أرشيف تصنيف ‘أبلة إيناس !‘

رَوضتي، وغيركِ لا أُريد

2 فبراير 2017

هذه التدوينة، غير قابلة لأنْ تقرأها متعجِّلًا، غير قابلة لكتابةِ مقدِّمات!

بينما الجميع، يعملُ كعادتهِ، على قدمٍ وساق، فواحدة تُخطّط، وثانية تسدّ فراغ صديقتنا المتغيّبة، في روضَتي، روضتنا، كلّ مشغول، كلّ مُنهمك في شغله، كثيرًا ما يحدث أن تلتقي الأجساد، ونفترق في مواطنٍ كثيرة! لكنَّ شيئًا واحدًا يجمعنا، كلّنا مشغولون بإعداد الإنسان. أكثر من مائة طفل في روضتنا، ينتظرونَ منَّا الكثير، ينتظرون الماء العذب، لتنبتَ بذورهم، فنسعد برؤية براعمهم، أوراقهم، ولمَّا نشيب، يبلَّغنا المولى، ثمارهم، ولربَّما- وكلّي ثقة بالكريم- بأنّه سيكرمنا ليس فقط لنَرى تلك الثّمار، بل سيمتدّ كرمه، لنكن أوّل مَن يتذوقوا حلاوة تلك الثمار!

بينما يمضي يومنا، كأمسنا، غير أنّنا نتعهّد ماء عطاؤنا بتجديدهِ، حدثَ ما لمْ يكن بالحُسبان! قدَّر الله، وحدث ما حدث، اُضطررنا لتخلية المَبنى، في أقلِّ من ليلةٍ وضُحاها، تبدّل نورنا ظُلمة، وسرورنا حُزنًا! انتقلنا لمكانٍ آخر، مكان لا يُشبه روضتي، وأُناس لا يشبهون أطفالي، حتّى كراسيهم المُرتفعة، لا تُشبه كراسينا الصغيرة! ألوان أثاثهم القاتم، لا يُشبهنا أيضًا! كان أوّل شعور قذفه الله في قلبي: أنّنا افتقرنا بعد غِنى! لوهلةٍ، أصبح قلبي لاجئ! قلبي الذي كان يملك الكثير من الأشياء، اليوم، أصبح محتاجًا لمأوى مادّي وروحي…

استقبلنا الغير ببشاشةِ وجه وسلامة صدر، لكن، شيء في القلبِ لا زال، عصيّ على أن يخرج! صارتْ مهمتي، ومهمّة كل معلمة، كل إدارية، هي: التأقلم مع الوضع الجديد، وبأسرعِ وقتٍ مُمكن!

اللاجئ في الحقيقة، كان يمتلك كلّ شيء، فجأة ولأسباب قدّرها الله له، يفقد كلّ شيء، فيذلّ بعد اعتزاز، بعد أن كان يشعر بالشّبع الروحي، يعتادَ قلبه على الجّوع، دون أن يهنأ بلُقمة روحية، تُقِم نبضه، وهذا ما حدث معنا.

من بينِ المئات من الأشياء التي نمتلكها، وملّكنا الله إياها، في روضتي، كان الخَيار صعبًا بأن نتخيّر الأكثر حاجة إليه، ونقلهُ لحيثُ انتقلنا! ماذا عن بقية ما أملك؟ أساسًا لا أعرف كيف يختار المرء من بين أملاكه ويُفاضل بينها؟! نحنُ الذين ملّكنا الله كلّ مقوّمات الحياة، ويوم أن تُسلب نصف واحدة، نتوه ونتخبّط!!! آنذاك، كُشفتْ لي سوءة جديدة من سوءاتي! لا أُتقن اختيار الأهم! فكل شيء أملكه، في نظري، فإنّي أحتاجه، يحتاجُ قلبي رؤيته، ولو لمْ استخدمه!

