صاحبها قبل  خروجها من شفتيه، لتمسح على قلبِ متلقيها، وما يكون هذا إلَّا لمَّا تكون الكلمات، كلماتك، تصبُّ في مرضاة الله، أمَّا ما عداها من الكلمات، تخرج من صاحبها، لتخرج ثانيةً من أذن سامعها! مهما كانت تلك الكلمات جميلة، فقدها للصدق ولمرضاةِ الله، يجعلها جوفاء، هشَّة، تنكسرُ مع أول ارتطام لها في الحياة! 

الكلمات الطيَّبة تعمر طويلًا في قلوبنا، لا تمحوها السنين، ولا تبدِّلها متاهات الحياة، بل نظلّ نتصبَّر بِها كلَّما ادلهمَّت بنا الخُطوب، وما يتصبَّر القلب إلا بالحقَّ، الحقَّ الذي يجعل للقلب عكّازًا وسندًا، لا يراه من حوله، لكنَّه يشعرُ بتلك الاتكاءة، لا يخشى السقوط؛ لعلمهِ أنَّ الله يُحيط تلك الكلمات بولايته. 

أكرِم من حولك بطيبِ كلماتك، وإن كنتَ لا تُجيد فنَّ الحديث، تذكّر دائمًا أنَّه: رُبَّ كلمة، تجبر كسرًا، تمحُو ألمًا، تزرع أملًا، تُنعش قلبًا، تُحيي إيمانًا..

 

Share

عن المشاعر البائسة!

21 نوفمبر 2017

حسنًا، لا حديث هُنا عن المشاعر الجميلة، إذا كنت تشعر أنَّك بمزاجٍ جيد، ربما هذه التدوينة لا تناسبك! ولا بأس أن تُكملها، على كل حال!

أكثر ما قد يُصيب أحدنا بالسوء، ليس حدوث الأقدار السيئة، بقدر ما نشعر به بالسوء أو باليأس، أو الاحباط، أن تفقد شيئًا عزيزًا تحبه، لا بأس به، إذا كنتَ في حالة إيمانية جيَّدة، لكنّ البؤس كله فيما لو كان قلبك خاليًا مما قد يُعينك على تجاوزِ المأساة بسلام!

ماذا أودّ أن أقول؟ مشاكلنا في الحقيقة فيما نشعر، لا فيما يحدث من حولنا! قد يشترك اثنان فيما حدث لهما، لكنهما يختلفان في الشعور، وشتَّان بينهما، رغم تطابق الحدث، أحدهما استجاب للحدث، وتاه في زِحام بؤس الشعور، الآخر وهو ما أرغبُ في الحديث عنه، وهو أنه انزلق لبؤس الشعور، كما صاحبه، لكنه تدارك وضعه على الفور، عالج البؤس وأصلح ما يُمكن إصلاحه، هو يعلم بأنَّه بؤس وسيمرٌّ، لكنه أدرك أنَّ البؤس من الممكن أن يعود بصورةٍ أخرى للحدثِ نفسه، فكَّر في نطاق قدراته واستطاعته، ما الذي يُمكن فعله للموقف، حتى يُزيح بؤسه بسلام؟

ثِق دائمًا، بأنه مامن شعور بائس تشعر به حيال أمر ما، إلا ويُمكنك الله من فعل شيء، وأعني بكلمةِ شيء بأي شيء قد لا تُعره انتباهًا لكنه قد يُعينك على إزاحة البؤس. ماذا يعني أن تتذمَّر في كل مرَّة يحدث لك فيها أمر اعتدتَ أن يحدث في موسمٍ مُعين؟ في وقتٍ مُعين؟ تكرار المواقف المزعجة، للشخص بعينه، تحدث له خصيصًا أو يكون شاهدًا عليها، لا يأتي عبثًا إنما هو اختيار الله له تحديدًا؛ لأسبابٍ كثيرة، من بينها أنَّه أودع فيك ما يمكنك فعله لهذه الأمَّة. الأمَّة التي نشعر بأننا جزء منها ولا نعي بأن مساهماتنا الصغيرة في منازلنا، مع إخوتنا، على أجهزتنا، وسط تغريداتنا، في أعمالنا ووظائفنا، أننا ننصر الأمَّة. يشعر بما أكتب، من فتَّت كلمة النصر كما أفعلُ أنا، ليشعر في كل أمر يقوم به، أنَّه جزء من منظومة هذا الكون، وله دور مهم لن يقوم به غيره، ما لم يقم به هو أولًا.  لتكون نهايتك، حيثُ انتهيتَ، بداية مَن بعدك.

