أرشيف تصنيف ‘إينَـاسِّيات‘

ما يُحسن..

11 نوفمبر 2015

 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

hand

فلمّا يُكرمك المُحسن إياه، ويدلّك عليه، تجد في نفسكَ شيئًا لم تكنهُ من قبل، تجد فيك إنسانًا لم تتوقع أنه يسكنك! لكنه كان ينتظر منك التفاته، التفاته واحدة فقط، مقابل معنى جديد تعيشه، فلما تعيش هذا المعنى، وأنت الذي لمْ تكن له باحثًا، لكن لما أتاكَ، بعد التفاتتكَ الأولى له، تُدرك كم كنتَ بحاجة له، ستكتشفْ بأنّ الجزء المفقود منك، عاد إليك بعدما عشته.

ما قيمتك؟ لم يُحيّر هذا السؤال علي بن أبي طالب رضي الله عنه، جاءت إجابته، موجزة، وواضحة، وقابلة للتطبيق والتجربة!

قِيمة كلّ امرِئ ما يُحسن

كيف تكون قيمة كل امرئ ما يُحسن؟ أنتْ لما تُحسن أمرًا ما، إحسانك فيه، يقودك لأن تستمرّ فيه، واستمرارك فيما تُحسنه، مهما كان ما تُحسنه ضئيلاً بنظرك، استمرارك وثباتك في ألا يذهب عنك بعيدًا، استمرارك يعني زيادة إحسانك إحسان، كل هذا ينفع على الأقل شخصًا واحدًا! قد يكون هذا الذي انتفع من استمرارك في الذي تُحسنه، من سيصلح أمورًا كثيرة، مِن حولك، عجزتَ أنت لأن تجدَ لها مخرجًا، حينها تُدرك بأنه (كلٌ مُيسّر لما خُلق له) خلقك الله، لتكتشف في نفسك، فيما تُحسنه، ولما تعرفه، تتقرب إلى الذي وهبك، زُلفى، دون أن تشعر بأنك تقترب، فجأة- ولا شيء يحدث فجأة لكننا لا نلتقط الرسائل!- من الله، يحدث كل هذا لما يكون سيرك من الأساس، لِما تُحسنه، على النحو الصحيح، كما يحبّ ربنا ويرضى، والله وتالله وبالله، يُدهشك المولى، بما كان في أيام طفولتك، حُلما تحكيه لأصدقائك، ولما كبرتَ أصبح خيال، ولما نضجتَ، وصدقتَ في السير لما تُحسن، يُصيّره الله واقعًا.

وبعد أن صار واقعًا، يُريكَ الله من نفسكَ  بفضلهِ- ما تُحبّ، يشدّ من أزرك بالذي تُحسنه؛ لأنك لن تُحسن أي أمر مهما صغُر، إلا لما تسعى لأن تتعلمه! الله يجعل نفسك تميل لهذا الأمر، ويترك لك القرار في السير نحو ميلك، حتى يصير شغفًا، وقضية تُدافع عنها وتحيا من خلالها، أو أن تتجاهل الميل الذي فطرك الله به!

طريقك الذي تتعلّم فيه ما تُحسن، ليس باليسير، ولا بالمستحيل، الصادق، يجدُ متعة في شقّ طريقه بنفسه، يأخذ من الناس، ما يعينه على إكمال سيره، ويتجاوز كل كلمة قد تجعله يكفّ عن المسير.

الله لما فطر قلبي للكتابة، لم يُملّكني كل ما أحتاجه، كنت أسير لأفهم ما أشعر به تجاه الكلمات، والنصوص التي لا يستطيع فؤادي تجاوزها، ولما فطنتُ للأمر، كانت تلك البداية.. البداية لتعبيد طريق جديد، لم أعلم منه إلا رسمه! وبعد “علميات حفر” طويلة، في الأشياء من حولي، ملّكني الله التعبير! وكان فيه بلائي ونعمتي، شكر وصبر ياربّ. لما تجد من حولك أشياء، وقلبك لا يكفّ أن يحدثك عن تفاصيل التفاصيل، وأنت في حياتكَ لاهٍ، مُنشغل، ونسيت الذي وجدتَ فيه نعمتكَ وبلاءك، هو نعمة، لأنّ الله ملّكك إياه دون أن تسأله؛ لعلمه بحاجة فؤادك له قبل أن تنضج، لكن لما تنضج، تشعر بأن كائنًا فيك، استيقظ فجأة! وهو بلاء؛ لأنه عليك إخراج زكاته، زكاة ما تُحسنه، نفع الناس به.