على ما يبدو مرّ الأسبوع الأول، بصعوبةٍ بالغة، إلى أن اعتدنا الوضع، ألِفنا المكان الذي أُعيد تأهيله ليكون مناسبًا لنا ولأطفالنا، ألِفنا الشخصيات الجديدة الذين كنا لا نراهم إلا مرّة في العام، ألِفنا رؤيتهم كلّ صباح، ألِفنا الاشتراك في الأدوات، المشاعر، أشياء كثيرة… امتدّ هذا الأمر لأطفالنا، اعتادوا أشياء كثيرة.

في كلّ مرة كنتُ أجهّز ما سأعلّمه الأطفال مختلفوا الأعمار، الملتقون في مكانٍ واحد! وهذا من بين ما ألفناه طبعًا! كان يخطرُ على بالي اللاجئ مرّة أخرى، خطرتْ على بالي تلك الصور التي كنتُ أراها على هاتفي فقط، مدارس مُهدّمة، ومعلمة معطاءة لا تجد ذلك الرُكام، عُذرًا لإيقاف العلم! فاستيقظْ من شعوري بأشياء كثيرة، أتذكر مقوّمات الحياة، وفقداننا للمكان فقط! أحدّث نفسي: ستُكملين عطاءك، ولو لصغيرٍ واحد! ليس هذا فحسب، بل تُعطينه بحبّ كبير!

تعلّمنا مهارات كثيرة، تعلّمنا كيف أنّ كل ما نحتاجهُ، مساحة فارغة، بلا أثاث، لنفكّر كل يوم كيف نملأ هذا الفراغ بمتعة جديدة، اختلفتْ مُتعنا وكان ما نملكه أداة واحدة: روح مؤمنة. تؤمنُ بكلّ شيء، وتظنّ في الله خيرًا، تصبر وتصبِّر، وتُصابر. في مواقفٍ كثيرة، كان حالي، حالُنا، ينطبق تمامًا، كما قال تبارك وتعالى: ” إن كانت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها” .

كنّا نرى روضتنا، نمرّ من بابها المُغلق، وقد نشمّ رائحتها، تلك الرَّائحة التي لا يعرفها ولا يميَّزها إلا من عاش في حِجرها، نرى انطفاء أنوارها، وخلوّها من المارِّين، كنّا نرى كل ذلك، ولا نستطيع دُخولها، لم يعُد بالإمكانِ فعل أشياء كثيرة، كنّا في السّابق نفعله بلا أدنى تفكير، مرّة أخرى خطر على ذهني، تلك الدار القاصية، الدَّانية ، القُدس، المسجد الأقصى، يا الله الآن لا أشعر فقط، الآن أعيشُ ما عاشهُ المقدسيين! ترى وطنك، دارك، لكنك مضطر لأن تبتعد.. قد تكون تصلّي فيه كلّ يوم، لكنّك لا زلت ترى أنّه محتلّ، ثمّة أحد يجبرك على أن تخرجّ وتعود لتكن فارغًا، بعد أن كانت أشياء كثيرة تملؤك.

بعد مرور شهر على هذا الحال، اجتمعتُ ورفقتي، ذهبنا لعمل جولة في روضتنا، دارنا الدافئة، التي وإن أُكرمنا في غيرها، فإننا لا نُريد سِواها، مررنا على السَّاحة الخارجية، مررنا على أشياء كثيرة، افترقتُ عن مَجموعتي لأجدَ أحواض الزَّرع التي ابتدأتُ زراعتها مع أطفالي، تذكرتُ وعدي لهم بتعهدنا بسقايتها، شوّقتهم لرؤية مراحل انبات الله لهذه البذرة، ها هي اليوم حصيدًا كأنْ لم تغنَ بالأمس…

خرجنا من جَولتنا، ولم نكن نعلم بأنّ تلك الزيارة- والتي كنّا نراها من حقنا!- سنُسأل عنها!! حين سألتْ مسؤولة الأمن صديقتَاي عن سبب تواجدنا في هذا المكان؟! هَول صدمتي جعلني ألتزمُ الصَّمت! الذي يحملُ أسئلة كثيرة، وصور للمرة الثالثة يستحضرها قلبي، كيف نثبتُ لهم أنّ هذا المكان لنا؟ كيف نُسأل عن حق هو في الأساسِ لنا؟ يا الله!