ماذا يُزعجني؟ في الحقيقة أمور كثيرة تزعجني، ولأول وهلة، أشعر بأنَّ قلبي يغلي مما يحدث أمامي ولا أملك من زِمام الأمر شيئًا، تتكرر الموقف، تنقعدُ جلسات وحوارات بين الفَينة والأخرى، يسخَّر الله في طريقنا من يفتح لنا آفاقًا بالتفكير (ماذا تفعل لو؟ … ) أعود لنفسي، أفكِّر بطريقة أخرى، ماذا أفعل حيال ما أشعر به؟ أعلمُ أن “الفضفضة” ليستْ هي كل ما ملَّكنا الله إياه! لذلك أعود لأفكِّر مرة ثالثة، انسحب؟ أعلمُ يقينًا أنَّ المؤمن القوي خير عند الله من الضعيف، الانسحاب من الموقف، المكان لا يعني الضعف، لكن ثمَّة خيارات متاحة، قد تكون طُرقها غير معبَّدة؛ لذلك طُرقات خير كثيرة فارغة من المارِّين.. الناس وأنا منهم، تخشى الاقبال على ما لا تعلم نهايته، تخشى الخوض في الأمور التي لم يخضها أحد قبلها. 

جرِّب أن تُبادر ، أن تطرح فكرة، ولا يكفي أن تطرحها، تبنَّاها، أو رشِّح من تجد فيه المؤهلَّات المُناسبة للمشروع، واشرِف على اتمامها، حتى النهاية، طريق طويل ربَّما؟ لكنك لن تشعر بجمال ما سخرك الله له، إلا حينما لا يعود ذلك البؤس المقيت ليس لك فقط، بل لكل من حولك! 

أكتب هذه الكلمات وفي خاطري الكثير من الأشخاص الذين حوَّلوا مشاعرهم البائسة، لمشاريع وخطط جميلة، لبادرات ومواقف لا يسع للمكان ذكرها وإيفائها حقها. 

كُن واحدًا من أولئك الذين يصنعون التغيير، جعلنا الله مفاتيحًا للخير، مغاليقًا للشرّ.

 

 

Share

فَلَنُحْيِيَنَّهُ …

11 نوفمبر 2017

 

يلمحُ رشفاتي البطيئة للعصير، يُخبرني فور إعادتي للعصير لغرفة المعلمات، وعيناه يغشاها الحُزن: ” معلمة كان نفسي أذوق من عصيرك!” أنسى شعوري بالدُّوار، أُطبطبُ على كتفهِ، أُطمئنه أني لم انتهي منهُ كاملًا، وعدتهُ بأن يذوق ما اشتهى بإذن الله، قُبيل خروجي، أتذكر وعدي لعمر! أذهبُ وكوب ورقي في يدي وفي الأخرى العصير الذي اشتهاه، أستأذنُ صديقتي بأني أحتاجُ عمر قليلًا، يحتجُّ بقية أصحابه بنظراتهم دون أن يتحدثوا، أُجلسه بجواري، أُعطيه العصير في ذلك الكوب، أراهُ كوب ورقي، لكنَّه لم يكنْ كذلك لدى عُمر! كان كأنَّهُ كوب من الجنَّة، قد أُهدي له!