لا أجيد الكتابة عن الأمور السياسية، لا أجيد الخوض في الأمور الاقتصادية، لكنّه مكنني بفضلهِ وكرمه، في جوانب أخرى، تُصلح أجزاء أخرى، وفي هذا تعلمتُ درسًا مهمًا: حتى ما يُحسنه المرء، يجد في الأمر عينه، أجزاء هنا وهُناك، لا يجيدها، لكن يكفيكَ من البستان، بذرة، تُحسن اعتناءك بها، خيرًا من جمع البذور، فتسقط واحدة تلو الأخرى.

في مثل هذا اليوم في العام الماضي، كتبتُ: “الحمد لله القابض  على عدم تيسيره لي أن أكون من حجاجه”، وفي هذا العام، أقول: ” الحمد لله الحكيم، الباسط، الرؤوف، العليم، الخبير، أن يسّر لي حجّة جَعلها الله مبرورة”  الحمدُ لله الذي أتمّ على مدونتي ستةِ أعوام، يارب اغفر قصور الكلمات، وخطئها وزللها. ربّ أدخلنا مدخل صدق وأخرجنا مُخرج صدق واجعل لنا من لدنك سلطانًا نصيرًا.

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات

11.11.2015

Share

… ثمّ أتى الحجّ/5

30 سبتمبر 2015


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

pray

أتَدري لو كنت تُشيّد بناءً ضخمًا، تعبتَ في إعداده، وقبيل انتهاءك، اكتشفتْ وجود فتحة صغيرة، أنت بحاجة لشيء يسد تلك الفتحة؛ حتى يُصبح بناءك، مؤهل للسكن، البناء بناءك، بإمكان تركه فارغًا، لكنه بالكاد، لن يصمد طويلًا، أنتَ تعرف بأنه لن يتحمل جفاف السنين، لذا فإنك ستبحث عن قطعة، لكن أيّ قطعة تلك التي تلاءم نوعية تلك الفجوة؟ هل ستختار لبناءك الرديء؟ أم أجود الأنواع، وأفضلها؟ كما قلتْ، البناء بناءك، ولا مستفيد سواك!

حسنًا، قد تختار قطعة جيدة إلى حدٍ ما، لمّا قررت وضعها، أنت تعلم أنه كان بإمكانك إحضار الأفضل منها، لكنك تساهلتْ وتكاسلتْ، وسرتَ على قاعدة: ” الجود من الموجود”! لن تكتشف سوءة فعلتكْ، إلا لما يُريك الله أبنية من حولك، ممن اختاروا لسدّ تلك الفجوة، قطع، ليست بنادرة، لكن تطلّب الحصول عليها، ثمنًا غاليًا!

إبراهيم عليه السلام، لمّا كدّ في بناء البيت العتيق، هو وابنه إسماعيل، عليهما السلام، لم يُهمل ذلك المكان الفارغ، كان يحتاج لحجارة واحدة فقط، حتى يقول بأن مهمته انتهت، ما الذي حدث؟ نفدت الحجارة من حولهما! ولما لم يجد إسماعيل عليه السلام قطعة واحدة فقط، أنزل الله إليهما (الحجر الأسود) والذي هو من الجنة، آخر حجر في بناءك، هو الأهم على الإطلاق، هو من سيحدد لك، بعد الله، مدى صمود بناءك من أهليته للسقوط! آخر الأمور دائمًا أهمّ من أولّها أو أوسطها، قد تبدأ بداية ركيكة، وتسير بناء على بدايتك، في ضلالة، لكن المهم عاقبة الأمر ونهايته، لذلك يقول تعالى (وللآخرةُ خيرٌ لك من الأولى) الله يخبرني ويُخبرك بأنّ نهاية الأمور، دائمًا خير لنا من بدايتها. وعلى النقيض، قد يبدأ الإنسان بداية سليمة، ثم يضلّ الطريق! يارب ادخلنا مدخل صدق واخرجنا مخرج صدق، واجعل لنا من لدنك سلطانًا نصيرًا.

