..شيئًا قليلًا

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

جذور

لمّا كنّا صغارًا، كنّا نلعبُ لعبة الاتّزان على قدمٍ واحدة، الذي يُمكنه أن يثبتَ لمدةٍ أطول من غيره، يكون الرّابح، آنذاك، قبل فِقهنا لأشياءٍ كثيرة، كنا نعدّ ذلك الأمر مُمتعًا! ولمّا أخذتْ الحياة دورتها، تبدّلت المعاني، فأضحى ما كان يُمتعنا، يُتعبنا..

هَب أن لديك طاولة، ما يجعلكَ تستفيد منها، وتَغتني بها عن غيرها، هو ثباتها بالأرض، لو أنها كانت تهتزّ، لصرفتَ النظر عنها، وبحثت عن بديلٍ لها، لكنّ ثباتها، يجعلك مُطمئنًا، تضع كل حمولتك فوقها، غير آبهٍ لثقل تلك الأشياء؛ لأنك تعلم يقينًا بقوة أعمدتها، لذلك فإنك تأتي من الدّنيا، متبضّعًا، تُفرغ حمولتك عليها، وهي بدورها، تحتملُ كل بضاعتك، الصّالح منها والطّالح.

وهَب أنّك في يومٍ، ظننتهُ أنت، أنّه كبقية أيّام تبضّعك من دُنياك، رُحت تتبضّع مستقرًّا، سعيدًا، تجري الأمور على الأرض كما هو مُعتاد، لكن الأمر في السماء، يأتيك على عكس كلّ التوقعات، وبينما أنت توشك أن تضع كل بضاعتك، فوقها، إذ بها تَهوي على الأرض!

تقفُ مدهوشًا، خائفًا، على كل بضاعاتك التي تعبتَ كي تحصل عليها، وأنت تُعاين كل البضائع التي أُتلفت إثر السقوط المُفاجئ، تتكشّف لك نفسك، بضاعاتُ السنين، التي ألقيتُ بها، واندسّت تحت بقية مستجداتك، أنتَ الآن تراها جليّة.. قد يكون أول ما تحمدُ الله عليه، هو أنّ الله لم يكشف عورة … قلبكَ أمام أحد من الناس، وأن السقوط المفاجئ، حدث بينا أنت وحيدًا، إلا قليلًا.

أتعلم شيئًا؟

تلك الطاولة، التي سقطت، والتي كان ذاك المسكين، يحمّلها كل شيء، أتعلم بأننا جميعًا نملك طاولة مثله تمامًا! الفارق بيننا هو عدد الأعمدة ومتانتها، التي تثبّت طاولة كل واحدة فينا، منّا من اكتفى بعمودٍ واحد في قلبه، منا من يثبّت قلبه بأعمدةٍ عدة، ومع أوّل بضاعة يُلقيها… ينهار قلبه. العبرة ليستْ بعدد المعاني التي تثبّت قلبك في النوازل، بل بعُمقها واستقرارها فيك.

يحدث أن نعتني بالأعمدة، نعكف سنة لإتمام العمود الأول للقلب، حتى إذا ما ظنناه غدا متينًا، ننتقل لعمودٍ آخر، بذاتِ الطريقة، تمر سنينًا من العُمر، نقضيها في إعدادِ العدّة لقلوبنا؛ نعدّها للدنيا، نعدّها للفتن، نعدّها للنِّعم، نعدّها لنا، نعدّها لأشياء كثيرة، يحدث الإعداد، دون وعي منا، لكنّ المهم هو أن الأمر يسير في قلوبنا، دون أن نخطط هذا، يقدّر الله لنا أشخاصًا، ومواقفًا، تجاربًا نمر بها، معايشتنا لكل ذلك، ينحت ذلك العمود، ويقوّم فيه اعوجاجات؛ فيصبح أكثر صلابة.

لمّا يغلب علينا الظن أننا اجتزنا المرحلة الصعبة، وأننا أبعدُ ما يكون عن الفِتن، عن الجَزع، عن التبرُّم والشكْوى… تسير دنيانا وفق ما اعتدنا، يستمر تبضّعنا، الفارق أننا بِتنا نمحّص بضائعنا- مفاهيمنا ومعاني الحياة فينا- قبل أن نلقيها بالجُملة على أفئدتنا.

بعد تعبِ إعداد قلبك، تغدو طريقة تبضّعك من الدنيا مختلفة، تزداد خشيتك، عليك! تخشى على انهيار قلبك، تخشى أن ينزلق،  وينكسر عمود بحماقةٍ منك! تلك الخشية، تُورثكَ انتقاء أسواق الدنيا، حتى يُصبح من نصيبك، سوقَين يكثُر ارتيادكَ عليهما، وفي كلّ مرة تأتي من الدنيا، عليكَ، على قلبك، تودع فيه بضاعة قريبة من بضاعةِ الأمس، تبضعك المتشابه هذا، يقوّي قلبك، يغذّيه، أنتَ تلحظ ذلك، لكنها الدنيا يا صاح! من ذا الذي يأمنُ قلبه، حتى يأمن دُنياه؟!

تنظر في حقيبةِ تبضّعك، تجدُ فيها ماكنتَ تهرب منه، تجدُ فيها ذنب سابق، وعثرة ماضية، وصفحة قد طواها الله برحمته، تجدها جلية، أتتكَ راغمة عنك!!! تأتيك تلك البضاعة، بينا يومك كنتَ تظنه يسير عاديًا… وسوقكَ ينتظر القدوم… تتغيب عن ذلك السوق، لمصابك ياصديقي… مصابك الذي أربك أعمدة قلبك كلّها، تخشى عليك، على قلبك من الفتنةِ ياصديقي، تهرعُ لطوق نجاتك، تفتحهُ على عجل، تقرأ منه أوّل ما يقع ناظريك عليه… تجد فيه مايجعلك، تشعر وكأنك تقرأه للمرّة الأولى.

(فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [ النحل:94 ]
(وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ …) [ الإسراء:73]
(وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا) [ الإسراء:74]

أرأيتَ ما يحدث لو ركنتَ شيئًا قليلًا، لما طرأ عليك فجأة في حياتك؟ (إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا)[ الإسراء:75] ذلك الركون القليل، والاستئناس المؤقت، عظيم عند ربّ القلوب. موازين الأشياء تختلف بميزانِ مَن سنّ للحياة قوانينها، سبحانه.

تُدرك، أن ثبات بضاعتك لسنينٍ طويلة، ماكان لجهدٍ منك، بقدرِ ما أنّه كان معونة من الله، تلك المعونة الإلهية، الخفيّة، التي كثيرًا ما جعلتك تغترّ بإيمانك ياصديقي! ها أنت اليوم، وقد كشف الله سوءة نفسك؛ حتى تعلم أنّك وإيمانك وكل معنى كنتَ تظنّه فيكَ عميقًا، يظل أجوفًا، بيتًا خرِبًا، وسقفًا مُتهاويًا، بضاعتك هذه التي بزعمكَ، التي أنجتكَ سنين كثيرة، ها هي اليوم تخذلك! تخذلك من أجلٍ ماضٍ كان فيك، قدّره الله ليكون لك حاضرًا، في وقتٍ غدا فيها قلبك مُحصّنًا! كما تزعم!

يا مقلِّب القلوب، ثبّت قلبي على دينكَ، وإذا أردتَ بقومٍ فتنةً، فاقبضني إليك غير مفتونة، ولا تَكلني ياربّ لنفسي طَرفة عين، وأصلِح لي شأني كلّه، ثبّتني بالقولِ الثّابت في الحياة الدنيا والآخرة.

 

Share

أضف تعليقاً