عَلى حَرْف

23 سبتمبر 2018

بسم الله الرحمن الرحيم

فلمَّا وصلتَ، لم تكن تعلم أين تقفُ قدماك، لكنَّك كنت لحالك غير مُنتبه ولا لها مُلتفت، كانت تُشغلك أمورًا أُخرى، جمال الطقس، وحلاوة المنظر، ولما انقلب حال سُرورك أبصرتَ موضع قدميك، إنّك على حافّة الجبل! طَرَفه المؤدي للسقوط، للهلاك، لكنّك لما غادرتك المسرّات أدركتَ هذه الحقيقة التي ما غابت، ولا غيّبها إلا انشغالك، وما جلاّها إلا لما زالت المُتع، ونزل عليك البلاء رُبّما أو اقتربت منك فتنة ما، في هذه الحال، فقط تُدرك حقائق ما كانت تُظهرها العافية لكنّ بلاء واحد، كفيل أن يُخرج فيك كل ادّعاءاتك! لتكُن أمام نفسك موقنًا بأنك وبكل صدق بينك وبينك. تنضمّ لتلك الفئة التي كثيرًا مامرّت على لسانك وأنت تقرأ في سورة الحج، الآية: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ۖ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ ۖ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ).

يزداد يقينك بأنّك أسرفتَ في إخراج نفسك وتنزيهها من فئات كثيرة من الناس، تنزهها وتُبعدها من أن تنضم ممن ذكر الله صفاتهم!

تُعيد الموقف بعد أن خلعت ثوب ادّعاءاتك بأنّك غزير الإيمان! تستدرُّ المواقف عليك تِباعًا، واحدًا تلو الآخر، يوم أن شكرته، ولما ذهبت عنك النعمة، أعقبتَ الشكر بالكُفران والجحود، تذكرُ يوم أن عبدته، وما أن فارقتَك إحدى محبوباتك، انقلبتَ على وجهك! خسرتَ ما جمعته! ذلك هو الخُسران المُبين.

يزداد إيمانك الضعيف بأنك هزيلٌ هزيل!، متأرجح، يقلبّك الهَوى يُمنة ويُسرى، وكل يوم إيمانك في شأن! ولأنّك كنت في إيمانك، مُتأرجحًا، فكانت عباداتك، وليدة إيمانك! مُتذبذبة كهواك الذي يُحركك!

تُدرك بعد كل هذا، بأن إيمانك لم يكن يومًا إيمانًا ثابتًا، وأنك كنت مُعرّضًا دومًا للسقوط، لكنك لم تعي كل ما يحدث لك! لم تدرك أنّ قلبك بما حوى، آيل للسقوط في أي لحظة! تُدرك أنك بعيد أشدّ البُعد عن المؤمنين الصادقين، أولئك الذين يثبّتهم الإيمان عند المصائب والفتن، عند حلول البلاءات والنوازل، الناس ينقلبون على وجوههم، وهم بإيمانهم ثابتون، لا تستطيع الفتن زحزحة إيمانهم؛ ذلك لعمق جذور إيمانهم من أعلاهم لأخمصهم، فأي رياح قادرة على اقتلاع جذر واحد؟

تُدرك أيضًا أنّك ماكنت مؤمنًا إلا لما ساق الله لك رزقك، ودام عليك ما تُحب، وأمدّك بالصحة والعافية. كنتَ مؤمنًا لما كان عيشك رغدًا، لما كانت أيامك هناء، ولما جرَت عليك سُنن الله، انقلب إيمانك عليك؛ ذلك لأنك كنت تعبدهُ على حرف، على شك، تمامًا كما كنتَ واقفًا على حافة الجبل!

يقول السعدي في تفسيره للآية:

أي: ومن الناس من هو ضعيف الإيمان، لم يدخل الإيمان قلبه، ولم تخالطه بشاشته، بل دخل فيه، إما خوفا، وإما عادة على وجه لا يثبت عند المحن، { فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ } أي: إن استمر رزقه رغدا، ولم يحصل له من المكاره شيء، اطمأن بذلك الخير، لا بإيمانه. فهذا، ربما أن الله يعافيه، ولا يقيض له من الفتن ما ينصرف به عن دينه، { وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ } من حصول مكروه، أو زوال محبوب {انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ } أي: ارتد عن دينه. 

