الرئيسية قِنديلُ الحِكمَة الرجل الذي ماتَ واقفاً !

الرجل الذي ماتَ واقفاً !

بواسطة إيناس مليباري

السّــلام عليكم ورحمة الله وبركاته

قد قال في صِباه بعد أن عُجن صغيراً :

” لقد تعلّمتُ باكراً أنّ الحقّ لا يُعطى لمن يسكت عنْه ، وأنّ على المرْء أن يُحدث بعضَ الضّجيج إن أراد أنْ يحصلَ على شيء ” .

هُو من تعلّم هذا المبدأ ولم يَعشه إلا متأخراً ! .. مالكوم اكس ، وعنك سنتحدث !


منذ طفولته كان غذاؤه على يد والده هو أن عليه أن يكون جبّاراً ضد الجنس الأبيض وكانت والدته هي الأُخرى تعجنُ روحه بما كان لا يفقهه ، كأن تقول له : “اخرج إلى الشمس ودعها تمسح عنك هذا الشحوب” ! حيثُ أنه كان ذا سواد فاتح ! . قُتل أبوه وهو في السادسة من عُمره . أدركَ مالكوم معنى ” المُعاناة ” حيثُ ترمّلت والدته واضطرت لأن تعمل خادمة في البيوت ، وتوقف بعض إخوانه عن الدراسة لمُساعدتها ! بينما اقتصر دوره على إحداث ” الشغب ” في المنزل تعبيراً عن امتعاضِه لما يحصل ! كان يُدرك جيداً بأنه ” يزيد الطين بلّة ” لكنّه الخلاص الوحيد ليُشاركهم المُعاناة ! .و بلغتْ المعاناة أوجَها حين أُصيبت أمه بمرض عقلي وأُودعت بالمستشفى فتفرّق الأبناء بين أُسرٍ مختلفة وبدأت لكل منهم حياته الخاصّة .


نشأ مالكوم اكس في صباه كأي شابٍ لا ينوي لفعل شيء سوى  الحصول على قوت يومه !  ، ومارس شتّى أنواع الأشياء فيما يُطلق عليها بـ ” مُمارسات الانحراف ” ! جرّب حياة التسكّع ، أن يسْكَر ، أن يعتاد الذّهاب للمرقص ، أن يلْكُم ويعيش حياة العُنف ، أن يُقامر ويُدمن المخدّرات . . أن يكون ماسح أحذية وبائع في القطار .. أن يكونَ أشياء كثيرة إلا ” هو ” !!

في حياة مالكوم اكس حدثان مفصليان ، كان دخوله للسجن بسبب أحد أعماله الحدث الأوّل حيث راسله أخوه بأن : ” لا يأكل لحم الخنزير ولا يُدخن ” امتثل مالكوم بنصح أخيه مع جهله للسبب ومع ارتياده للزيارة أخبره بأنه اهتدى للدين الطبيعي للرجل الأسود وأن هناك حركة ” أمة الإسلام ” وعليه أن ينضمّ فيها حيث أن الذي يترأسها هو من خيرة الخلق وهو : ” إليجا محمد ” .. وجد مالكوم في نفسه شيئاً يُحدّثه بأن يتّبع ما يمليه عليه أخوه و ” قلبه ” ، فأصبح ينكبّ على قراءة الكتب من مكتبة السجن ، وهو الذي قال يوماً :

” حدثني كاتب انجليزي وسألني : عن الجامعة التي تخرجتُ منها فقلتُ له : ( الكتب ) ، ذلك أنني ما أن أجدُ عندي رُبع ساعة من الوقت الشاغر حتى أملأه بقراءة شيء أنفعُ به الإنسان الأسود ” .

كان يُكثر من قراءة تاريخ الرجل الأسود والفلاسفة السود ، وفي كل يوم يزاد عُمقه وإيمانه بأن ما يقوله أخوه عن ” إليجا محمد ” صحيح وبأن الرجل الأبيض ” شيطان ” وبأن الرجل الأسود في أمريكا يعيش أصمّ أبكم مهضوم الحقوق ! ، في عام 1952م خرج مالكوم من السجن والتقى أخيراً بزعيم حركة ” أمة الإسلام ” .. ” إليجا محمد ” وأصبح هذا الأخير يحقنُ روح مالكوم بالمبادئ الإسلامية الخاصة بالسود . حتى أصبح ” إليجا محمد ” لمالكوم أقرب إليه من حبل الوريد ! شارك وساهم وأشرف مالكوم على العديد من الأعمال الخيرية مع ” إليجا محمد ” حيث بنى الكثير من المساجد وألقى الكثير من الخُطب .. حتى قرر أن يعود لذلك الشارع الذي مارس فيه كل الأعمال غير المشروُعة وأصبح يدعو السود لدينهم الفطري . استمرّ على هذا الحال 12 سنة حتى قدّر الله له أن يهتدي حقاً .

