فُرْجَة-2

 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

القرآن

لمّا كان صغاري، في الثالثة، كنتُ أخبرهم، في فترة القرآن، أشياء كثيرة عن الله، أذكرُ صمتهم، أذكرُ دهشتهم رغم عدم استيعابهم الكامل لكل ما تقوله المعلمة! لكنها الفطرة السويّة، هي ماكانت تُعينني ومازالت، على أن يصمتوا، وعلى أن يندهشوا، وعلى أن يطلبوا المزيد.

في الثالثة، كانوا مُتعطشّين- وفي الرابعة زاد الظمأ!- لكن عطشهم كان مُقتصرًا على السماع فقط، بينما في الرابعة، ظمأهم لأن يُشاركوني تساؤلاتهم، أفكارهم عن أشياء كثيرة تسكنُ نفوسهم الصغيرة، نقاشات تُغيّرني دون أن يعلموا.

بدأنا في التعرف على سؤال من نبيّك؟ شرحتُ لهم معنى النبأ، استخدمناها في جملٍ كثيرة، أنبئي صديقك، أنبأنا أحمد، أنبأت يارا… ماهو النبأ الذي أنبأتنا به سارة؟ حتى وصل بنا الأمر للتعرف على مُحمد صلى الله عليه وسلم، كان أول انطباع عنه، أنه الله.

حينها كانت الدّهشة، حين أخبرتهم أنه إنسان مثلنا، يأكل ويشرب، ولديه أولاد ومسكن، ولديه أصدقاء، ظللنا أسبوعين نفرّق بين الربّ والنبّي، وكل يوم وبعيدًا عن المبالغة، يستمتعون بإعادة السيناريو ذاته، وبمتعة بالغة، يامعلمة ترى النبي كان عنده أولاد وكان يضحك وكان وكان…. ثم بدؤوا يجدون الفارق الأكبر بأنفسهم، أن الرب وحده مدبّر الكون، يامعلمة يقدر النبي ينزل المطر؟ يقدر النبي يخلي الشمس تطلع؟ يسألون، انظر إليهم، يجيب بعضهم بعضًا، أردد: الحمدُ لله.

تزيدُ نشوتي، لمّا يُشيرون إلى اسم جبريل عليه السلام، في البطاقة، لما نردد عقيدتنا في القرآن، أسألهم: من هو جبريل؟ يقولون هو المَلَم فتقول الطفلة مَلَك-مُفتخرة بأن اسمها كذلك!: “أصلاً ربنا خلق ملَك مرة كتير، واختار جبريل عشان…  القرآن” هذا الأسلوب الركيك، يُسعد قلبي أيضًا.

في الأسابيع الأخيرة، غدا حديثنا عن الجنّة، وصفها، ونعيمها. كان أقصى ما يعلمونه عن الجنّة هو أن الإنسان سيرى الله فيها، وأن الجنة (فيها كل شيء) الآن، صغاري بفضل الله، يعلمون أمورًا لم يكونوا يعلمونها، ولم أكن شخصيًا أعلمها، تعلمناها سويًا.

في كل يوم، كنت أخبرهم، كانوا يظهرون ردة فعل تحرّك في قلبي شيئًا يظل مفعوله وقتًا طويلًا! هذا المفعول يدفعني للعمل، والبحث، تلك الحركة الخفيّة في قلبي، تدبّ في أوردتي همّة واجتهادًا. فياربّ اجعله خالصًا لوجهك الكريم.

من جُملة ما تعلمناه عن الجنّة، أنّ أهل الجنة، قد يأكلون وهم متكؤون أو متمددون وهذا لا يؤذي أجسادهم، بعكس الدنيا، المهم، في وقتٍ آخر، بعد أسبوع تقريبًا من تعلمنا لهذه المعلومة، عرضتُ فيديو وقد نسيتُ تمامًا أمر الأكل في الجنة! كان الفيديو يعرض سلوك طفل يأكل وهو متكئ، فقال إبراهيم: “يا معلمة شوفي يحسب نفسه في الجنة!“… واسعدَ روحي ياربّ.

أخبرتهم عن بحار الجنة، بحرٌ من لبن وبحرٌ من عسل، لن أحدثكم عن ملامحهم الصغيرة، كيف تغيرت، فور معرفتهم بالخبر اليقين! كان هذا في الساعة الثامنة والربع، في الساعة الثانية عشر ظُهرًا، قدّر الله أن تحوي وجبة يارا على لبن، حتى تذكر نعيم الجنّة! قالت: “أصلًا في الجنة، حأشرب من بحر اللبن” أيقنتُ أنّ أخبار النعيم، لا تُنسى، ويذكرها الإنسان، ولو وسط الزحام.

سألتهم:” تتوقعوا من أول من يدخل الجنة؟” حقيقة سألتهم وأنا لا أتوقع إجابة منهم! فاجئني الله بأن الجميع قد أجاب، دون أدنى تلميح مني! نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، سألتُ جود، لماذا؟ قالت: “لأنو علّم الناس القرآن“.