في ظُلمة شعورك بوهن الإيمان، تظن أنك أدركت كل ما أدركته متأخرًا، لكنك مخطئ في إدراكك هذا، فكل شيء خلقه مولاك بقدر، حتى معرفتك للحق، أخّرها عنك لحكمة وقدّمها لغيرك لسبب لا يعلمه إلّا هو.

قال رسولُ اللهِ ﷺ: ” عَجَبًا لأمرِ المؤمنِ إِنَّ أمْرَه كُلَّهُ لهُ خَيرٌ وليسَ ذلكَ لأحَدٍ إلا للمُؤْمنِ إِنْ أصَابتهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فكانتْ خَيرًا لهُ وإنْ أصَابتهُ ضَرَّاءُ صَبرَ فكانتْ خَيرًا لهُ “. رواهُ مُسْلِمٌ.

حتى لا يكن إيمانك مُطمئنًا لما يكن عيشه هانئًا، اقرأ عليه ما علّمنا إياه حبيبنا صلوات الله وسلامه عليه، أمرك كله خير، هذا ما يريده الله منّا، أن يديم اطمئنان قلوبنا في كل حال نمر بها، وتحت أي ظرف قدّره علينا، أن يكون حالنا بين الصبر والشكر نتقلّب، أن ننشغل بزيادة إيماننا في الرخاء؛ لأنّه الزاد الحقيقي لأفئدتنا في الشدائد والمِحن.

لما تهوِّن على قلبك بأن ما كان صعبًا أمضاه الله، أفيتركك الآن وحيدًا؟ حاشاه، سبحانه حاشاه!

قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: “مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْراً يُصِبْ مِنْهُ” رواه البخاري.

ذكِّر قلبك دائمًا بأن تلك النازلة التي أصابت قلبك، محبوبك، شعورك، ما كانت إلا لخيرٍ كتبه الله وأراده لك.

أرأيت كيفَ أن أهل المريض، الذي تزداد حالته الصحية سوءًا بعد سوء، يكون وقع مصيبة موته أخف وطأة ممن يموت بلا مرض ولا سابق تهيئة؟ فكذا حال القلب لما يُعدّه صاحبه لكل ما يجهل وقوعه، فيتوقع بأن أيامه لن تكون كلها رخاء وسعادة، لما يُعدّه بأن يثبت لما تتأرجح أرضه وقاعدته، فلما يكتب الله بأن يكون من المُبتلين، حينها يصبر ويشكر؛ ذلك لأن صاحبه ابتعد عن حافة الجبل، وضع قدميه في مكان آمن، لا تصل إليه الزلازل، وإن وصلت إليه فإنه بإيمانه يتسلّح، ومن كان الله معه، فإن إيمانه لا يخذله.

أحد السلف كان أقرع الرأس، أبرص البدن، أعمى العينين، مشلول القدمين واليدين، وكان يقول: “الحمد لله الذي عافاني مما ابتلى به كثيراً ممن خلق وفضلني تفضيلاً ” فَمَرّ بِهِ رجل فقال له: مِمَّ عافاك؟ أعمى وأبرص وأقرع ومشلول. فَمِمَّ عافاك ؟ فقال: ويحك يا رجل ! جَعَلَ لي لساناً ذاكراً، وقلباً شاكراً، وبَدَناً على البلاء صابراً !

قوّ إيمانك، ليكن عُكّازك الحقيقي عند الشدائد، لتكن ممن يولّيهم الله على الناس عند اضطراب الحال. ولاية الله لا تجيء لمتأرجح الإيمان، لمن وضع قلبه في سطح منزلق! كلها لا تأتِ بخير، ولاية الله تأتيك لما تشدّ من عزم إيمانك.

شُدّه بقصص الأنبياء، بمعرفة أحوال السلف، بالتفكر في آيات الله، واسقاطها عليك على حالك، بشعورك بأنّ القرآن كله ما أُنزل إلا لك.

