خاتم مُعلمتي نسرين

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

لو علِمت معلمتي نسرين، معلمتي في الروضة، عن سعادتي العارمة فور إخبارها لنا، بأننا سنلعب لعبة البحث عن خاتمها في ساحة الرمل، كانت تجلس وسط الرمل، تخلع الخاتم من اصبعها، تطلب منّا أن نُغمض، نُغمض بحبّ وحماس… تُسرع الاخفاء… نبتهج بالبحث ونسعدْ وإن لم نكن من وجدناه! غابتْ الروح، وظلّ الشعور…

لو أنها علمتْ، لما كانت ستتوقف عن مُشاركتنا لخاتمها.. ولو علِمت أن طفلةً من فصلها سيُعينها الله لتكون معلمة كما كانت معلمتها… وكلما حان وقت المرح مع الصغار، تخلع تلك المعلمة خاتمها فتارة تُخفيه، مستحضرة ذات الحب الذي كان يُقدَّم لها.. وتارة تترك الأطفال يطبعون أثر الخاتم على قِطع العجين.. تغيبُ الأماكن ويرحل الأشخاص، ويظلّ الشعور.

صِغاري في الروضة، لما انتقلوا لمرحلة التمهيدي، وصار غيري معلمًا لهم، أصبحوا يترددون عليّ، كلما التقينا، أتعجّب من الأمور التي يخبرونني بها، يذكّروني بجميل العهد الذي كان بيننا، بمواقف بالكاد استجمعُ ذاكرتي لأستعيدها! أسأل نفسي: هل قلتُ هذا حقًا؟

من بين ما يذكّروني به هو ألعابنا التخيلية التي كثيرًا ما كنا نلعبها، لم نكن بحاجة إلا لأداةٍ واحدة، لنتمَّ ألعابنا التي لا تنتهي، قلب مُزدحم بصادق الشعور! وهذا ما جعل من الأوقات التي كثيرًا ما كنتُ أظنها ستمضي… يستعصي محيها.

فارس، الذي تحشرج صوته، قائلًا: ” معلمة، كلامك يبكِّي” عند سماعه لموقف لقاء المؤمنين لربهم في الجنَّة… الشعور الصادق، ما إن يقذفه الله في قلبك، فاعلم أنك موفَّق.. وأنّك للخير، صائِر.

لم يكنْ بيت جدي وجدتي رحمهما الله بالبيتِ الآسِر، لكنه كان لقلبي، فِردوسه!  الطوب المُهدَّم، والفناء الصغير… الذي كان بعيني أوسَع من كل القارات.. ذلك البيت ، أُجزم بأنه كان يكفي سُكان الكرة الأرضية، رحلوا أصحاب الدار، تهدَّم البناء.. وظلَّ جميل الشعور..

في حقيقة الأمر، غالب الناس، يعتني كلّ الاعتناء بالموقفِ نفسه، الحدث بعينه، المناسبة بذاتها، ويغيب عن ذهنه، أن شعور صادق يُغنيه عن كثير ما أسرف في إعداده! ما أكثر المُناسبات والاجتماعات التي كان فيها كل ما نحبّ، لكنها انتهتْ وانتهى كلّ شيء بانتهاءها! ما تتذكره وما يظل في قلبك، ويعمِّر وقتًا طويلًا هو ما طُوي على شعور صادق، حتى لو لم تلتقط صور في ذلك اليوم، فأنت لستَ بحاجةٍ لها، ذلك لأن قلبك يحمل الكثير مما لا ينتهي.. ولا يتبخر…

الإنسان بحاجة لشعور صادق في كلِّ أمور حياته، الشعور الصادق ليس كما يظنه البعض.. أمر زائد.. بل إنه اللبنة الأولى التي يُبنى عليها البناء كله.. وما أكثر من كانت دموعهم الصادقة، طريق هداية الناس، وآخرين.. كلماتهم وإن لم تكن بليغة إلا أنها صادقة.. تزيد في إيمانِ القلوب.. في مقابل بلاغة الكلمة، وفصاحتها وغياب الشعور… النتيجة: ” ليته ما نطق وما كتب!”.

احرِص على أن تبثَّ الشعور في كل أمرٍ تقوم به، في كلِّ هدية تُهديها،  كلّ كلمة تتفوَّه بها،  كل موقف تمرّ به، كلّ تجربة تعيشها، وأينما وضعك الله، أنبتَ الشعور.. وما يأتي الشعور الصادق،إلا حينما يعلم الإنسان ماذا يريد الله في كل ما يقوم به؟ الشعور الصادق يأتي لما تفعل الأشياء، وتقول الكلمات الطيبة، وتُهدي، وتٌحسِن، وتعفو… لأجلِ الله.. لا يعلم الناس سبب قيامك بكل هذا، لكنه وحده يعلم..

تعلم أنَّ مولاك، يحبّ منك في هذا الموقف أن تعفو، وفي آخر أن تتجاوز… ومع والديك أن تكون ذليلًا.. علمكَ بإحاطته، وبتدبيره وبجبره لك، وتعويضه لقلبك… يدفعك لأن تقوم بالمزيد من الأعمال بقلبٍ صادق وإن ظل المسيء على حاله، ولم يُرفَع الظلم عن المظلوم!

الناس، ونحنُ منهم بالمناسبة! مزدحمون بالهموم والمشاكل، هم يعلمون بأنك لست من سترفع عنهم البلاء، ولم تكُ تلك بُغيتهم يوم أن اختاروك ليبثُّوا لك مافي صدروهم، الناس بحاجة لسماع وقراءة أحاديثًا صادقة، وما يأتي الصدق إلا من صاحب الإيمان. الذي يقول الكلمة، وما كانت كلمته تلك لتحلّ العُقدة لكن ينفع الله بها، وتُؤتي أُكلها.. وماكتب الله لها القَبول إلا لأنّ صاحبها صدَق الله، فوفَّقه الكلمة، وسدّد رميه.

أنهكتنا المظاهر يا صديقي! وافتقدنا للمعاني التي تُخلِّد المواقف.. وتجعل منها إرثًا عظيمًا، يستحق أن يُروى.. لا لفخامته بل لصدقه.. تلك المعاني التي عاش عليها الأولون.. فدلّوا الطريق، وضللناه…

اللهمّ اجعلنا ممن نزرع جميل الأثر، بالقول والعمل.

 

 

Share

تعليقان 2 على “خاتم مُعلمتي نسرين”

  1. افنان النعمي علق:

    كمية مشاعر عشتها في كلماتك حقيقي ابدعتي في الوصف .. سلمت يمناك على ماخطت ❤

  2. نجود علق:

    أتشوق لقراءة هذه “المدهشات” الجميلة!

أضف تعليقاً