♪ ♫
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

من المفترض أن أكتب هذه التدوينة منذ ثلاث أسابيع أو أكثر ! لكنني تأخرت ، ورغم تأخري، لم أتوقع أني سأكتبها خلال هذا الشهرين ! لأني لم أتوقع أني سأجد فارقًا يُذكر خلال الفصل الدراسي الأول ، لكنه الله الذي يُدهش حين يعطي ، وما أجمل عطاياه ، فله الحمد في الأولى والآخرة .
تذكرون تدوينة ” سويت حمام ” ؟
أشياء كثيرة تغيرت ، غيّرها الله ، وأبدلنا خيرًا منها ، فما عاد موضوع ” الحمام ” هو شغلنا الشاغل أنا وأفنان ! انتهى هذا الهاجس لدى كثير من الأمهات ، ولم يبق إلا القلة الذين لم يتعلموا عليه بعد . سبحان الذي يُطمئن القلوب بعد خوفها .
حسنًا ، لأنني أملك أشياء كثيرة أرغب في حكايتها ، لنبدأ من البداية ، كيف كانوا وكيف أصبحوا .
يبدأ يومنا بدخول صغارنا للفصول ، يمضي الربع الأول من الساعة الأولى بالتلوين ، صغارنا كانوا يدخلون ويركضون في أنحاء الفصل ! لا يدرون بأي نوع تخريب يبدؤون ! الآن يدخلون والكثير منهم تعلموا أن يسلموا عند دخولهم ، وأجمل ما قد يسمعني الله إياه حين ينسى أحدهم فيذكره آخر بأن يُسلّم . يجلسون بمفردهم على الكراسي ، صحيح أنهم لا زالوا يلونون بشكل عشوائي ، لكن أفنان بدأت تلفتهم لفكرة التلوين داخل الحدود ، أعجبتهم الفكرة ! أتقنها البعض بطريقة عجيبة ، حتى إحدى الأمهات علّقت على الفرق الذي لاحظته في تطور ابنتها .
أطفالنا يعيدون الكراسي لمكانها ، وحين ينسون ، نخبرهم أن الكراسي حزينة ! فيدركون تأويل حزنها ، فيسارعون الركض وإعادتها داخل الطاولة . الشيء الذي كان لا يجدون أهمية لفعله ، الآن يفعلونه بشكل لا إرادي . فلله الحمد .
تبدأ الحلقة ، كنا نختصرها لعشرون دقيقة وتمضي العشر الباقيات من الدقائق بأن نلعب ! أما الآن ، بإمكاننا إتمام الوقت المفترض للحلقة ، ثلاثون دقيقة متواصلة ، وأغلب الأطفال على السجادة ، يجلسون ! يا الله ، ما أكرمك !
فيما مضى ، تكون الأسئلة الموجهة لهم ، تشبه بعضها ! لا يدركون الإجابة الصحيحة لكل سؤال ( السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، كيف حالكم اليوم ؟ كيف أصبحتم ؟ .. الخ ) قد يقولون طيبون الحمد لله بعد أن سلّمت عليهم ! لكنهم الآن يحرصون على رد السلام كاملاً ، بعد أن قمنا بعدّ كلمات السلام ، وأخبرناهم أن الذي يرد السلام كاملاً ، يعطيه الأجر والحسنات كاملة.
ومن أعظم ما تعلموه بفضل الله إجابة ( من ربك ؟ ) تجدهم يجيبون وأفواههم تتشدق فرحة ! . تنتهي الحلقة ، لتأتي الوجبة الأولى ، كان يؤلمني منظر الأطباق بعد انتهاءهم منها ، وكثير من الساندويتش لم يُقضم بعض ! الآن تعلم الكثير منهم بفضل الله أن يأكلوا أطراف ” التوست ” الأمر الذي يشكل لدي أزمة ! بالمناسبة ، أخبرتني إحدى الأطفال : معلمة تبغيني آكل العظم ؟؟!