خِتامًا، يقول ابن القيِّم- رحمهُ الله: 

” فرِّغ خاطرك للهمِّ بما أُمرت به، ولا تشغله بما ضمن لك ؛ فإن الرزق والأجل قرينان مضمونان، فما دام الأجل باقيا كان الرزق آتيا، وإذا سد عليك بحكمته طريقا من طرقه، فتح لك برحمته طريقا أنفع لك منه ؛ فتأمل حال الجنين: يأتيه غذاؤه وهو الدم، من طريق واحدة وهو السرة، فلما خرج من بطن الأم وانقطعت تلك الطريق، فتح له طريقين اثنين، وأجرى له فيهما رزقًا أطيب وألذ من الأول: لبنًا خالصًا سائغًا، فإذا تمّت مُدة الرضاع وانقطعت الطريقان بالفطام، فتح طرقًا أربعة أكمل منها: طعامان وشرابان ؛ فالطعامان من الحيوان والنبات، والشرابان من المياه والألبان، وما يضاف إليهما من المنافع والملاذ، فإذا مات انقطعت عنه هذه الطرق الأربعة.

لكنه سبحانه فتح له – إن كان سعيدًا – طرقا ثمانية، وهى أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء، فهكذا الرب سبحانه لا يمنع عبده المؤمن شيئا من الدنيا إلا ويؤتيه أفضل منه، وأنفع له، وليس ذلك لغير المؤمن، فإنه يمنعه الحظ الأدنى الخسيس، ولا يرضى له به، ليعطيه الحظ الأعلى النفيس، والعبد لجهله بمصالح نفسه، وجهله بكرم ربه وحكمته ولطفه، لا يعرف التفاوت بين ما منع منه وبين ما ذخر له، بل هو مولع بحب العاجل وإن كان دنيئا، وبقلة الرغبة في الآجل وإن كان عليًا !! “

ربما يكون للحديث عن طرف الجبل بقية.. 

Share

… ما خَلا أبا بكر

15 أغسطس 2018

لم يخجل وهو يتفوّه بها، لم يشعر أنه لمّا يعبّر عن شعوره، بأنّه ينتقص من قدر بقية صحبه، أعلن وصرّح بكل وضوح، دون أن تُحدث صراحته تلك، خدشًا في علاقته مع غيره من الصحاب.

في الحقيقة كانت إجابته صلى الله عليه وسلم، جاهزة من قبل أن يُسأل، وما علمنا بذلك إلا لسرعة جوابه، دون أن يطلب وقتًا ليفكر أو يستخير! فالمعلوم لا يمكن اخفائه أو مداراته!

كأنه كان فداه أمي وأبي، ينتظر أن يُسأل، ذلك لعلمه بأنه لن يحتار، لن يستغرق الكثير من الوقت، وما دل هذا إلا لصفاء نفسه، لمشاعره المنتظمة، للأولويات الواضحة جدًا في قلبه، لا ينتظر الموقف والتجربة ليرتّب قلبه، لا ينتظر أن يُهزم أو يُخذل ليعيد ترتيب حساباته والناس في قلبه، هو يسير بتوفيق الله، يسير بوجهة محددة وواضحة، من أجل ذلك كله جاءت إجابته لما سُئل عن أحب الناس من الرجال، فكان جوابه: 

قال عمرو بن العاص : يا رسول الله ، أي الرجال أحب إليك ؟ قال : ” أبو بكر ” .

ما يحدث مع الكثير منا اليوم، اضطراب العلاقات على جمالها، وصفائها، نسعى لإرضاء الجميع، والنتيجة: لا وجود للرضى! الكثير من الملابسات والتشويش مع من نحب، ولو كنا لسيرته متأملين، لوجدنا حُسن تعامله مع جميع أصحابه عليه الصلاة والسلام، كل من يحبونه، المحيطين حوله، يعلمون أنهم لا يمكنهم أن يسبقوا أبو بكر، يعلمون أن أبا بكر أولًا، ثم يأتي البقية، الجميع يعلم بأنه بوجود أبا بكر، فلا صوت ولا كلمة ولا رأي يقال دونه.

وفي المواقف، والأحداث، تظهر صدق المشاعر من زيفها، يأتيك الموقف فتجد نفسك مضطرًا اضطرار المُحب لأن تُفصح، لأن يعلم من حولك بمن سخره الله لك، دون افراط ولا تفريط، الشعور باتزان ينتج أطيب الثمر، وأحسن العمل، والغرق بالشعور والاكتفاء به، أول الهلاك! 