تختتم تلك المسؤولة إخبارنا بعدم حضورنا مرّة أخرى، وبأنّها ستتخذ إجراءَ آخر لو تمّت مُشاهدتنا مرّة أُخرى!!! في تلك اللحظة بالذّات، كان قلبي يقبّل جبين كلّ مقدسي، عاش في أكنافِ الأقصى، عاشها قبل النّكبة أو بعدها، لا مهمّ، المهمُّ هو صبره على إزالة أشواك الوجع في كلّ مرّة يأتي فيها لأقصاه، يصليها زائرًا، غريبًا عنها، يطرده جنود الاحتلال، لكنّه يعتاد المجيء؛ شيء فيه يحرّكه لأن يكون وفيًا صامدًا حتّى الرّمق الأخير.

هذه الحوادث الصغيرة في حياتك، يقدّرها المولى لقلبك، ليعيشها، يحفر مفهومًا، ويؤكد معنىً، فيزيد إيمانك بمبدأ، تغيّر قناعة، ثمَّ تتَتبّع هذه الحادثة الصغيرة، لتراها في جِراح أمَّتك؛ لترى حينها، كيف أن النُّور كان مُلازمكَ، لكنّك كنتَ تُغطيه بكفيّك!

اللهم أعدِنا للأقصى فاتحين مُحرّرين، وافتح لَنا أبواب رحمتك، وأعد لتلك الدار، روضتنا، نورها الوهَّاج، وردّها لنا ردًا جميلًا. اللهم وكمَا أنَّك أدخَلتنا مَدخل صِدق، فأخرِجنا مخرج صدق، اخرجنا من مآزق الحياة، بلطفك وكرمك، واجعل لنا من لدُنك سلطانًا نصيرًا، وآخر دعوانا: أن الحمدُ لله ربَّ العالمين.

Share

فُرْجَة-2

20 فبراير 2016

 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

القرآن

لمّا كان صغاري، في الثالثة، كنتُ أخبرهم، في فترة القرآن، أشياء كثيرة عن الله، أذكرُ صمتهم، أذكرُ دهشتهم رغم عدم استيعابهم الكامل لكل ما تقوله المعلمة! لكنها الفطرة السويّة، هي ماكانت تُعينني ومازالت، على أن يصمتوا، وعلى أن يندهشوا، وعلى أن يطلبوا المزيد.

في الثالثة، كانوا مُتعطشّين- وفي الرابعة زاد الظمأ!- لكن عطشهم كان مُقتصرًا على السماع فقط، بينما في الرابعة، ظمأهم لأن يُشاركوني تساؤلاتهم، أفكارهم عن أشياء كثيرة تسكنُ نفوسهم الصغيرة، نقاشات تُغيّرني دون أن يعلموا.

بدأنا في التعرف على سؤال من نبيّك؟ شرحتُ لهم معنى النبأ، استخدمناها في جملٍ كثيرة، أنبئي صديقك، أنبأنا أحمد، أنبأت يارا… ماهو النبأ الذي أنبأتنا به سارة؟ حتى وصل بنا الأمر للتعرف على مُحمد صلى الله عليه وسلم، كان أول انطباع عنه، أنه الله.

حينها كانت الدّهشة، حين أخبرتهم أنه إنسان مثلنا، يأكل ويشرب، ولديه أولاد ومسكن، ولديه أصدقاء، ظللنا أسبوعين نفرّق بين الربّ والنبّي، وكل يوم وبعيدًا عن المبالغة، يستمتعون بإعادة السيناريو ذاته، وبمتعة بالغة، يامعلمة ترى النبي كان عنده أولاد وكان يضحك وكان وكان…. ثم بدؤوا يجدون الفارق الأكبر بأنفسهم، أن الرب وحده مدبّر الكون، يامعلمة يقدر النبي ينزل المطر؟ يقدر النبي يخلي الشمس تطلع؟ يسألون، انظر إليهم، يجيب بعضهم بعضًا، أردد: الحمدُ لله.