كان قراره للذهاب لأداء فريضة الحج هو الحدث المفصلي الثاني في حياته حيث اهتدى الهداية الحقّة للدين الإسلامي ، تعجّب مالكوم بداية كيف أن في مدينة ” جدة ” يضحك ” الشيطان ” للرجل الأسود بكل أريحية ! كيف يُصافحه ، كيف تتم المُعاملات بين المُسلمين بكل بساطة ! أدرك في قرارة نفسه أن ثمّة شيء مهمّ لا يُدركه .. ! وقد سعى لأن يحصل عليه . التقى مالكوم أثناء هذه الرحلة بالعديد من الشخصيات المهمة من أهمها : الملك فيصل وقد احتفى به أيّما احتفاء . تعلّم مالكوم في الحجّ معنى المساواة معنى أن يتساوى ذا المال والفارغ من كل شيء ، أدرك كيف تكون إنساناً لا أن تكون طِبقاً للونك ! تعلّم أن الدين الإسلامي دين الإنسان لا دين اللون والعُنصرية ! .. حدث أن قال :

” وهُناك .. أمام تلك النافذة عاهدتُ الله ألاّ أنســى أن الإسلاَم هُو الذي أعطاني الأجنِحة التي أُحلّق بها ولمْ أنسى ذلك أبداً .. لمْ أنسهُ لحظة واحدة ” .


في الحج غيّر مالكوم اسمه إلى ” الحاج مالك شباز” . خرج هذا الحاج من خلال زياراته المختلفة منها : جدة ، مكة ،القاهرة ، خرج بمبدأ جديد وهو : إدانه كل البيض = إدانة كل السود . وقد قال بهذا الشأن بعد ذلك :

” نعم كُنتُ أُدين البِيض بشدة ولكنني اكتشفتُ الآن أن هناك بيضاً قادرين على أنْ يكنّوا للإنسان الأسود مشاعر أُخوّة صادقة . ولقد فتح الإسلام الصّحيح عيني على أنّ إدانة كل البيض كإدانة كل السود شيء خاطئ ” .

حدث أن ناداه أحدهم وهو في السيّارة أثناء توّقفه عند الإشارة قائلاً : ” يا سيد مالكوم اكس ! ” والتفتَ فأخرجَ يده من النافذة ومدّها لمالكوم وهو يقول : ” هل يُضيرك أن تُصافح رجلاً أبيض ؟ ” فأجابه وضوء الإشارة قد اخضرّ : ” لا يُضيرني أن أُصافح أيّ رجل إذا كان إنساناً .. فهل أنت إنسان ؟ ! ” .

عاد إلى أمريكا بعد الحج حيث أصبح يُنادي بدين جديد ” الإسلام اللا عُنصري ” وبناء على هذا أصبحتْ علاقته متوترة جداً مع العديد من الجهات ، أصبحتْ الخلافات بينه وبين ” أمة الإسلام ” في ازدياد ، الصُحف تتهمّه بالمحرّض للعُنف ! ما يستحق الذكر هو أنّه قبل ذهابه إلى مكة لأداء الحجّ هيأ الله له الأسباب بالتدريج لأن يصل إلى الحقيقة فقد اكتشف بأن الإنسان الذي أعدّه ” رسول الله ” والذي وهبه كل ثقته ” إليجا محمد ” قد خبأ عليه بأن له علاقة غير شرعية مع 3 من موظفاته !! الأمر الذي جعل مالكوم يعيش في حالة فزع ورفض و .. أخيراً انفصال عن ” رسوله ” المزعوم ! بيد أنه لا يزال حافظاً للودّ له شاكراً له حيث يعدّه أول من انتشله من بِرَك الوحل ليُعيد تهيأته للعيش مُجدداً. قرر مالكوم تأسيس ” منظمة الاتحاد الافريقي الأمريكي ” حيث أن أفكار هذه المنظمة تُنافي أفكار حركة ” أمة الإسلام ” .. حدثت في هذه الفترة أحداث كثيرة ، من أبرزها هو تنبؤه بدنوّ أجله بعد كثرة تهديده بقتله ، حيث أنه أخبر ” اليكس هاليي ” وهو الذي تكفل بكتابة سيرة مالكوم اكس حيث كان يأتيه يومياً ويتحدث مالكوم .. بينما يأخذ اليكس مذكرته ويكتب ما يسمع ، أخبره بأنه يودّ الإطّلاع على ما يُكتب بعد انتهاء أي فصل من فصول هذا الكتاب .. أخبره اليكس بأن ينتظر لحين انتهاءه فكان جواب مالكوم هو أنه سيموت قبل أن ينتهي الكتاب ! وكان هذا ماحدث حيث أنه وبعد اجتماع حشدٍ من الناس في أحد محاضراته .. وفي بداية اجتماعه شاهد شغباً بين رجلين في الخلف ، أثناء انشغاله بهما اُغتيل بـ 16 طلقة الرصاص من أُناس مجهولو الهويّة يجلسون بالمقدمّة ! .. رحمك الله يا عظيماً أنفعتَ بكَ الأمّة : “(