أكثر ما قد يجعلك تسعد لوقت طويل، لما تزرع، في ظهيرة مُشمسة، وتظن ظنًا كاذبًا، أن التربة عاطبة! فجأة!!- أحيانًا تحدث مقدمات، قبل مانسميها بالفجأة، لكننا لا نفقه البدايات!- يُمطركَ الله بأن مازرعته، لم ينبته لك وفق تصورتك أنت، بل وفق تدبيره وحكمته، وهذا ما يحدث مع المعلمة في أوقاتٍ كثيرة، تقول معلومات كثيرة، وتجري نقاشات وحوارات، ولا تدري أنها قد ألقت بذور، تكفل الله بعنايتها وإنباتها، يأتي في يومٍ لا تتوقعه، يربط أحد الصغار، كل ما يتعلق بموضوعٍ ما، ويخبره المعلمة، كنص تعبيري واضح، عندها، تدرك المعلمة، شيئًا واحدًا: أنّ الأمر كلّه بيد الله.

هذه الخمسُ عشرة دقيقة، هي النافذة التي تجعلني أتطلع على قلوبهم النقية، وفي قلب كل واحد منهم تساؤل أو مجموعة من التساؤلات، منهم من يُبدِ ذلك، ومنهم من يُجيد إخفاؤه، يأتي دورك في إظهار كل ما لديكِ، شيئًا فشيئًا سيظهر الذي أخفاه، ربما، أو ربما يوافق قولك، شيئًا في نفسه، فيسكن وجدانه.

فترةُ القرآن، عظيمة عن الله، لو أعطتها المعلمة حقها وقدرها، إعطاء القدر، لا يعني الكثير، أقول هذا بالتجربة! إعطاء الحق بأيسر الطرق، يكفي أن تعطيه بكامل الشعور. الطفل لا يعنيه أن تخبره أن خازن الجنة لن يفتح الباب لأحد سوى لمحمد صلى الله عليه وسلم! هكذا بوجهٍ مُصمت. كل المعلومات ستفنى، وسيظل الشعور الذي تورثه في قلبه وروحه وفؤداه.

في لقاءات القرآن التي كنا نتحدث فيها عن الجنّة، كان أكثر من طفل يصرخ، يرددون: متى ندخل الجنة؟ وكان أحدهم يقول: “أبغا أموت دحين عشان أدخل الجنة!!” ملاحظة: شرحت له أن بوابة الدخول للجنة العمل الصالح، مهما تمنى الإنسان الدخول، دون العمل، لن يفيده ذلك، ربنا وهبنا الحياة، حتى نستكثر العمل الصالح” استكانت نفسه، وابتسم. هذا الشعور الصادق، هو الباقي، أما معلومات الجنة، سيعلمونها مثلما علمتها! 

الحمدُ لله

Share

الوسوم: , , ,

تعليقات 8 على “فُرْجَة-2”

  1. سلمى السناني علق:

    راااائعه 💖💖جعله الله في ميزان اعمالك يارب ❤️

  2. إيناس مليباري علق:

    سلمى:
    اللهم آمين صديقتي الغالية، ولك بالمثل : )

  3. احلام العمري علق:

    نوسة القلب 🌹
    كنت انتظر الجزء الثاني بشغف ❤️❤️
    جزاك الله خير جزاء وجمعك مع اطفالك بجنة النعيم ❤️

  4. إيناس مليباري علق:

    أحلام:
    أسعدكِ المولى ❤️
    وجزاكِ على طيبِ الحديث، وصدقه.
    وجمعني بكم أجمعين، ياربّ العالمين

  5. فاطمة جاوي علق:

    فعلا اتفق معك اننا مازلنا نتعلم واحنا نعلِّم صغارنا وما اكتفينا ابدا باللي نعرفه

    اسألتهم الكثيرة واللي برأيي المفروض تلاقيلها جواب تخليك دايما تحبي تتعلمي كيف يفكرو وكيف بيسألو الاسئلة دي

    براءة وطفولة

    الله يوفكم يا نوسة ويوفق كل مربي ومعلم❤️❤️

  6. إيناس مليباري علق:

    الله يرشدنا للصواب دائمًا وأبدًا، ويهيئ لنا من أمرنا رشدًا
    حقيقي المربي مسؤوليته عظيمة، وبذات الوقت ماتعة، الله ينفعنا بالقول والعمل 💓

    حياكِ يافاطِم 😌

  7. بُشرى علق:

    “لكنها الفطرة السويّة، هي ماكانت تُعينني ومازالت، على أن يصمتوا، وعلى أن يندهشوا، وعلى أن يطلبوا المزيد.”
    نفع الله بك، وبارك فيك 💓

  8. أسماء علق:

    موضوعك بحثت عنه كثييييرا وسررت به كم أتمنى إطالة الحديث بشان حلقة القرآن لأطفال الثلاث سنوات
    أسعدك الله سعادة الدارين
    لقد حباك الله اسلوبا رائعا دائما انتظر مقالاتك بشغف ♡

أضف تعليقاً