تزيدُ نشوتي، لمّا يُشيرون إلى اسم جبريل عليه السلام، في البطاقة، لما نردد عقيدتنا في القرآن، أسألهم: من هو جبريل؟ يقولون هو المَلَم فتقول الطفلة مَلَك-مُفتخرة بأن اسمها كذلك!: “أصلاً ربنا خلق ملَك مرة كتير، واختار جبريل عشان…  القرآن” هذا الأسلوب الركيك، يُسعد قلبي أيضًا.

في الأسابيع الأخيرة، غدا حديثنا عن الجنّة، وصفها، ونعيمها. كان أقصى ما يعلمونه عن الجنّة هو أن الإنسان سيرى الله فيها، وأن الجنة (فيها كل شيء) الآن، صغاري بفضل الله، يعلمون أمورًا لم يكونوا يعلمونها، ولم أكن شخصيًا أعلمها، تعلمناها سويًا.

في كل يوم، كنت أخبرهم، كانوا يظهرون ردة فعل تحرّك في قلبي شيئًا يظل مفعوله وقتًا طويلًا! هذا المفعول يدفعني للعمل، والبحث، تلك الحركة الخفيّة في قلبي، تدبّ في أوردتي همّة واجتهادًا. فياربّ اجعله خالصًا لوجهك الكريم.

من جُملة ما تعلمناه عن الجنّة، أنّ أهل الجنة، قد يأكلون وهم متكؤون أو متمددون وهذا لا يؤذي أجسادهم، بعكس الدنيا، المهم، في وقتٍ آخر، بعد أسبوع تقريبًا من تعلمنا لهذه المعلومة، عرضتُ فيديو وقد نسيتُ تمامًا أمر الأكل في الجنة! كان الفيديو يعرض سلوك طفل يأكل وهو متكئ، فقال إبراهيم: “يا معلمة شوفي يحسب نفسه في الجنة!“… واسعدَ روحي ياربّ.

أخبرتهم عن بحار الجنة، بحرٌ من لبن وبحرٌ من عسل، لن أحدثكم عن ملامحهم الصغيرة، كيف تغيرت، فور معرفتهم بالخبر اليقين! كان هذا في الساعة الثامنة والربع، في الساعة الثانية عشر ظُهرًا، قدّر الله أن تحوي وجبة يارا على لبن، حتى تذكر نعيم الجنّة! قالت: “أصلًا في الجنة، حأشرب من بحر اللبن” أيقنتُ أنّ أخبار النعيم، لا تُنسى، ويذكرها الإنسان، ولو وسط الزحام.

سألتهم:” تتوقعوا من أول من يدخل الجنة؟” حقيقة سألتهم وأنا لا أتوقع إجابة منهم! فاجئني الله بأن الجميع قد أجاب، دون أدنى تلميح مني! نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، سألتُ جود، لماذا؟ قالت: “لأنو علّم الناس القرآن“.

أكثر ما قد يجعلك تسعد لوقت طويل، لما تزرع، في ظهيرة مُشمسة، وتظن ظنًا كاذبًا، أن التربة عاطبة! فجأة!!- أحيانًا تحدث مقدمات، قبل مانسميها بالفجأة، لكننا لا نفقه البدايات!- يُمطركَ الله بأن مازرعته، لم ينبته لك وفق تصورتك أنت، بل وفق تدبيره وحكمته، وهذا ما يحدث مع المعلمة في أوقاتٍ كثيرة، تقول معلومات كثيرة، وتجري نقاشات وحوارات، ولا تدري أنها قد ألقت بذور، تكفل الله بعنايتها وإنباتها، يأتي في يومٍ لا تتوقعه، يربط أحد الصغار، كل ما يتعلق بموضوعٍ ما، ويخبره المعلمة، كنص تعبيري واضح، عندها، تدرك المعلمة، شيئًا واحدًا: أنّ الأمر كلّه بيد الله.

هذه الخمسُ عشرة دقيقة، هي النافذة التي تجعلني أتطلع على قلوبهم النقية، وفي قلب كل واحد منهم تساؤل أو مجموعة من التساؤلات، منهم من يُبدِ ذلك، ومنهم من يُجيد إخفاؤه، يأتي دورك في إظهار كل ما لديكِ، شيئًا فشيئًا سيظهر الذي أخفاه، ربما، أو ربما يوافق قولك، شيئًا في نفسه، فيسكن وجدانه.