لم يكنْ عبثًا، أن جعل الله الحجّ، الركن الخامس، الركن الأخير من أركان قلبك، الركن الذي استهان الكثير في كونه الأخير! اعتدنا على الانشغال في البداية، بداية الأمور، وفي النهاية، تفتر العزائم، وتتراخى الهِمم، لذلك قيل: ” من بدأ بالمكارم، فليتمّها“، تمام أركان قلبك، حتى الخامس منها والأخير، هو تمام لإيمان قلبك ولتقواه.

الحجّ لقلبك، بمثابة الحجر الأسود، للكعبة! يثبّتك، يقويّك، يشدّ من أزر فؤادك، لن تشعر بأنك بحاجة إليه، إلا لما يُكرمك الله به، لما يُكرمك وتُكمل آخر فرائضك، الحجّ يهبك شعور بأنّ قطعة من الجنة، قد وهبها الله، لقلبك، قطعة بيضاء، كما كان الحجر الأسود، أول ما أنزله جبريل عليه السلام، احرص على نقاء حجتّك في قلبك بيضاء، نقيّة! لا تلوّثها بعودتك لخطاياك! الآن في قلبك، قطعة ثمينة، ثمينة جدًا، غيركَ حصل عليها، ومع مرور السنين، ذهب بريقها، وباتت سوداء، انطفأ وهجها، فلم تعد تؤدي دورها ولا وظيفتها! حتى هؤلاء، يمنحهم الله معاودة قصدهم لبيت؛ حتى تستردّ تلك القطعة، بياضها.

قبل الحجّ، يشغلك الشوق، أثناء الحجّ، تشغلك أمورًا تعيشها، يشغلك الزحام، والحرّ الشديد، يشغلك ألا تتجاوز اللاءات الثلاث! لا رفث ولا فسوق ولا جدال! وبعد الحجّ يشغلك القبول وبقاء الأثر!

ماذا بعد الحجّ؟ هذا السؤال الذي لا ينبغي أن يغيب عن البال! حتى لو لم تكن تملك خطّة واضحة للتغيير، انوِ التغيير أولًا، ثم خذ أول خطوة، حتى لو لم تكن تملك البديل المناسب!

يقول د. أحمد خيري العُمري في كتابه، طوفان محمد، معلقًا على حادثة رؤيا إبراهيم عليه السلام:

من بين كلّ الابتلاءات والاختبارات التي مرّ بها الرسل والأنبياء، فإن القرآن الكريم، لم يصف أي منها، بكونها (البلاء المبين)!

الله لا يريد منك أن تذبح ابنك، كما لا يطلب منك أن تذبح أحدًا، الفكرة أن تكون مستعدًا للتضحية بكلّ شيء، أن تكون مستعدًا للتنازل عن كلّ ما بَنيته، وتعلقت به، حتى لو لم يكن فيه مخالفة لشرع الله! لكن أن تكون مستعدًا للتضحية به، رغم ذلك، من أجل أن تنتصر قضيتك.

في الحجّ تأتيك تلك اللحظة، تأتيك حياتك كلها، إنجازاتك، حسناتك وسيئاتك، البلاء المبين هو كلّ غالٍ عليك، عليك أن تضعه على المذبح، والسكين بيدك، عليك أن تكون مستعدًا لأن تفعل ذلك.

عليك أن تكون مستعدًا لتقبّل حقيقة أن: الجوهر في إسلامك، في أن تكون مسلمًا، هو تلك اللحظة، التي ترضخ فيها لهذا، عندما تكون مستعدًا للتضحية بكلّ شيء.

كُن مستعدًا، بعد أن يمنحك الله القطعة البيضاء في قلبك، أن تُضحّي بكل ثمين، قد يكون ثمن الحفاظ على لمعان تلك القطعة، أن تضحي بروتينك اليومي، أو بأن تستبدل رفقتك!