كنت أكافئ الذي يأتيني بطبقه فارغًا ، بأن يختار لون الكأس الذي يحبه ليتنعم بشرب العصير ، أما الشخصيات العنيدة ، فكنت أقدم تنازلات ، كنت أقسم طرف التوست لقسمين ، فأخبره بأن يكتفِ بأكل النصف ، نجحت مع من يريدون أن “يمشي رأيهم ” !
أما وقت الوجبة الثانية ، فما عادت ” كبسة” على قلبي ، تعلم أغلبهم ، أن يفتح حقيبته بنفسه ، ويخرج وجبته ، والأهم : أن يعيد الحقيبة لمكانها .
أصبحت أشاركهم الطعام ، بأن أحضر وجبتي ، وآكل معهم ، وفي الغالب ، يأكلون وجبتي !
كنت أكافئ الذي ينتهي من وجبته بأن يأخذ حظه من الكاجو أو اللوز أو الزبيب ، وفي يوم آخر شاركتهم الرمان . فما أكثر سعادة هذا الذي وافق وجبته وجبة المعلمة ! كالحليب الذي سبب أزمة مؤقتة لأحد الأطفال ، يرمقني بنظرات ، ولم يستطع إكمال ما طال كتمه ، فأصبح لا يكف عن قوله : شوفووو معلمة إيناس ززززييي ، معاها حليببببب أبييييض ! يقصد حليب سادة بدون نكهات ، ويريد بذلك إغاظة أصدقائه الذين لديهم حليب بنكهات !
أما وقت اللعب ، فأصبحت أثق بهم أكثر مما مضى ، الكثير يلتزمون عند حدود اللعب التي نضعها سويًا ، ويا لسعادتي حين تخبرني إحداهن بعد أن اجتازت لعبة التوازن بمفردها ، فتقول : ” معلمة شوفي الله ساعدني ” أو أسمع أحدهم يقول : ” يارب ساعدني ” هذه الألفاظ القصيرة ، تظهر لك ما ينمو في قلوبهم الصغيرة ، فياربّ قدّرنا ومكّنا .
وبهذا الخصوص ، قالت لي ابنة أختي مرة : خالة نوسا خلاص أنا ما احتاج الله يساعدني مرة ! سألتها : ليش ؟ أجابتني بعد أن شخصت ببصرها للأعلى : “خلاص يا رب مررة شكرًا لا تساعدني لأني سرت أعرف أكتب اسمي لحالي ! ” الأطفال يفاجؤونك بمواقف ، قد لا تملك إجابة مقنعة إن لم يلهمك الله أو يفتح لك فيها .
رغم أن أطفالي قد كبروا عقليًا إلى حد كبير ، لكن مواقفهم المضحكة ، لم تكبر بعد ، بل ازدادت وتضخمت .
في أحد المرات التي كنا نلعب فيها لعبة تخيلية عن طهي الأرز ثم توزيعه لباقي المجموعة ، اخترت أحدهم ليساعدني في الطهي ، فكان يوزع الأرز على الأطباق ويصدر صوت تخيلي بأنه يضع شيئًا فوق شيء ، يقول : ” شيك .. شيك ” المهم أن أحد آخر أصلحه الله أكل من طبق صديقه ، يريد مداعبته ، أصاب الأخير نوبة بكاء ، وغضب ، لا تسألوا عن حالي حين قال : شيك شيك .. ودموعه تتساقط ، حيث أنه اغترف من حصة صديقه الذي أكل أرزه ، فوضع الأرز الخاص بصديقه في طبقه وأكله !
تعلمنا سويًا مراحل نمو الجنين ، ركزت لهم على مرحلة العلقة ، ثم ينمو الجنين ويكبر ، المهم انتهت الحلقة ، قام الجميع استعدادًا للوجبة إلا واحدًا أبى أن يقف ، سألته : مابك ؟ قال : ” أبغى تاني مو بس كدا – ورفع اصبعًا واحداً – أبغاها كدا وكدا – رفع العشر أصابع وكررها مرتين ! المهم تشرّب هذا الطفل هذا المفهوم خلال ثلاث أيام وأنا أخضع لما يرغب به ، أصبحت أعيد الصور عليه في اليوم أكثر من 3 مرات ! حتى بدأت الفكرة ” تعشش ” في دماغه ، فقال وهو مبتسم : ” معلمة .. ترى ماما أول طاحت ، وبابا شالها ،طلعت حامل .. وبطنها فيها علقة صغيرررة ” حين أخبرتُ والدته ، لم تتمالك نفسها من الضحك ، وأكدت لي بأنه أصبح يرغب في رؤيتها حامل ، وفي رؤية ” علقتها ” .