أماكنْ أحيَته :

malcolm-x

فيديو : مالكوم اكس عن قُرب

من الأشياء الجميلة التي تفوّه بها :

” إن مُنجزات المرء تُغطّي على ضعفه البشري المُرتبط بحياته الشخصية ” .

” إذا كان الإنسان مع الله كان الله معه ، وأرسل له عند الحاجة علامات عَلى ذلك ” .

” إن الحقيقة تصلُ إلى قُلوب العُصاة إذا عرفوا واعترفوا بأنّهم عُصاة .. معنى ذلك أن السبيل الوحيدَ إلى الحقيقة هُو الاعتراف بالذنب ” .

زاوية ،-

قراءة سيرة هذا العظيم أرهقتني كثيراً “”( ، أحتاج لتدوينة أخرى لكتابة أشياء أخرى عنه ! ..  وشُكراً عُبيد : )

* للأمانة ، العنوان مقتبس من موقع صيد الفوائد

* هذه التدوينة نتاج لقراءة كتاب :ملكوم اكس – اليكس هاليي

You may also like

12 تعليقات

Hala 20 مايو 2011 - 6:55 ص

اتذكر إعجابي بالكتاب بعد قراءته
مدونه جميله كصاحبتها

Reply
متطوعة 20 مايو 2011 - 10:11 ص

مالكوم إكس قرأت سيرته قبل أشهر .. لم يكن مالكم شخصاً عاديا ولم يكن الكتاب كتاب عادياً

حياتي تأثرت كثيراً بعد قراءت سيرة مالكوم أصبح قدوة من قدواتي يا إيناس ,, تعلمت معاني كثيرة

في الحياة الكرامة, الدفاع عن الحق, قوة المسلم, الحرية …إلخ

شكراً عزيزتي إيناس على التقديم الرائع لسيرة رجل عظيم يجهله كثير من شبابنا المسلم وللأسف 🙁

Reply
متطوعة 20 مايو 2011 - 10:13 ص

شكراً أيضاً للتو شعرت بفقدان الكتاب سأبحث عنه ليطمئن قلبي :”)

Reply
بيـــان ،، 20 مايو 2011 - 11:50 ص

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ..
شكرًا نوسا على تعريفنا بهذهـ الشخصية العظيمة ..
فعلًا سيرتهُ مميزة ومحفوفة بشتى الصعوبات زدتني شوقًا ورغبة لقراءة هذه السيرة ..
زادك الله من فضــله ياحبيبة ونفع بك ..

Reply
hasan 20 مايو 2011 - 3:28 م

وعليكي السلام

بصراحه ما كنت اعرفه وهذا مصداق لقول الاخت (متطوعة)

“إذا كان الإنسان مع الله كان الله معه ، وأرسل له عند الحاجة علامات عَلى ذلك ”

ما اجمل ماقال وصدق نسأل الله من فضله ,

شكراً أيناااس.

Reply
pen seldom 21 مايو 2011 - 4:22 م

مساء الخير ..

” لقد تعلّمتُ باكراً أنّ الحقّ لا يُعطى لمن يسكت عنْه ، وأنّ على المرْء أن يُحدث بعضَ الضّجيج إن أراد أنْ يحصلَ على شيء ” .

أعجبتني جداً ..
ورغم كرهي لمعنى الضجيج .. إلا أن هذه السطور جعلت للضجيج بعداً آخر جعلني أحبه ..

