الرئيسية غير مصنف عَام لَيْسَ كَأَيَّ عَام!

عَام لَيْسَ كَأَيَّ عَام!

بواسطة إيناس مليباري

انتهى منْ تجهيزِ الحقنةِ ، تنهدَ ، بينما ضرباتُ قلبي تتزايدُ ، أحاولُ مستميتةٌ تهدئةُ قلبي المضطرب خوفًا ، أطمئنهُ أني اعتدتْ على هذا النوعَ منْ الألمِ ، ألمُ حقنِ البوتكسْ في رأسي المتوجعِ ! . . . يدنو الطبيبُ ، يتنهدَ بصوتٍ عالٍ . . . ” الله يرحمك يا أبوي ” أذكرُ تعجبي حينها ! حدثتْ نفسيٍ : ” يعني ما أتذكر أبوه إلا في نصِ شغلهِ اللي يحتاج تركيز؟ ” ثمَ ما لبثتْ أنْ نسيتُ الموقفُ ، كانَ آنذاكَ موقفًا عابرًا . . . لمْ أكنْ أعلمُ أنهُ سيكونُ درسًا لي وأنسًا وسلوى !

بعدَ أقلَ منْ عامينِ منْ هذا الموقفِ ، توفيتْ والدتي الحبيبةُ الغاليةُ – رحمها اللهُ وغفرَ لها – بقيتْ على حالِ الطبيبِ سالفةً الذكرِ عاما كاملاً ! علمتْ وجعًا أنَ الفاقدَ يرى عزيزهُ في كلِ شيءٍ ، تبدو الحياةُ كبركةِ ماءٍ ، ينعكسَ وجهُ أمي في كلِ شيءٍ يقعُ ناظري عليهِ ! في الأشخاصِ ، في السماءِ ، في الروائحِ ، في الأماكنِ . . . في المواقفِ العابرةِ ، أجدُ أمي بصفحةِ محياها تبتسمُ لي ، أتنهدُ كتنهيدةِ ذلكمْ الطبيبُ!

بعدُ مرورِ عامٍ على وفاةِ الغاليةِ ، أقولُ : لا بأس . رسالةٌ لمنْ فقد عزيز ، هونًا عليكَ ، ولا تتعجل الفرجَ ! لا بأسَ أنْ تشعرَ بالتناقضِ في أحايينَ كثيرةٍ ، لا بأسَ أنْ تبكي بينما قلبكَ سعيدٌ جدًا ، لا بأسَ أنْ تشعرَ في الشهرِ السابعِ منْ الوفاةِ ، أنكَ لا زلتُ تخطو أولى خطواتكَ لدنياكَ الجديدةِ ! لا بأسَ أنْ تكنْ خطواتكَ كطفلٍ يتعلمُ المشيُ ، يخطو نصفُ خطوةٍ ، ثمَ يسقطُ ، ثمَ ما يلبثُ أنْ يحاولَ الوقوفُ مجددًا ، المهمَ ألا يدخلَ اليأسُ قلبكَ ، وألا يحطمنّك الشيطانُ عنْ أنْ تتنفسَ أملاً وحياةٌ .

كنتَ قدْ كتبتْ دروسا قبل وفاةِ أمي ونويتُ نشرها بعدَ أنْ يمنَ اللهُ عليها بالشفاءِ ، أما وقدْ أخذَ اللهُ أمانتهُ ، فوجبَ نشرهُ بنقصهِ وقصورهِ . أصيبتْ أمي – عفا اللهُ عنها وتجاوز – بالفشلِ الكلويِ ، وفي هذا كتبتْ أمورٌ تمنيتُ وقتها لوْ ينصحني بها أحدهمْ ، ولهذا أنشرُ النقاطُ التاليةُ لكلٍ منْ يهتمُ بوالديهِ أوْ لهُ عزيز مريضٍ :

مرافق المريضِ يحتاجُ لامتلاكِ بعضِ المهاراتِ التي تؤهلهُ للمرافقةِ: طولة البالُ، الكلامُ الحسنْ ، حسُ الفكاهةِ ، القدرةُ على اختلاقِ الحكاياتِ والقصص

كبارُ السنِ لهمْ خصائصُ نفسيةٌ واجتماعيةٌ مختلفةٌ، ومعرفةُ الإنسانِ بها يساعدهُ لتخطي الحواجزِ ويصلُ لقلبهمْ بسرعة. لا تتصادمُ معهُ بعقلانيتكَ، بلْ أنزلَ لمستواهُ الفكريِ وبهِ تكسب البرَ والرضا.