ومن أكثر ما أثر فيّ ، حين جاءتني إحدى الأمهات ، ثم أخبرتني وطفلها يقف مطأطئ الرأس ، مقطب الجبين : ” معلمة إيناس عندنا مشكلة ! ما عاد يبغانا أنا وأبوه ! يقول يبغا يعيش معاك ، ويقول بيودي أشياءه عندك ! ” حدثته بعد أن مسحت على رأسه ، بأن يأتي في الغد لنكمل اللعب ،لا أدري كيف انتهى الموقف ، والذي سبقه بأن يخبرني هذا الطفل بأنه يحبني كثيرًا واحتضنني.
ما أثر فيّ هو أنه كان من أكثر الأطفال الذين لا أجد له مكانة في قلبي ، وكنت حانقة على نفسي لهذا الشعور ، وخلال أسبوع ونصف ، عاهدت نفسي أن أعرّض نفسي له ، أجبر نفسي أن أتقبله على الأقل ! فكنت أتعمد اللعب معه ، وأنا لهذا الفعل كارهة ، وأقرأ معه القصص ، واستمع لحكاياته التي لا تنتهي ، انتهى بي الأمر لأجد أني أفعل هذه الأمور بطيب نفس ، فأكرمني الله بجميل حديث والدته .
لم يتبق الكثير على الفصل الدراسي الأول ، وأكرمنا الله بكل هذا ! قد يقول القارئ ، الذي لم يجد شيئاً يستحق أن يدون من أجله ، لمَ كل هذا ! لكني حين أقول كل هذا ، فإني أعنيها ! تعلمت من خلال عملي مع أطفال روضة أول ، أن انتبه لتفاصيل صغيرة ، قد تبدو عادية جدًا لمن انشغل بالأمور الكبيرة . وفي كلٍ خير .
أتساءل : ما الذي سيدهشني الله به في الأشهر القادمة ؟ أنا التي لم تضع أي توقعات كبيرة في أول الأمر . لكنني وبعد أن أراني الله ما أحب ، أطمع بالمزيد !
الآن وقد قطعنا شوطًا عسيرًا في ظاهره ، يسرّه الله في بواطنه وبقية تفاصيله . أقول الحمد لله الذي بنعمته تتمّ الصالحات ، فالشكر له أولًا وأخيرًا .
أطفالنا الآن يعلمون كيف يردون السلام ، يجيبون على سؤال من ربك ، يفرقون بين الحسنة والسيئة ، وبين عمل الخير والشر ، يعلمون أن الذي يعطينا ويمنع عنا هو الله ، وأن الذي يساعدنا ويعيننا هو الله . وهذا ما رغبنا فيه ولم نتوقع أن يرينا الله الثمرة في وقت قصير .
شكرًا لصديقتي ومعلمتي قبل أن تكون شريكتي في الفصل ، أفنان ، تعلمت منك الكثير ، تحملين قلب الأم ، وهذا ما يجعلُ منك معلمة متميزة .
شكرًا لمشرفتي أ. هبة ، على تفقدك لرعيتك بين الحين والآخر، ولمساعداتك الصغيرة ، الكبيرة عند الله .شكرًا لمديرتي أ. أماني ، في كل مرة تُخبرينني بأن أطفال روضة أول لهذا العام مختلفون عن الذين سبقوهم ، أشعر بالمسؤولية أكثر .
شكرًا لكل صديقاتي المعلمات الذين يفاجئونا بدخولهم للفصل ، وإحداث خير صغير ، كان هو جلّ ما نحتاجه ، كفضّ نزاع ، أو التحدث مع أطفالنا فينصتون لهن .
شكر خاص لصديقتي لينة ، ممتنة لله ثم لجهودك في كل مرة تدخلين فيها إلينا ، فتنشدين لهم ،فيهدؤون.