.
.

لم أسمع عن هذا الشخص من قبل ..
أحببت الكثير من الوقفات هاهنا ..
كثر هم من نجهل سيرتهم , كثر من يستحقوا أن يعرفهم الخلق أجمع ..

شكراً لكِ على الإفادة ..

وتقبلي مروري الأول ..

باقة من الورد لأجلكِ

=)

Reply
إينـاس مليبـاري 22 مايو 2011 - 1:22 ص

أ. هـــلا ؛
شخصية تستحق أن نتحدث عنها كثيراً !
حضورك يُسعدني أستاذتي ” حبيبة قلبي ” <3

مهاوي ؛
صدقتِ وربك ، اجتمع فيه ما تفرّق في غيره ـ
هو نموذج صالح لأن نُدرك كيف أن الأشياء السيئة ..
بالغة السوء حتّى .. لا يستحيل أن تُصبح جميلة في يومٍ ما !
ابحثي .. فهو يستحق !

بنّـو ؛
العُظماء يهبوننا أحاسيس جميلة وأُخرى .. على نقيضها !
ابراز الجمال يزيد من جمال ما نشعرُ به : ")
أتمنى بحق أن تُثري خلاياكِ به يا صديقتي : ")

حســن ؛
وأنا كنتُ أيضاً ن الفئة المذكورة لدى ( متطوعة ) !
لا ضير في ألاّ نعرف ، لكن الجهل كلّ الجهل أن نعرف ولا نطبّق
أو يزيد ادراكنا على الأقل : )

pen seldom ؛
طابتْ أوقاتكِ بما يتلذذُ به قلبكِ ي جميلة : )
سعيدة بعزفكِ الهادئ جداً ، ومرحباً بكِ
أنّى شئتٍ ياعزيزة ()

Reply
احلام 22 مايو 2011 - 4:26 ص

السلام عليكم عزيزتي ايناس اعجبتني تدونتك واختيار راقي ومتميز لشخصيه متميزه انا لم اقرأ من قبل عن مالكوم اكس ولكن اذكر جيدا اني شاهدت الفيلم الاميركي اللذي يحكي سيرته وادى دور البطوله فيه الممثل دينزل واشنطن واخراج المخرج سبايك لي الفيلم رائع ومشوق جدا هل تعلمين عزيزتي انه الفيلم الروائي الوحيد اللذي سمح له بالتصوير في مكه حيث انه وكما قرات ارسل المخرج بطاقم مسلما بالكامل للتصوير في مكه ها ذي بعض معلوماتي اضيفها لكم واللي ماشاف الفيلم يشوفه ودومتي

Reply
إيمان 23 مايو 2011 - 9:50 م

سبحان الله!
بالأمس استمعت عبر “المذياع” لمحلل سياسي كان يحلل خطابات أوباما…وأخذ يقول أنه يرى شبهاً كبيرا بين “أوباما” ومالكوم اكس” وكأن الأول متأثر جدا بمالكوم!
فأخذت أتسائل من يكون هذا ال-مالكوم- … سعيدة جداً إذ وجدت اجابةً سريعة شافية هنآ…
شكرآ بحجم السماء لروعة تدويناتك إيناس
^_^
“ألن تزوري مدونتي ؟^_*

https://sahebtalklam.wordpress.com

Reply
إينـاس مليبـاري 26 مايو 2011 - 11:59 ص

أحلام ؛
وعليكم السّلام ورحمة الله وبركاته
واااااو !!
شوقتِني للمُشاهدة ، يبدو أنه مُمتع و .. جداً !
شُكراً لإضافتكِ المشوقة هذه : )

إيمان ؛
يا صاحبة القلم ، عُذراً للقصور
وستجدينا هُناك : “”)
وعن المالكوم فـ سعيدة كثيراً :”””)

Reply
ايمان 7 ديسمبر 2011 - 8:51 م

شخصيه رائعه.. ف الحقيقه كل انسان يستطيع فعل ذلك بل وأكثر.. كل ما نحتاجه هو الاراده والعزيمة والاصرار لقول وفعل الحق.. للوصول للإنجاز.. شوقتني لمشاهدة الفلم الوثائقي فديتج

Reply
إينـاس مليبـاري 8 ديسمبر 2011 - 3:36 ص

صدقتي موني :”)
ربي يرزقنا علو الهمة والصدق في العمل <3
يسعدني حضورك دائماً :*

Reply

اترك تعليقا