في الحجّ، كلّ شيء مُلهم، كلّ شيء، يحدث أمامك، ثق بأن حدوثه، لم يكنْ مُصادفة! لا شيء يحدث اسمه صُدفة! الله قدّر كلّ شيء بدقة، قدّر أن ترى تلك الحادثة، بينما أنت سائر في الطريق، ربمّا! لما توقن بأن الله يُوقع الأحداث، لك لا لغيرك، رغم أنك خارج عن الحادث أو الموقف، لكن قدرك أن تكون مُشاهِدًا، حينها، ترى الأشياء كلها بمنظار مختلف، وحينها، يلتمس قلبك أوّل أطراف، التقوى!

المهم أن تجعل كلّ ما تشعر به، من سوء، ومن خير، يُقربك من الله، زُلفى، هذا ما يريده الله لما قدّر لك رؤية تلك المواقف! قد نظن أحيانًا أن الله أرانا ذلك الموقف، حتى نحكيه لغيرنا! وينتهي دورنا! الله يريد أن يزيد إيمانك في كل موقف يمرّ به، ولن يحدث هذا إن لم تكن تعتقد أن كل أمور الدنيا، كبيرها وصغيرها، توصلنا للإيمان، توصلنا لله!

بالمناسبة، لم أخطط مسبقًا، أن تكون نهاية سلسلة الكتابة عن الحجّ، أن تكون التدوينة الخامسة! اختم بقول د. العمري:

لا يمكنك اكتشاف الإنسان الجديد الذي أصبحت عليه، وأنت في الحرم! لابد من أن تلتحق بالعالم؛ لكي تجرب الإنسان الجديد الذي يفترض أن يكون قد ولد بين جنبيك.

الحج يُقيم عليك الحُجّة: هذا العالم يجب أن تُنقذه، لو أردتَ النجاة!

من لا يشكر الناس، لا يشكر الله، شكرًا، لكل من سخّرها الله لتزيد في إيمان الفؤاد، قبل الحجّ، وأخصّ بالذكر: لينة، بيان، د.نجود، إلهام، تسنيم، مريم، الشيماء، نُهى، عفّت، يارب جازهم بالإحسانِ إحسانًا، وبالسيئاتِ عفوًا وغُفرانًا.

فائدة: الحبيبة عفّت، لم تحجّ بعد، لكن مُسانداتها، لم تكن كذلك! فِعلها علمني بأنه بإمكانك المساعدة حتى لو لم تكن تجرّب شيئًا ما.

ربّنا تقبّل منّا، إنّك أنتَ السميع العليم، ولكَ الحمدُ الذي بنعمته الصالحات

Share

… ثمّ أتى الحجّ/4

30 سبتمبر 2015


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

mina3

(12)

بين جمرَتي الصغرى والوسطى، وقفتُ أدعو، أجرى الله على لساني، أسماء أشخاص، لم أعدْ أتذكر وجودهم! انقطعتْ أخبارهم عنّي! دعوتُ لأطفالي الأربع والعشرون، ولكني طامعة بالمزيد، عددتُ منهم بأسمائهم، وصلتُ حتى الطفل العاشر، ولم أتذكر الباقي! ياربّ، تُطلق لساني لأناس اندثروا لسنين طويلة، والقريبون يا الله يندثر ذكرهم؟ أيقنتُ أن الدعاء، رزق! يعلّم الله قلبك، بأن مخططاتك وقائمة دعواتك الطويلة، لن تفيدك، ما لم تسأله أن يلهمك ويوفقك ويفتح لك بالدعاء، فياربّ هيئ لنا من يذكرنا، ويدعو لنا بخير.

(13)

اليوم، يرحل المتعجّلون، يرحلون عنّا، يعودون لأوطانهم، ولأولادهم، كان رحيلهم قاسٍ، تركوا فراغ كبير، موحش، مُقفر! وهذا حال العباد، راحلون إلى الله، يصطفيهم الله، فيرحلوا عن دنيانا، يتركون فراغًا في قلوبنا، كان وجودهم، يحشو هذا الفراغ، ورغم قساوة الرحيل، وازدياد مساحة الفراغ، إلا أن الحياة سائرة، بدونهم، رغم حبنا لهم! نمنا تلك الليلة، ليلة رحيلهم، كما نمنا بوجودهم، بيننا، تناولنا وجباتنا، ويبدو أننا نسينا وجع رحيلهم! هكذا خلق الله لنا الحياة، وهكذا سيّر قلوبنا! تستعجب من تقلبات مشاعرك للأمرِ الواحد، خلال يوم واحد أو ليلة واحدة فقط! يارب اجعلنا ممن تعجّل لرضاك، (وعجلتُ إليكَ ربّي لترضى).

