♪ ♫
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كان – وما أقسى كثير مما نسبقهُ بكان – حضوره يعني يوماً ثقيلاً .. يعني يوماً مليئاً به لا بغيره ، بأسئلته ، بحركاته ، بكل عفويته التي تضطرني كمعلمة أن استقبله بصدر رحب مهما كان داخلي ضيقاً .
كانت تُلفِته كل الأشياء الموجودة على جدار الفصل ، لا يُبالي بحديث المعلمة فيقطع حلقتها بسؤاله عن أشياء قد يصفها من حوله بأنها تافهة ، لكنها كانت الجوهر ، على الأقل بالنسبة له . كان يسأل عن سبب عبوس ملامح أحد الشخصيات الموجودة على اللوحة ، يتأمل كل شيء بطريقته التي تُزعج أصدقائه .. تلك الطريقة التي تجعل المعلمة في مأزق !
كل شيء جميل لديه في الحياة سببه ” ماين كرافت ” ، كل أمر يحدث له ، يُؤمن بأن لـ “ماين كرافت” يد في ذلك ! للحد الذي يجعله يؤمن بأن بداخله أكثر من قلب ، تماماً كلعبة ” ماين كرافت ” !
قال ذات يوم وما أكثر ما كان يقولها : ” أصلاً الزومبيز اللي يشفيني ” الأمر الذي جعلنا في صراع مع داخله ، فكنا نُعيد كل شيء لله ، كان يُعارض ، ينفي ، يحدق فيمن يمسّ ” ماين كرافت ” بسوء ! لكننا كنا نستمر بعونٍ من الله وفضل ، وبينما أنا مستمرة في غرس ما أتذكر فاضلتنا أستاذة أناهيد بما كانت تقوله لنا بأن دور المعلمة هي بناء عقيدة الطفل ، بأن تغرس البذور ، ويتكفل الله لها في المستقبل بالنماء .. رغم إيماني بأن الأمور العقدية تحتاج لوقتٍ طويل حتى تظهر نتيجتها ، لكن كأنّ شيئاً من يأس كان يُرافقني في كل مرة كنتُ أراه يتحدث على النحو السابق .
طَوى الله الأيام والأشهر القليلة جدًا ، حتى صارحتُ ولأول مرة صديقتي أمل ، أخبرتها بأنني أحببتُ مُحمد ! الطفل الذي لم أكن أتوقع بأنني سأميل له يوماً ! الطفل الذي يصعب ترويضه لمن يجهل مداخل شخصيته ، أحببته !
وفي أحد الحلقات العلمية ، كانت أمل تحدّث الأطفال عن دوران الأرض حول الشمس بشكل منتظم ، وعن دورانها حول نفسها ، الأطفال صامتون ، مُحمد جالس أمامي مباشرة ، مجاوراً لأمل ، قاطعها قائلاً : شوفي كيف سبحان الله يا معلمة ! لا شعورياً توافقتْ ردة فعلنا أنا وأمل ، نظرتْ كلتانا لبعض ، شعرنا بالامتنان لله كثيراً .. فلو كان أحداً آخر سبق محمد بذات القول لما تعجبنا ، لكن كل شيء من مُحمد كان – وما أقسى قول كان – مُختلفًا .. أعقبنا النظرة بابتسامة ملأت شدقينا ، وأكاد أجزم أن قلوبنا كانت في وضعية الحمد العميق جدًا .. كانت هذه الإشارة الأولى التي نتلقاها من مُحمد وإن لم أكن مخطئة بأنها المرة الأولى التي نسمع فيها كلمة ” الله ” منه ، وما أجمله حين نطقها .
وفي وقتٍ آخر ، أروى الله ظمأ قلبي بما تلذذ به سابقاً ، جائني مُحمد وهو يأكل طعامه قائلاً : “ معلمة إيناس تعرفي إنو الله يخليني آكل التفاح عشان أسير قوي ؟ ” ابتسمتُ هذه المرة بيني وبين نفسي ، وشعور الحمد يغمر كلّ خلاياي .
قبل أربعة أيام من الآن ، أخبرتنا والدته بأنهم سينتقلون من جدة ، نزل علينا الخبر كالصاعقة ! ، كان عسيراً علينا أن نتخيل أياماً وأسابيعاً .. أشهراً بلا مُحمد ، بلا ضحكة مُحمد ، بلا تساؤلته ، بلا كل جمال صادر منه .
يعتاد الإنسان أشياءَ كثيرة في حياته إذا تكررتْ ، إلا الفقد ، تظل مراراته ووجعه في القلب وكأنه المرة الأولى التي يعيشها ، فياربّ القلوب وطبيبها ، احفظ مُحمد”نا” بحفظك ، وعرّفه بك حتى لا يرجو سواك ، وانبته نباتاً حسناً ، واجعله قرّة عين لأهله ، لأمّته .