وعن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : ” ما لأحد عندنا يد إلا وقد كافأناه ما خلا أبا بكر ، فإن له عندنا يدا يكافئه الله بها يوم القيامة

تمرّ علينا مواقف أحيانًا، مع أصدقائنا، نشتبك، يقع سوء الفَهم، لا طريق يرضي الطرفين، نتوهم بأننا أول اثنين نختلف! وما أن تعود للسيرة، حتى تجد جميل الرفقة، وحسن التدبير في العلاقات في علاقته مع حبيبه أبو بكر رضي الله عنه تحديدًا ومع بقية صحبه الكرام رضوان الله عليهم. 

أطهر الصداقات وأصدقها تلك التي تمدّ يدها لتعينك، تقوّم اعوجاج فيك ولو لم ترضَ، أجمل الصّحب من يكن عونًا لك، ويد ثالثة، وعكازًا تتكئ عليه؛ لئلا تسقط، من يفرش لك قلبه، ليكن لقلبك، بساطًا، يأويك من حرّ الدنيا، ومن لهيب الأقدار. 

وقال محمد بن جبير بن مطعم : أخبرني أبي أن امرأة أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمته في شيء فأمرها بأمر ، فقالت : أرأيت يا رسول الله إن لم أجدك ؟ قال : “ إن لم تجديني فأتي أبا بكر

الصديق الحقيقي هُو من يكن معك دون أن تطلبه، يعلم ما خطبك دون أن تتحدّث، من يوصلك بالله، يعيدك لجادة الطريق كلما انزلقت وانحدرت، من يخترع ألف سبب ليوصلك، ليراك، من يعلم محبوباتك فيقدمها بين يديك. 

وأخرج البخاري من حديث أبي إدريس الخولاني ، قال : سمعت أبا الدرداء يقول : كان بين أبي بكر وعمر محاورة ، فأغضب أبو بكر عمر ، فانصرف عنه عمر مغضبا ، فاتبعه أبو بكر يسأله أن يستغفر له ، فلم يفعل حتى أغلق بابه في وجهه ، فأقبل أبو بكر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو الدرداء : ونحن عنده ، فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : ” أما صاحبكم هذا [ ص: 13 ] فقد غامر ” . قال : وندم عمر على ما كان منه ، فأقبل حتى سلم وجلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقص على رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر ، قال أبو الدرداء : وغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل أبو بكر يقول : والله يا رسول الله لأنا كنت أظلم . فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : ” هل أنتم تاركو لي صاحبي ؟ إني قلت : يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا ، فقلتم : كذبت ، وقال أبو بكر : صدقت ” .

أصدقاؤنا اليوم، من يشاركونا أعسر الأقدار، قبل أيسرها، هم خلفاؤنا الحقيقيون غدًا، خلفاؤنا في رسالتنا في هذه الحياة، هم من يُكملون مشوار ابتدأناه، لما يأخذنا الموت، مَن غيرهم مَن سيقلب الصفحة التالية لما رغبنا في اتمامه، ليكون ختام مشاريعنا وأمانينا، بتنفيذ صحبنا؟ من سواهم من يهيئهم الله ليعتلوا منبرًا كان لنا، فلما تركناه، أحسنوا قيادته وتفعيله، نموت ونحيا بأرواح أصحابنا، تحيا مبادئًا سعينا لأن ننشرها، وقيمًا لأن تترسخ، يأتوا من بعدنا ليحملوا مشاعل النور، ولو لم يكن من دأبهم، فحتمًا ولا ريب ستأتي تدابير الله ليكونوا أهلًا لما استخلفهم الله عليه، سنموت ويحيا صحبنا حياتين، حياتهم الخاصة وحياتنا التي أودعها الله فيهم بعد رحيلنا. 

ماذا فعل الناس بعد وفاة قدوتهم وحبيبهم، من كان العين التي يبصروا الدنيا من خلال عينيه، ما كان الناس فاعلون لولا كلمات قالها أبو بكر الصديق؟ 

اقرأ الحديث جيدًا، لتستوعب ما تفعله كلمات الصحب الصادقة، يلقيها لا يلقي لها بالًا، لصدقها، تثمر في نفوس المستمعين، فيثبت الناس، ويكتب الله للرسالة بأن تتم، حتى بعد وفاة صاحبها ومؤسسها.