(14)

في آخرِ أيام التشريق، أغلب الحجاج، تحرّكوا قبيل الظهر؛ لرمي الجمرات، كنّا هناك في تمام الساعة الثانية عشر، كان المنظر مهيب، مهيب بالفعل! أُمم من الناس، جالسة أمام الجمرة الصغرى! ينتظرون حلول وقت الزوال، ما الذي يمنع أحدهم من أن يرمي سبع حصيات، ويمضي؟! ياربّ كلهم مُمتثلون لشرعك، فياربّ ارضَ عنا وعنهم، كانت دقائق قصيرة، لكنهم، كانوا مستسلمين بحقّ! يارب نفعل كما أمرتنا! يارب ارزق قلوبنا الخشية، والصدق في القول والعمل.

(15)

بعد رمي الجمرات، بدأت طقوس الرحيل الموجعة، ترى نفسك تتأهب طوعًا للرحيل، ويشاركك التأهب، مَن حولك، كلّ من في مِنى، الكل مشغول، يتأكد من أنه لم ينسَ شيئًا؛ لأن العودة عسيرة! اليوم، قبل أن نرحل، نحزم حاجياتنا، لكن يوم أن يكتب الله لنا الرحيل الحقيقي، غيرنا سيحزم حقائبنا، سيتصرف بها أنّى شاء! يُكرِم الله المتأخرون بمشاهدة تفاصيل الرحيل؛ لتكون عبرة وعِظة! تُخلع أبواب المخيمات، تتزاحم الحافلات، حتى رجال الأمن، تراهم مشغولون بترتيب حاجياتهم؛ هذا يحمل فراشه، وآخر يبحث عن حذاءه الثاني، الكل مشغول، يذكرك انكباب كلّ واحد بنفسه، بحالنا يوم الحشر الأكبر! لن تكون متفرغًا لأن تحادث فلان أو تسأل عن حاله، أو حتى تغتابه! ياربّ اجعلنا من الذين ينشغلون مع عيوب أنفسهم، فيُسارعون بإصلاحها.

يتبع..

Share

… ثمّ أتى الحجّ/3

29 سبتمبر 2015


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

mina2

(7)

ولما عُدنا، بعد عناء الوصول، حزمتْ إحداهنّ حقائبها، وأخبرتنا بأنها مُغادِرة! تقول بأنها لا تُريد أن تكون حجتها الأولى، على هذا النحو من الضجر حول أشياء كثيرة في الحملة، ذهبتْ لمكانٍ آخر، لا نعلم ماهو، رحلتْ وقد علّمتنا درسًا لطيفًا، إن لم تكن راضٍ، فحاول الإصلاح، وإذا لم يتحسّن الوضع، ولم تستطع (مسك لسانك) فغادر، بصمت! أمل، كانتْ نموذجًا رائعًا، للرحيل الصامت، يارب اغفر ضجرنا الذي ما نشعر بقيمته، إلا لما نُرضعه لمن حولنا!

(8)

يوم النحر، يوم تنحَر فيه كل عاداتك السيئة، ومُعتقداتك الباطلة، استيقظنا على خبر حادثة الجمرات! وفيّات وإصابات! اتصالات ورسائل،نُطمئن من سأل، وداخلنا مُضطرب! يُجبرك الموقف أن تتخيل، لو كنت واحدًا من هؤلاء؟ ممن كتب الله لهم، أن يوم النحر، آخر أيام حياته، يا الله! كيف سأعوّض تقصيري في اليومين الماضيين؟! هل لو علم الذين ماتوا -رحمهم الله- أنهم سيلقون حتفهم في هذا اليوم، هل كانوا سيفرّطوا ثانية واحدة في عرفات؟ كما فعل الكثير! ياربّ اجعلنا ممن يذكروك في الرخاء قبل الشدّة.

