♪ ♫
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

ولمّا أفتيتُ قلبي ، ليفتيني ، بشأن ما الذي ينبغي أن نكون عليه في حياتنا ؟ استحضر قلبي هذه الآية فأفتاني بما فتح الله عليه . قال الذي علمنا مالم نكن نعلم ، في سورة آل عمران : ( مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ ) .
وقد ذكر الطبري في تفسيره لمعنى ( وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ ) :
حدثني يونس بن عبد الأعلى قال : أخبرنا ابن وهب قال : سمعت ابن زيد يقول في قوله : “ كونوا ربانيين ” قال : الربانيون : الذين يربون الناس ، ولاة هذا الأمر ، يربونهم : يلونهم . وقرأ : ( لولا ينهاهم الربانيون والأحبار ) [ سورة المائدة : 63 ] ، قال : الربانيون : الولاة ، والأحبار العلماء .
ف “ الربانيون ” إذاً ، هم عماد الناس في الفقه والعلم وأمور الدين والدنيا . ولذلك قال مجاهد : ” وهم فوق الأحبار ” لأن ” الأحبار ” هم العلماء ، و ” الرباني ” الجامع إلى العلم والفقه ، البصر بالسياسة والتدبير والقيام بأمور الرعية ، وما يصلحهم في دنياهم ودينهم .
ما أكثر ما مررتُ على هذه الآية ، لكن لم تستوقفني كلمة ” ربّانيين ” ، كنتُ أظن بأنه من اليسير أن يكون المرء ربّاني ، لكن مع التي قد آتاها الله من العلم وفقهها في الدين ، أستاذة أناهيد ، بدا الأمر مُختلفاً ، ليس كما كنتُ أظن ، وتظنون .
رغم أنها لم تتطرق لهذه الآية ، لكن هذه الآية كانت تُصاحب كل أمر كانت تتحدث به ، تقلّبنا خلال الأسبوعين الماضيين بين ثلاثة أسئلة قصيرة جداً ، يتطلب فَهمها العُمر كله ، ( من ربّك ؟ ما دينك ؟ من نبيك ؟ ) أدركتُ بعد سبر أغوار القصيرات هذه ، أن إجابتنا على أي سؤال يُعرض علينا ، لا يعني بالضرورة فَهمنا الصحيح لما سُئلنا عنه ! قد أُجيبك بما أنت تريده ، لأني أعلم بأنك علمتني أن هذه هي الإجابة لهذا السؤال ، لكنك لا تعلم بأني لم أعلم بعد من هو هذا الذي قد لقّنتني بأنه ربي أو رسولي ؟ ماذا يعني أن تخبرني أن الله ربي ؟ وما الذي يعنيني بأن الله الذي هو ربي أرسل رسوله ؟
من بين ماتطرقت له ، بناء عقيدة الطفل في الرُسل ، وأهمية إيصال المفردات القرآنية بحسب استيعاب الطفل ، ومثاله : إخباره بأن الفُلك هي السفينة ، جرّبت هذا مع أطفالي ، حين اخترت أبو بكر الصديق مثالاً لخير الصُحبة ، كتبت الأحاديث في ورقة ، وضعتها بجانبي في فترة الحلقة ، تحدثنا عن أبو بكر رضي الله عنه ، وحين وجود حوار أو قول ، كنتُ أُراجع النص كما هو في الحديث وأخبرهم به ، فوالله ما رأيتُ ملامح أطفالي مُنصتة كما رأيتها في تلك اللحظة ، أيقنتُ أن للنصّ القرآني أو الحديث النبوي ، هَيبة في قلوب الصغار قبل الكبار .
أتذكر حين عرجنا على قصة أبو بكر رضي الله عنه أثناء توجهه هو والرسول صلى الله عليه وسلم إلى غار ثور ، كان أبو بكر يمشي على يمين الرسول ساعة ، وساعة خلفه ، وبين يديه تارة أخرى ، لماذا فعل ذلك أبو بكر الصديق ؟ ثم فطن الرسول لذلك فقال له : “يا أبا بكر لو شيء أحببتَ أن يكون بكَ دوني ؟ ” توقفتُ وسألتهم ماذا يقصد الرسول بقوله هذا ؟ وهكذا في كل نصّ كنا نمرّ عليه ، يُذكر كما هو ، ثم نتوقع معناه سوياً .
أختم التدوينة ، بحديثي عن أن يشعر الإنسان أنه غنياً ، غنياً رغم فقره في كثيرِ من جوانب حياته ، من أسباب أن تشعر بالغنى أن يكون في مكتبتك كتباً على غِرار : رشّ البَرد في شرح الأدب المُفرد . ذلك الكتاب الذي أرشدتنا إليه أستاذة أناهيد ، الكتاب الذي مجرد النظر إليه يُشعرك أنك تُمسك بكنزِ من كنوز الدنيا المتصل بالآخرة ، موضحةً لنا بأن كثيراً من المشكلات السلوكية الصغيرة جداً ، التي قد نصفها نحن المعلمات بأنها ” أول مرة نسمع فيها ” ! فإن علاجها في السنة التي هجرناها طوعاً ، بغفلتنا ، والتفاتنا إلى الدّون من الكتب التربوية التي هي في منأى من النهج المحمدي .
وأخبرتنا حين يكون لديك نصّ لكل تصرف يقوم به الطفل ، فتخبره بالزاد الذي لديك ، في الموقف الذي هو بحاجة لتذكيره ليس بأن ما يفعله من تصرف هو مخالف لقانون الروضة ، لكنه مُخالف لما أخبرنا به الرسول صلى الله عليه وسلم . وقد جرّبت هذا مع ابن أختي حين كثر ضربه لأخته الصغيرة ، فكرت أن يجيئ توجيهي له بحديث مُطابق لتصرفه ، قلت له :” يوسف ، من هو نبيك ؟ ” أجابني : ” الرسول صلى الله عليه وسلم ” فقلت : ” تعرف إنو الرسول صلى الله عليه وسلم قال : “ المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ” . وصمتُ ،حتى قال : ” إيش يعني ؟ ” شرحتُ له بلغة بسيطة يفهمها معنى أن يسلم الآخرون من إيذائك اللفظي أو القلبي ، حتى أخته التي كانت شديدة الحزن لأنها ” مظلومة ” كانت تستمع إلي باندهاش وصمت رهيبين .
يارب منحتني عينين ولسانا وشفتين اهدني ألاّ تنشغل هذه الجوارح بغيرك عنك
يارب وأنت الكبير في عليائك وأنا الهباءة في كونك فكن أنت الصاحب في سفر الحياةد. سلمان العودة