قال : وأقبل أبو بكر حتى نزل على باب المسجد حين بلغه الخبر ، وعمر يكلم الناس ، فلم يلتفت إلى شيء حتى دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت عائشة ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم مسجى في ناحية البيت ، عليه برد حبرة ، فأقبل حتى كشف عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم .

قال : ثم أقبل عليه فقبله ، ثم قال : بأبي أنت وأمي ، أما الموتة التي كتب الله عليك فقد ذقتها ، ثم لن تصيبك بعدها موتة أبدا . قال : ثم رد البرد على وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم خرج وعمر يكلم الناس ، فقال : على رسلك يا عمر ، أنصت ، فأبى إلا أن يتكلم ، فلما رآه أبو بكر لا ينصت أقبل على الناس ، فلما سمع الناس كلامه أقبلوا عليه وتركوا عمر ؛ فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أيها الناس ، إنه من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت . قال : ثم تلا هذه الآية : وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئًا وسيجزي الله الشاكرين.

قال : فوالله لكأن الناس لم يعلموا أن هذه الآية نزلت حتى تلاها أبو بكر يومئذ ؛ قال : وأخذها الناس عن أبي بكر ، فإنما هي في أفواههم ؛ قال : فقال أبو هريرة : قال عمر : والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها ، فعقرت حتى وقعت إلى الأرض ما تحملني رجلاي ، وعرفت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات.

 

هذه التدوينة لصحب قلبي الذين أحب، والذين يعلمون جيدًا أن الكلمات ما كُتبت إلا لأجل قلوبهم، أُحبكم

*جميع الأحاديث في هذه التدوينة من كتابي سير أعلام النبلاء+ السيرة النبوية لابن هشام

Share

ولا تَهنوا ولا تَحزنوا

27 يوليو 2018

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

المطلوب منك تجاه ما ستقرأ الآن، أن تتخيَّل فقط، تتخيل لو أنَّ الله قدّر لك أن تكن بهذا الموقف، فما أنت فاعل؟ 

هب أنك تستعدّ لمناسبة عظيمة الشأن لك، جمعت جموعك، جهَّزت كل شيء تقريبًا، قسَّمت المهام، ثم بدا كل شيء أنه على ما يرام لو حافظ كل واحد على ما أعطيته من مهام ومسؤوليات. جاءت الأقدار لتخبرك أن الدنيا لا تصفو لأحد، خيّب بعض من أوكلتهم مهمة عظيمة لانجاح مناسبتك هذه، ظنّك فيهم، فغادروا قبل أن تنتهي مناسبتك! مجرد حدوث الفوضى وسط انتظام كل شيء هو فشل لمناسبتك! غادروك الضيوف، وأنت غير راض عن ذلك الصنيع! ماذا سيكون شعورك؟ سيكون قلبك شغوفًا منتظرًا لأقرب فرصة لقاء بأولئك القوم؛ لتصحح نظرتهم عنك! لأن ما حدث ليس من المفترض أن يحدث، لكنه بمشيئة الله حدث! ستبقى منتظرًا لفرصة تعديل النظرة، مهما كلّفك الأمر.

ماذا لو رزقك الله الفرصة في فجر اليوم التالي؟ أنت منتظر لهذه الفرصة، لكن ليس بهذه السرعة! لا زال التعب يغذي جسدك، لست وحدك لكن جمعك الذي كان بالأمس، مُنهك مما لاقاه في ذلك المكان. 

من المؤكد أنك ستكن في حيرةً من أمرك، فما تمنيته جاءك على طبق من ذهب، وما سيرددك للخروج هو ” سوء التوقيت” بوصفنا نحن الذين لا نُحسن تفسير أقدار الله، من المؤكد أنك لن توافق مباشرة للقاء ضيوفك وقواك لا زالت راقدة! لكن هذا لم يحدث مع الرسول، صلى الله عليه السلام! الآن، انتفض من خيالك، وقُم!

لما هُزِم المسلمين في غزوة أحد، لم يكن هذا ليُرضي قائدهم وحبيبهم، أخطأ البعض، فعمّ المصاب جميع القوم! حتى في لحظة الهزيمة العسكرية، كان الحُزن ممنوع! فقال لهم الله جلّ شأنه: (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) آل عمران|١٣٩. 

