♪ ♫
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

ابتدأت حفلة تخرج أطفالي الذين قضيتُ معهم عامين ، بمسيرة الفتيات العشر، قليلات العدد ، كبيرات المكانة في قلب معلماتهنّ ، اصطّفت الفتيات بشكل منتظم على المسرح ، تلتقِ عيني بأعينهنّ ، يبتسمن ولازالت أيديهنّ خلف ظهورهنّ ويقفنَ بشموخ ، كانت قلوبنا -رغم مسافة المسرح التي تفصلني عنهنّ- تتحدث ، كنّ يخبرنني بتصرفاتهن : هذا ماعلمتِنا عليه ، فأردّ عليهن بصوت لا يسمعه سوى قلوبهن الصغيرة : وهكذا أردتُ أن تكنّ .
تبدأ مسيرة الفتيان الثلاثة عشر ، يسيرون خلف أمل بذات الطريقة التي سارت بها الفتيات ، وحين اقتربوا من المسرح ، تلاقت أعيننا ، هم يعلمون بأني وأمل فخورتان بإتقانهم لما درّبانهم عليه ولذا فإنهم حين تلتقِ أعيننا ، يبتسمون بطريقة كافية لأن تخبرنا بأن كل الأمور تسير على ما يرام .
الآن يقفون على المسرح أطفالي بل أبنائي الذين شاركوني ذكريات جميلة ، لوهلة كنتُ أخشاها ، استيقظ شعوري بقرب فقدي إياهم ، وبين مدّ وجزر بين خواطر تنتاب المعلمة الواقفة بصمود أمام المسرح ، يقطع حبل مشاعري صوت أم أحد أبنائي ، إيناس ليش قبعة أحمد كدا ؟ أبرر لها بلطف أنه “لعب” بها فبدا بهذا المنظر ، وأم أخرى تدعو لي بداية ثم تخبرني بأن أجعل طفلها يتحرك من مكانه لليسار قليلاً حيث أن ضوء الشاشة منعكس على وجهه ! استجيب لها مشيرةً لعُمر بأن يتحرك وقلبي يتمتم : يا قلوب الأمهات ! بل ياربّ قلوب الأمهات !
تتوالى فقراتهم بتيسير من الله ، وفي كلّ فقرة يقدمونها ، جزء مني وجزء من أمل يشدوان شدو الطير حين تعود بِطانًا ، أما الجزء الآخر يتأمل ، يرجو ، يحنو ، وجزء أحسنّا إخفاءه للناظرين … يبكي صغارنا الذين كبروا
ثلاث وعشرون قلبًا ، لكل قلب منهم حكايات يرويها قلبي على مهل .
عبد الله ، ابني الذي لازال ” يمسك علي زلة ” قفزتي الفيلكسية ! ويذكرني بما لا أرغب تذكره .. عبد الله فلتكن هذه القصة ، تذكارًا لقلبك حين تكبر
لمار ، ابنتي التي تعشق الوقوف في أول الطابور ، تذكري بأني كثيرًا ما ساعدتكِ في أن تحققي ما تحبينه
أحمد ، ابني الذي لمْ أستطع تحقيق أمنيته في إحضار “آيباده ” إلى الروضة ، لتتذكر دعاباتنا في محاولات مستميتة لإحضاره
ديالا ، ابنتي التي تعشق ” المكياج وتساريح الشعر ” لتحتفظ ذاكرتك بأحاديثنا عن آخر الموضة
علي ، ابني الذي يعجبني حين ينادي والدته “معلمة جمانة ” ويخبرني سرًا بأنه يناديها “ماما” في منزلهم ، لتتذكر ابتسامتي في كل مرة تخبرني فيها ذلك
جود ، ابنتي التي تبدو جميلة حين تبتسم ، لتتذكري بأني أخرجتُ ” بنسة ” كانت تثبّت شعري يوم تخرّجكم ، حين رأيتكِ مُنزعجة من ربطة شعرك كثيرة الانزلاق ، ليكون شعري في حالة فوضى ، وتبدين في حلّة أجمل
رضوان ، ابني المحتفظ بمعلومات علمية يشاركني فيها بين الحين والآخر ، سأتذكر بأن آخر ما علمتني إياه هو عن سمك القرش Megalodon ، فلتتذكر استماعي لما تقوله
فيء ، ابنتي التي تتميز بحفظها للسور التي تعلمناها سويًا ، لتتذكري فخري بك في نظرات وابتسامة تعلمين بأنها لكِ حين يتوقف أصدقاءك فتكملين مالا يعلمونه
حمزة ، ابني الذي يعشق البناء في ركن المكعبات ، لتتذكر كل مرة صرفتُ نظر أصدقاءك بطريقة ملتوية عن ركنك الذي تعشق ، لتنعم بما تحبّ