اللحظات الجميلة في حياتك، تأتيكَ في أوقاتٍ غير متوقعة، نِعَم الله عليك يُنزلها لقلبك، في الوقتِ الذي تكن منشغلًا بأمورٍ أخرى، ستذهب لذَة تلك النعمة فيما لو كان رأسكَ مُطأطئ! وسيُمتعك الله نعيمها ويرزقك شُكرها، لو أنَّك عمَّا أشغلكَ، انصرفتْ.

هذا ما يحدث معنا في الحقيقة، تضيع – أو أننا نُضيَّع- استشعارنا لنعمٍ كثيرة؛ ذلك لأننا مرهقين بأمورٍ أخرى تحدثُ حولنا، أو نشعر بها، أو أقدار نُطيل الوقوف عندها، حتى إذا ما انتهى بنا الأمر لإيماننا الذي يجيء متأخرًا، بأنَّ ما أصابنا لم يكن ليُخطئنا، وما أخطأنا لم يكن ليُصيبنا، و لكنها أقدار الله! نُدرك ذلك – وإيماننا لا يسعفنا؛ لضعفه- متأخرًا، في الوقتِ الذي يُكرم الله به قلوبنا بكثيرٍ مما اشتهينا، تأتي نعمائه في أوقاتِ سَعتنا، ضِيقنا، تأتينا في ازدحام الشعور والمهام، تأتينا في صَحونا ورُقادنا، برؤية يُسرَّ الخاطر لها، لكننا كثيرًا ما نفوِّت كل هذا عمدًا أو سهوًا، لكنها في النهاية تضيع، وشيء من العُمر، يتسرَّب مع ضياع كل نعمة كتبها الله لنا، لكننا لم نُرعِها اهتمامًا يليق بها.

ماذا يحدث بعد أن يضيِّع المرء كل النعم؟ يقلَّ زاده وقت شدَّته، تجدهُ في سفرهِ للحياة، شاكيًا باكيًا مُتذمرًا، حتى ما يُعينه على أن يتخفَّف مما يُعاني ويشعر، فهو زاهد، ومُقلّ! تذكِّره لإحسانِ الله له، في مواقفِ كثيرة وأحداث متكررة، يخفِّف وطأة ما يمرّ به، لكن ذلك الإحسان متهالك، لم يحرص على أن ينمّيه وأن يجمعه لأيَّام كتلك!

تذكركَ لإحسان الله لقلبك، لحياتك، استذكارك لتفاصيلٍ أتعبتك، وكيف أنَّها برحمةِ الله وفضله، غَدت ذكرى، استشعارك لنعمةٍ بعينها، كيف كان لهذهِ النعمة من تغيير كبيرٍ في حياتك، نقلة نوعية لم تحلم بها! وما أتتكَ راغمة إلا بنعمةٍ من الله وفضل… كل هذا يأتي للقلب اليقظْ، صاحب الإيمان القوي، أو الذي يُحاول السير على الطريق، يجمع شتاته مبكرًا، يلمَّ بقاياه؛ لعلمهِ أنَّ لا شيء يبقى على حاله.

يقول ابن القيم:
” النعم ثلاثة، نعمة حاصلة يعلم بها العبد، ونعمة منتظرة يرجوها، ونعمة هو فيها لا يشعر بها “.

أُعلِّم صِغاري بأنَّ القلوب هي محطّ نظر الرب، وما علموا أنَّني كثيرًا ما أنسى هذه الحقيقة! كَم مرَّة تُحسن فيها صُنع أمر، يُثني عليك الجميع، يشكرك من حولك، لكنك لا تشعرُ بالرضا رغم كل تلك الحفاوة! شعورًا صغيرًا كفيل بأن يقلب موازين قلبك، يجعلك تشعر دون أن يخبرك أحد، أنَّ في الأمر، خلل! بادر واصلح! وليس كل عُطب يحتاج لطبيب، ثمَّة نوع منهم، لا يحتاج سوى لأن تدعو الله كثيرًا بأنْ يُصلح قلبك، تُجاهد المرَّة تلو المرَّة، حتى تجعل من قلبك، مكانًا يليق لنظر الربَّ. 