ما من شيء يأكلك من الداخل، يُحطِّم أجمل ما فيك وأنقاه، مثلما تفعل تلك الهزيمة النفسية في داخلك، تجعلك تتنازل، تتخلى عن موقعك في هذه الحياة، ظانًا أن غيرك بإمكانه سدّ ثغرتك! وهذا ما لم تعِه ياصاح! أنك أيًا كان مكانك، فرباطك حيث اختارك الله أن تكن، مهما كانت خسارتك بالأمسِ القريب أو البعيد، عليك ألا تهِن ولا تحزن، ما دمتَ بالله موحدًا، وله ناصرًا، فكل ما على الدنيا يهون. 

حسنًا ماذا قُدر لهؤلاء المؤمنين حتى يُذهب الله عن قلوبهم الحُزن؟ فجر اليوم التالي مباشرةً، نادى مُناد بأن يجتمع من كان بالغزوة البارحة، فقط من كان مُشارك بمعركة أُحد، وكان أغلبهم ما بين مُصاب وجريح، لأي حد وصلت بهم الجروح والقروح؟ لربما يكفي لو أشرتُ لابني الأشهل! 

قصتهما أنهما كانا من الذين شاركوا في الغزوة، وقد أصابهم من الجروح ما جعلهم غير قادرين على المشي! ماذا حدث لهما لما سمعوا بلالًا ينادي أن: حيّ على الجهاد! قالا: أتفوتنا غزوة مع رسول الله؟ وما كان معهما دابة يركبانها!

وهذا طلحة، لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم من المسجد فجر اليوم الجديد، مناديًا للجهاد، فرأى طلحة، وقد كان به سبعة جراحات، فقال له عليه الصلاة والسلام: “سلاحك ياطلحة” فيعدو طلحة وكأن ما به من جراح! في مقابل جراحات النبي عليه الصلاة والسلام!

لما يرزقك الله فرصة جديدة لأن تُصلح ما فَسُد بالأمس، لا تُضيع ما منحك الله إياه، مهما كنت متعبًا، تذكر ابني الأشهل وطلحة! لا بأس أن تكمل المسير وقروحك لم تُضمَّد بعد، لما تنشغل بالأعلى، يكفيك الله الأدنى، لمّا يكن فكرك كلّه مُنصبّ للآخرة، يكفيك الله الدنيا بهمّها وغمّها. وهذا ما حدث مع صحابة رسول الله، عليه الصلاة والسلام.

لمّا أظهروا لله صدق توبتهم، منحهم الله خط عودة؛ للإصلاح، لإظهار الإيمان، وكل هذا لئلا يُعمّر الحزن والهوان فيهم طويلًا، وهم الأعلون! هذا كلام الله لهم. 

لكل منّا “حمراء الأسد” خاصّته، تلك الفرصة الربّانية التي منحها الله لصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، مكثوا وأشعلوا النار في ذلك المكان؛ ليثبتوا لأهل الباطل أنّهم بأمر الله أقوياء، رغم الجراح، رغم القرح، لكنهم بالله أعزة. لم يتجرأ أحد من الاقتراب منهم، فكانت النصرة النفسية للمسلمين، فأين حمراؤك؟ 

ثق بأن الله يمنحنا دائمًا فُرصًا ليُشرق أمسنا الذي أظلمناه بأيدينا، وهذه هي أيام الله، يوم مشرق ويوم مظلم، نعيد إشراقه بفضله وأمره وإذنه فإذا الذي أحزننا بالأمس، يسرّنا اليوم. 

واعلم بأن فرصًا تذهب وأخرى تأتي؛ ليميز الله الخبيث منّا والطيب، كثُر من يدّعي بادّعاءات لا يعلم إلا الله، وما أن تأتي المواقف والأقدار؛ لتكون له كاشفة، ليعلم كم كان كاذبًا كاذبًا. 

اللهمّ ادخلنا مدخل صدق، واخرجنا مخرج صدق، واجعل لنا من لدنك سُلطانًا نصيرًا

 

Share

تدوينةُ العَودة، عودة التدوين!

15 يوليو 2018

ذلك لأنَّها تُحاصرنا، تُقيِّدنا، دون أن نلحظ ذلك أو نُلقي له بالًا، لكن هذا ما يحدث تمامًا، ولما غاب عنّا ما يُعيقنا على أن نتحرّك، فَترت الهِمم، وضَمُرت الانجازات!