لين ، ابنتي التي تعشق أكل ” اللبان ” لتتذكري المرات التي “اخترعت ” قوانين تتيح لك مضغ ما تحبين
عُمر ، ابني الذي يناقشني على أمورٍ لا يكترث لها أصدقاءه ، تذكر بأنني اجتهدت كثيراً حتى تقتنع بأمور لم تكن في ذهنك بأنها الصحيحة
ليان ، ابنتي التي تمتلك حساً فنياً يُبهرني ، لتتذكري بأنني سأحتفظ باللوحة التي أهديتِني إياها ، اللوحة التي أخبرتني والدتكِ فيما بعد بأنكما عكفتما الليل بأكمله حتى تُنجزيها
عبد المحسن ، ابني الذي يعبر عن حبه لأصدقاءه بحبات الدونات التي باتت ملتصقة بك ، فكل كرتون دونات هو بالكاد ولا بدّ هو منك لا من غيرك ، لتتذكر بأنني كنتُ أنعم بما ينعم به أصدقاءك ، فيبدو مُحياك باسماً
نور ، ابنتي التي خلعت وشاح الصمت ، وباتت متحدثة وصاحبة رأي ، تذكري أنني أحببتك بكلّ حالاتك المزاجية
يوسف ، ابني الذي يختبىء عُنوة كلما جاء متأخراً ، ليفاجئني ، لتتذكر بأنك في كل مرة تراني مندهشة لحضورك ، فقد رأيتك واصطنعتُ الانشغال ، لتسعد
تسنيم ، ابنتي التي شاركتني تفاصيل شهور حمل والدتها بأخيها ، لتتذكري بأنني فكرت في إسعادك فكان تمريرك لهاتفي لكل أصدقاءك ليروا أخيرًا ” أنس ” الأخ المنتظر ،كان في ذلك سعدِك
سلطان ، ابني الذي يعبر كل يوم عن حبه لي بطرقة تختلف عن اليوم الذي قبله ، هل تتذكر رقم المائة حين أخبرتني بأنك تحبني مثل هذا الرقم الكبير بنظرك ، ستعلم بعد حين بأن المائة لا تساوي شيئاً أمام المليون والترليون ! ومثل أكبر الأرقام ، أحبك
تيماء ، ابنتي التي تتفرد بمناداتي ” معلمة إيناث ” ، لتتذكري اجتهادي في أن تحظي بالنصيب الأكبر من المهام التي تحبين إتمامها
عزام ، ابني الذي أهداني هديته المفاجِئة يوم تخرّجه ، لتتذكر بأني أثنيتُ عليك ذات يوم بالمُتقن لعمله ، الوصف الذي جعل أصدقاءك يتداولونه كحُظوة حصلتٓ عليه بمعجزة
الجازي ، ابنتي التي تحب أن تحضنني راكضةً من مسافاتٍ بعيدة ، لتعلمي بأني تحمّلتُ ” فعصاتك” لئلا تُبتر مشاعرك ، وحبك الصغير
مشاري ، ابني الذي أسرني يوم أن أخبرتني والدته بأنه أخبر أبيه بأنه سيخبرني أمراً مهماً ، وحين استفهَمته ، ابتسم وصنع بكفيه الصغيرتين شكل قلب ، لتتذكرني كلما رأيت ” سفينة شراعية ” تشبه التي تعلمناها سويًا ، وباتت شغلك الشاغل رغم مرور زمن ليس بقصير
نُمي ، ابني الذي فاجئني بمعرفته لمعنى اسمه حين أخبرتني بأنه من النٓماء ، لتتذكر بأنني كثيراً ما حرصت أن تكون بالقرب من صديقك المفضل في أغلب الأوقات
فيصل ، ابني الذي يحب اللعب بدراجات السّباق ، لتعلم بأني دعوتُ لك حين رأيتك تبكي ألماً شاكياً من أذنك وظللت صامتاً تعضّ أكمام قميصك ، فسخّر الله صديقك ليخبرني
ابناي وبنتٓاي الذين رحلوا دون أن يكملوا معنا ، ورد ، لمار الشهري ، عبد الله الشيخي و محمد ، كنتم ولازلتم في الفؤاد حاضرون
أطفالي ، أنتم عصٓاي التي أتوكّأ عليها ، حين السعد ، حين الضيق . قد ترحلون وترحل مشاعركم دون قصدٍ منكم ، فتكبرون ، وتكبر إنجازاتكم ، وتضيع منكم تفاصيل صغيرة ،كانت عظيمة يوم أن كنتم صغاراً ،وقد أكبر ، ويغزو الشيب رأسي ، فأنسى دون قصد أن لي معكم ذكريات بحجم الجبال ، أكتب هذه الكلمات ، لكم حين تكبرون فتعثرون عليها بمشيئة من جامع الناس ، ولي حين أبلغ من العُمر عتياً . . لأتذكر بأن صغارًا كانوا يسندوني كلما انزلقتُ من الحياة .