قال تعالى: ( وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ) [ النحل:18]

رُغم عدم مقدرتنا على أن نُحصي نعماء الله علينا، لكنَّهُ الله الذي يتجاوز ويعفو ويغفر، يرى تقصيرنا عن شكرهِ، لكنه يُكرمنا بمنحنا المزيد من الفُرص، يُكرمنا بألا يقطع عنا ما نُحب، ومن نُحب، يُكرمنا بالمزيد من النعم، مع استمرارِ غفلتنا ولهونا.. إنَّه الله!

قال ابن كثير- رحمه الله- قوله: ” إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ أى يتجاوز عنكم، ولو طالبكم بشكر جميع نعمه لعجزتم عن القيام بذلك، ولو أمركم به لضعفتم وتركتم، ولو عذبكم لعذبكم وهو غير ظالم لكم، ولكنه غفور رحيم، يغفر الكثير، ويجازى على اليسير”

قال تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [النحل:97]

ومَن منَّا للحياة الطيبة ليس براغبٍ ولا بطامع؟ عمل صالح وإيمان صادق هو كلّ ما تحتاجه لأن يُحييكَ الله، يُحيي قلبك، يُحيي روحك، يُحييك ويجعل كل ما فيكَ حياة على حياة! لا يُحييكَ فحسب، بل يجعل حياتك طيَّبة، تلك الحياة التي تجعل من قلبك مُطمئنًا، يصرفُ عنه كل ما قد يشوِّش عليه الطريق، ويرزقهُ من حيثُ لا يحتسب. 

تأتي كل هذه الأشياء، فيما لو كان قلبك يقظ بدايةً، بعدها تأتي بقية الأشياء! فما من عمل صالح لقلبٍ لاه. إذا رزقكَ قلب فطِن، يستذكر نعماء الله عليه، يحمد ويشكر، يصبر ويرضى، فأنتَ على خير. 

أنتَ في هذه الحياة قضيتك الإيمان، في كلّ نعمة يرزقك الله بها، أو بليَّة يبتليكَ بها، ما موقف قلبكَ منها؟ مقياسك الحقيقي لنجاحك في كل ما كتبهُ الله لك هو زيادة إيمانك في كل نعمة، ومع كل بليَّة ومُصيبة، إن لم يكن كذلك، فراجع قلبك، استعن بالله؛ حتى للطريق، يُرشدك ويدلَّك.

عُمر، أتته السعادة، بينما هو يشعر بالسعادة! كان يلهو مع صحبه، لكنَّ الله أكرمهُ ما اشتهاهُ فزاده نعمة على نعمة.. اللهمَّ يا ربَّ عُمر، ويا ربَّ كل الأنام، ارزق أفئدتنا الإيمان الذي يُسندنا في متاهاتِ الحياة، ارزقنا يقين الأطفال الجازم بك وبقُدرتك، أعنَّا على شُكر كل النعم، على الوجهِ الذي ترضاهُ عنَّا.

الحمدُ لله الذي أتمَّ على هذه المدوَّنة، ثمانية أعوام، ثمانية أعوام لا تُعادل شيئًا مُقابل سنين الإنعام والإحسان، من الحفظِ والجبر، من كل ما يضخّ القلب به، بكَ، ومنكَ وإليكَ يا مولى هذه القلوب. الحمد لك دائمًا وأبدًا، الحمدُ لك سرًا وجهرًا، الحمدُ لك حمدًا كثيرًا طيَّبًا مُباركًا فيه.

ربّ أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانًا نصيرًا.

11/11/2017

Share