منذ أن صارت- الصورة المثالية- هي كلّ ما نفكّر به، باتت اجتماعاتنا بالكاد تُذكَر، أصبح الواحد منّا يفكر ألف مرّة في تفاصيل دعوته لأهله وجيرانه، ماذا يقدّم لهم؟ أي الأواني ينتقي؟ 

تعدّى الأمر للاجتماعات، ليمتد لحياتك الشخصية، عاداتك، أهدافك، حين تملك عادة “كانت” فيك، ثم ما تلبث أن تنوي العودة لها، لا تُرضيك أي عودة! بل لا بد أن تكن تلك العودة قوية! ليصل الأمر في نهايته بالتسويف الذي هو الموت البطئ للرغبات والطموحات والهِمم العالية. 

يكفينا من القلادة، ما أحاط بالعُنق، يكفينا من العودة لكل ما نحبّ خطوة واحدة يسيرة، دون تكلف، دون سرف الكثير من الوقت؛ لانتظار وهم الوقت المناسب، لذلك كان “خير البرّ عاجله“، فكم من المواطن في القرآن يخبرنا الله فيها بخيرية المُسارعة في الخيرات، نحن نملك الكثير مما نرغب في تحقيقه والوصول له، لكننا لم نفعل بعد! نغفل أن الخير مكّننا الله منه اليوم، وما لم نؤده على الوجه الذي يرضاه عنّا، يُسلب منا ذلك الخير الذي ظننا أنها موهبة أو أنّها عطيّة خاصة بنا! 

وإنما العودة كالابتداء، حدّثتُ صديقتي مرّة أني أرغب في تقديم مفهوم لصغاري، لكنه لم يكتمل بعد، تحضير المفهوم ” بالصورة المثالية” قد يتطلب أكثر من سنة! ويبدو أنني كنتُ أبحث عن المثالية! أخبرتني بأنّ الخير بين يديّ، وحقًا عندما قالوا: ” الجود من الموجود”، لا تمدنّ عينيك، اكتفِ بما عندك، وانطلق انطلاقة “عادية” لا تشترط في انطلاقتك أو عودتك أن تكن خارقة! يكفي لتلك الانطلاقة أن تكن محفوفة باستعانتك بالله وتوكلك عليه، ثم امضِ، وثق بأنه بمقدار صدقك مع الله، سيكون المسير قويًا، يصدح الأرجاء.

وأما عن نصيحة صديقتي، فحقًا قولها، وما أنطقها إلا الله، خلال شهر واحد، مكنني الله من تقديم مفهوم الرسول صلى الله عليه وسلم، لصغاري، الأمر الذي لم أفعله خلال سبع سنوات من تدريسي! ولقد أراني الله فتحه، ونصره، وتأييده، أراني جميل تسخيره لصويحبات مُعينات لي على الطريق، أشهدني فتحه لقلوب صغاري، للحد للذي يجعل الأمهات تبحثن أكثر عن سيرته صلى الله عليه وسلم؛ لكثرة إلحاح صغارهن لمعرفة المزيد، وما كان ذلك لولا الله، لولا معونته. 

ثِق بأن القلوب عطشى، ومع ولادة كل فتنة ونموها، يزداد حرّ العيش، تزداد الحاجة للرّواء البارد، ليس كل ما حولنا يروي، رغم كثرته، لكنه كالغثاء! مع كل الذي يحدث حولنا، تزداد مسؤوليتنا بأن يعمل كل في مجاله، كل حسب استطاعته، وفي الوقت الذي تتنازل فيه عن أن تقم بدورك، ظانِا أنّ ما تركته فيك، ستجده بعد سنوات كما هو! لا شيء يبقى كما هو، ما لم تُغذيه بنفسك، وتتعب من أجله وتكلّ. 

لن أراجع ما كتبت، لن انتقِ أفضل صورة، ولا أفضل عنوان لهذه التدوينة! حتمًا هذا ما يعيقني ويؤخرني! لذلك لن أفعل، أول الكلمات، هي أفضلها وهي ما سأنشرها دون تحرير، والله الموفق.

هذه تدوينة العودة- بحوله وقوته- للكتابة والتدوين : )

 

Share