اسعَ جاهدا لشحنِ مخزونك الإيمانيّ (مقاطع، حضورُ دروسٍ ، الصلاةُ وقيامُ الليلِ ، الذكرُ ثمَ الذكرِ ).

اهتمَ بصحتكَ النفسيةِ: اعتنِ بصحتكَ كما لوْ أنكَ المريضُ! فأنتَ واجهتهُ للحياةِ! مارسَ الأنشطةَ الترفيهيةَ ولا تشعرُ بالذنب، وانوِ بها تحسينُ نفسيتكَ والذي سينعكسُ على مريضكَ.

اجتهد لتعرفَ أقرب الناسِ إليهِ، منْ يؤثرُ عليهِ في الكلامِ ؟ منْ يؤنسهُ ويقنعهُ؟ لعلكَ تحتاجهُ في أوقاتِ رفضهِ، ومعَ أمي تحديدا كنتَ أجعلُ أختي الكبرى تحدثها ليكونَ ردها بالإيجابِ إذا ما حدثتها وفاءً !

 لا تشعر بالحرجِ منْ قولٍ (لا ) للزياراتِ في حالِ تعبِ المريضِ ، وكنَ واضحًا بأنَ الزيارةَ وصلتْ لكلِ منْ يشعرُ بالتعبِ تجنبًا للعدوى.

تأكد منْ وجودِ مزالقِ الكراسيِ المتحركةِ وتوفرُ دوراتُ مياهٍ في الدورِ الأرضيِ عندَ الرغبةِ في التنزهِ. في أوقاتٍ كثيرةٍ كنا وإخوتي نستغني عنْ مكانٍ دونَ غيرهِ لعدمِ مناسبتهِ لكبارِ السنِ وذوي الاحتياجاتِ .

مرضى الكلى بحاجةِ للتدفئةِ طوالَ الوقتِ . في مراتٍ عديدةٍ كانتْ والدتي – رفعُ اللهِ منزلتها – تقولَ : ” الجو كويس ، ما أحتاج الجاكيت ” ، فكنتُ آخذ معطفها خلسةٍ ، لعلمي بأنها ستشعرُ قريبا بالبردِ وكانَ هذا ما يحدثُ في الغالبِ . النصيحةُ : لا تسمعُ كلامَ المريضِ ، ولا تتصادم معهُ ، وإنما خذهُ بالحيلةِ .

استفدْ منْ الصلاحياتِ المقدمةِ في الأماكنِ العامةِ والمستشفياتِ بشكلٍ خاصٍ لذوي الاحتياجاتِ الخاصةَ وكبارَ السنِ ، منْ توفيرِ عرباتٍ ، خدمةُ دفعِ العربةِ منْ قبلُ الموظفِ ، أولويةُ الدخولِ ، طابورٌ خاصٌ لذوي الاحتياجاتِ وكبارِ السنِ .

اجعلْ علاجَ المريضِ يسيرُ بخطينِ ، كلامُ اللهِ والرقيةِ الشرعيةِ ، ثمَ الأدويةِ وبقيةُ العلاجاتِ .

حدثَ منْ حولكَ منْ أهلِ وأصدقاءَ بالوضعِ الحالِ للمريضِ ، اطلبهمْ الدعمَ والدعواتِ ، فهذا مما يهونُ ويطيبُ .

كيفَ تتعاملُ معَ المريضِ ؟ بينَ حزمِ ولينْ ! فمرةَ أشعرهُ أنَ رأيهُ تفوقَ على رأيكَ ، ومرةُ أخرى أجبرهُ على ما لا يرغبُ ! كانتْ والدتي – أسكنها المولى الفردوسَ – تغضبَ كثيرًا إذا ما أجبرناها على المشيِ وتفضلُ الاستسلامَ للشعورِ بالتعبِ والمشيِ بالكرسيّ المتحركِ .

لا تسمعُ لكلامِ الطبيبِ الأولُ ! بلْ أبحثُ عنْ أكثرَ منْ طبيبٍ .