(9)

تلقيتُ اتصالاً منها، تذكّرني بأن أحذر من الاحتفال بالعيد واحتساء الشاي وأن يُنسيني ذلك، ذكر الله، يوم النحر، عظيم عند الله، ومن يُعظّمه، فهو المحبّ له، حقًا. كلّ ذلك يسيرًا في القول، عسيرًا بعض الشيء، في التطبيق، يوم أن تجد كلّ من حولك، “يدردشون” وقد يطيلون الجلوس بالساعات، وأنت في ركنٍ قصيّ عنهم، تذكر ربّك في يومه العظيم. لما تلحّ على الله بشيء، ووافق إلحاحك، صدقك فيما تسأله، فإنه يُعينك، يؤخر أمورًا لك، من باب الإعانة، ويقدّم لك أخرى، إعانة لك أيضًا. الله في ذلك اليوم أخّر رمينا للجمرات؛ لحكم كثيرة، من بينها، حتى تفوتنا “حفلة الشاي”، معونة الله كانت في شعورنا بالإنهاك، والتماس من حولنا العذر لنا لعدم الإنضمام لهنّ، الله الكريم. لا يترك قلبًا صادقًا، إلا ويُخرجه مخرج صدق، كما أنه أدخله مدخل صدق.

(10)

ولما نوينا، أن نطوف طواف الإفاضة، تعسّرت علينا المواصلات، وعقب العسر، تسخيره لنا لحافلة، تقلّنا، استبشرتْ! والآن أقول: أنني اطمئننتُ (للخير) ولم أطمئن لله! فجأة، توقفت الحافلة، وقال سائقها، بأن الطريق نحو الحرم مغلق، عليكم بالنزول! وإكمال الطريق على أقدامكم، حتى تصل للبيت العتيق، تحتاج لساعة ونصف من المشي! كان ذلك يسيرًا لو كنت بمفردي، لكن أمي! ياربّ ركنتُ للخير، فمنعتني عنه، حتى لو كان الخير، يؤدي قلبي نحوك؟ قررنا العودة، حتى العودة كانت أشدّ عُسراً من سابقتها، أخذتْ الحافلة تدور وتدور، تجمع أناس، وتُنزِل آخرين! طافت بنا، كما رغبنا بأن نفعل! لكنه طواف تربية وتمحيص، عُدنا دون طواف إفاضة! قد تكدّ وتسعى في شيء ما، ويهيئ الله لك الأسباب؛ لأن تتمه، لا تفرح بالخير، ولكن احمد الله، واطمئن لجنبه، حتى لو منعك، فاطمئن له. في كلّ ما تسعى له، يترك الله جزءًا صغيرًا، يبتليك به، يبتليك بإنجازاتك، يبتليك بإسباغ نعمه عليك، احذر أن تفتتن!

(11)

وافق يوم القرّ، يوم الجمعة، ياربّ فضيلتان مُجتمعتان! خططنا للرمي وقت العصر؛ حتى نغتنم ساعة الإجابة الفاضلة، أنت تخطط، وتبدع في التخطيط، والله يُدبر لك الذي يزيدك تقوى وإيمان. لم تُجدِ مخططاتنا نجاح! ولمّا غابت الشمس، دون أن يُيسر الله لنا الرمي، هذه المرة، اطمئننتُ لجنبِ الله، لم تجزع النفس، ولم يزبد القلب ويرعد! الحمدلله. رضيتْ ياربّ. ولما توجهنا، ليلاً، للرمي، الله أبدلنا عوضًا عن الوقت الفاضل، ثلاث أوقات فاضلة! هطل المطر، وأذّن العشاء، ودعونا الله في الجمرات! ياكريم! ذكّرنا بكرمك في المنع قبل العطاء! الدرس المهم، هو ألا تنتظر (العوض منه) مُقابل كل شيء، تتركه من أجله، أو تفقده دون أن يكون لك قرار فيه؛ حتى لا تكون علاقتك مع مولاك، قائمة على ما تقوم به حياتنا مع الناس في كثير من الناس، إذا أعطيته، لابدّ أن يعطيني! لله الكريم يعوضك، قد يعوض قلبك، بمعنى جديد، أو إيمان راسخ، تفقّه لآياته فيك؛ لتُفلح.

يتبع..

Share