اعتنِ بنفسيةِ المريضِ ! أذكرُ أنْ أولِ منْ علمني هذا الدرسِ ، صديقتي والتي كانتْ والدتها – رحمها اللهُ – مصابةً بالسرطانِ ، يوم زرتها في المستشفى كانتْ ابنتها وإخوتها ملتفينَ حولها يتحدثونَ كما لوْ أنها مصابةٌ بزكامٍ عاديٍ ، أخبروهمْ الأطباءَ أنَ يودعوها فهيَ في أيامها الأخيرةِ ، رأيتُ أختها تمسك بشعرها وتقولُ لها : ” إيش رأيك نصبغ شعرك ؟ ” كانتْ متوعكةً جدا لكنها أجابتْ نعمْ أريد تغييرُ لونٍ شعريٍ ! بعد مدةٍ وجيزةٍ منْ زيارتي لها – ومنْ صبغةِ شعرها – توفيتْ .

اقتنصَ الفرصَ ! لصنعِ ذكرياتٍ قدْ تكونُ زادكَ الأساسيَ منْ الحياةِ يومًا ما ! كنا بعدُ انتهائنا منْ مواعيدِ المستشفى ، نتسوقُ في محلاّت ” أبو خمسةِ ريال ” والتي كانتْ منْ مفضلاتها – رحمها اللهُ .

معَ ما أنتَ فيهِ منْ كربِ وهمْ ، تلمسٌ ذوي الحاجاتِ الذينَ يضعهمْ اللهُ في طريقكَ ! اقضِ حوائجهمْ ، ليقضّ المولى عنكَ ويفكُ أسرُ قلبكَ .

اعلمْ أنَ في كلِ بلاءِ عافيةٍ للقلبِ والدينِ ، لكنْ حتى يصلَ الإنسانُ لتلكمْ العافيةِ ، عليهِ بتقديمِ الكثيرِ منْ التضحيةِ ، تضحيةٌ بالصحةِ ، بالوقتِ بالمالِ ، ثمَ يتفضلُ اللهُ عليهِ ، وقدْ تتكشفُ لهُ وقدْ لا يحدثُ!

استفدْ منْ أوقاتِ نشاطِ مريضكَ ، فهيَ قوتهُ في وقتِ ضعفهِ!

كنتُ لا أجدُ بأسًا منْ مشاركةِ والدتي – أنارَ اللهُ قبرها – بعضِ إحباطاتي في حياتي الشخصيةِ وفي العملِ ، كانَ هذا يشعرها بأنَ رأيها مسموعٌ ، ودعواتها مطلوبةٌ .

نوعٌ في مواعظكَ لمريضك ! فمرة قلَ : اصبرْ واحتسبَ ، ومرةُ أخرى أسمعهُ قصصا تقوي علاقتهُ بربهِ .

 اربطْ أصحابَ المعاناةِ ببعضٍ ! فهمِ أكثرِ الأشخاصِ شعورا ببعضٍ . أذكرُ اتصالي بأحدِ أستاذاتي ، والتي أصيبتْ بفشلٍ كلويٍ ، أخبرتها بأني أودُ منها محادثةَ أمي – غفرَ اللهُ لها – استرسلتْ أستاذتي معَ أمي ، حكتْ لها تفاصيلُ غابتْ عنها ، منحتها جرعةُ أملِ واقعيةٍ .

لكلٍ منْ فقدٍ عزيزٍ أقولُ : اعلمْ أنَ الحياةَ لا تطاقُ بعدَ فقدِ الوالدينِ خاصةً ، لكنها تهونُ بأمرينِ : جبرْ اللهِ ، وصحبةُ الطيبينَ منْ أهلٍ وأصدقاءً . عرّض نفسكَ للجبرِ ، أكثرَ منْ الذكرِ والتسبيحِ ، ففيهما انشراحُ الصدرِ معَ بقاءِ الحالِ على ما هوَ عليهِ. 

امنحْ نفسكَ فرصةً أخرى للحياةِ ، بأنْ تفتحَ جبهاتٌ جديدةٌ في حياتكَ ، اشترك في أنشطةٍ جديدةٍ ، تنسيكَ أوْ تلهيكَ – إنْ صحَ التعبيرُ – عنْ وجعكَ الذي لنْ ينتهيَ إلا بانتهاءِ الدنيا . وافسحْ للأيدي التي فتحتْ لكَ لمساعدتكَ، فالألمُ يهونُ بالتهوينِ ! وابكِ متىْ ما أردتُ وكيفما أردتْ ! 

وفي هذا يحضرني موقفٌ معَ أحدِ صغاري في الروضةِ . حانَ وقتُ الوجبةِ ، شرعَ الأطفالُ بتناولِ الطعامِ عدا عبدَ الرحمنْ ، سألتهُ : ” عبدُ الرحمنْ ، شكلكَ متضايقٌ ؟ فيكَ شيٌ ؟ ” قالَ وعيناهُ قدْ اغرورقتْ دمع واكتسى محياهُ حزنا وكمدا : “ أبغى جدي ” جدهُ المتوفى منْ بضعةِ أشهرٍ سالفةٍ ، ضممتهُ ، ” ادعي ربي يجمعكَ بهِ في الجنةِ ” أرخى بناظريهِ للأسفلِ ، ثمَ مضى محاولاً تخطيَ ما يشعرُ ، مضتْ ساعةَ ما بينَ حواراتٍ بينَ الأطفالِ ، نسيتُ قلبُ عبدِ الرحمنْ المشتاقِ . ثمَ وما أنْ بدأَ وقتُ التعلمِ ، قدمَ نحوي ، بذاتِ المنظرِ قبيلَ ساعةٍ ، بعدُ معالجتهُ لما قلتهُ لهُ : ” معلمةٌ أبغى جديٍ دحين ، مو في الجنةِ! ” علمتْ أنَ نوبةَ الشوقِ في أعلى مراحلها ، خرجنا منْ الفصلِ ، أجلستهُ ، أحطتهُ بذراعيْ ، فتحتُ هاتفيٍ ، سألتهُ : “ تعرفَ مين هذهِ ؟ ” قالَ : ” أمك اللي ماتت ” . أجبتهُ : ” تعرفَ إيش أسوي لما أشتاق لمامتي الله يرحمها ؟أقلبُ في صورها ، أبكي ، أقبّلُ الجوالُ ، أسمعُ صوتها ، ثمَ أدعو لها ” قلتُ لهُ : “ما رأيكَ أن نبكِ سويًا فحتى قلبي مشتاق لأمي وأرغبُ في حضنها الآنِ !” بكينا معًا . 

22 / 7 / 1445 هـ 

اللهمَ أزهرْ قبرُ أمي برائحةِ المسكِ ، يا رب وعوّضها بقصورٍ وجنانٍ وروح وريحان ، واجمعنا بها في مستقرٍ رحمتكَ

You may also like

4 تعليقات

دعاء 3 فبراير 2024 - 2:48 م

وبكى قلبي وعيني معكم أنتِ وعبدالرحمن // جزاكِ الله خيرا على تلك النصائح // لا شك أن كل من يرافق مريضا بحاجة لها

Reply
خلود 3 فبراير 2024 - 3:06 م

في كل مرة أقرأ لك شيئًا عن والدتك أسبح بين الأحرف لعلي أجد ما يواسيني أنا أيضًا، فقدت خالتي قبل بضع سنوات، ولكن جرح فقدها مازال ينزف! خالتي هي توأم أمي ومرآتها في كل شيء .. في بعض المواقف أنظر إلى أمي وأتأمل تفاصيل وجهها وطريقة حديثها وأتذكر خالتي أقول في نفسي: كيف هو حال قلبك وأنت تنظرين إلى نفسك في المرآة يا أمي.

رحم الله أمك وخالتي وجد عبدالرحمن وأموات المسلمين أجمعين

Reply
خضراء 3 فبراير 2024 - 6:21 م

تَخُطُ كلماتك ماتُكِنّه صدورنا معلمة إيناس 💔

جبر الله قلوبنا ورحم موتانا وجمعنا بهم في أعالي الجنان

جزيتي خيراً ونفع بما سطرتي من دروس قيمة 👍🏻

Reply
خولة 4 فبراير 2024 - 12:12 ص

حبيبتي إيناس.. أبكيت القلوب قبل العيون.. غفر الله لوالدتك ورحمها وأسكنها فسيح جناته.. وجبر قلبك من عنده سبحانه.. جبراً يلئم القلوب المجروحة المتفطرة.. جبراً يجعل من الحزن دافعاً لعمل عظيم يقربك إلى الله أكثر.. وتبقى الأحزان دفينة في قلوبنا مهما حاولنا ترميم قلوبنا..لكنا بلطف الله سائرون..

Reply

اترك تعليقا