فترةُ القرآن، عظيمة عن الله، لو أعطتها المعلمة حقها وقدرها، إعطاء القدر، لا يعني الكثير، أقول هذا بالتجربة! إعطاء الحق بأيسر الطرق، يكفي أن تعطيه بكامل الشعور. الطفل لا يعنيه أن تخبره أن خازن الجنة لن يفتح الباب لأحد سوى لمحمد صلى الله عليه وسلم! هكذا بوجهٍ مُصمت. كل المعلومات ستفنى، وسيظل الشعور الذي تورثه في قلبه وروحه وفؤداه.

في لقاءات القرآن التي كنا نتحدث فيها عن الجنّة، كان أكثر من طفل يصرخ، يرددون: متى ندخل الجنة؟ وكان أحدهم يقول: “أبغا أموت دحين عشان أدخل الجنة!!” ملاحظة: شرحت له أن بوابة الدخول للجنة العمل الصالح، مهما تمنى الإنسان الدخول، دون العمل، لن يفيده ذلك، ربنا وهبنا الحياة، حتى نستكثر العمل الصالح” استكانت نفسه، وابتسم. هذا الشعور الصادق، هو الباقي، أما معلومات الجنة، سيعلمونها مثلما علمتها! 

الحمدُ لله

Share

وكنتُ لروضة أوّل،معلّمة!

29 مايو 2015


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

door

كان لا يرغب، ورغم أنه غير راغب لما حدث، لكنه قرّر أن يمضي مُستعينًا بالله، قوّاه الله وشدّ من أزره، فلم يستمع لآراء من حوله بأن ينثني عن قراره، وعلى الرغم من علمه بأن نصائح من حوله، ما أتت إلا من حُبهم له، ومن خوفهم بأن يزيد بلاء على بلاءه،لكنه ورغم تكرار المحاولات، ثبّته الله.

قلبي الذي كان مُعلّمًا، مُعلّمًا لأطفال الثالثة،قلبي الذي أحبّ ما هو ليس بالحُسبان، قلبي الذي علّمه الله، فعلّمني كيف أكون مُعلّمة. هذه التدوينة هي الأخيرة، آخر تدوينات كوني (كنت) معلمة روضة أول.

ما الذي علّمني الله خلال العام الدراسي؟ وإن استكثرتُ في الكتابة، واستطلت، فلن أُحصي ما أنعم الله قلبي به. لكنّها محاولة لإحصاء ما يُمكن إحصاؤه.

أوّل ما علّمني الله هو أنه لن تُصقل حقّ الصقل إلا إذا خرجتَ من منطقة الراحة التي اعتدتها! ولا أقصد بذلك بأنّ كوني معلمة سابقة للمراحل العُليا لم يصقلني ، لكنّها مقارنة بأطفال الثالثة، تعدّ كارثة! ولستُ أبالغ بهذا الوصف! ومازاد العُسر على قلبي هو كوني لستُ أمّــًا بعد! لم يتبيّن لي هذا الأمر، إلا حين كان قلبي يرقُب صديقتي أفنان ، كنت أجد ما عسُر عليّ ، يسّره الله لها ، فكانت تأخذ مني الكثير من المهمات في بداية الأمر، وكنتُ لا أجدُ حرجًا في تفويض الكثير من المهام التي لم أملك أدنى فكرة في كيفية تخطّيها بسلام . وماكان يزيد عجبي وتعجّبي ، هو إنهاءها للمهمة بأسهل طريقة! ومن سهولة الطريقة، لم تخطر على بالي!

وهذا ثاني ما علّمني الله إياه، أطفال الثالثة، يرضون بالقليل والبسيط من الأشياء، وإن كان أطفال مرحلة الروضة عمومًا طاهرون لم تتلوث قلوبهم، لكن تبدو هذه الطهارة مُشعّة في قلوب أطفال الثالثة، الأمر الذي يسهّل على المعلمة جذب انتباههم.

في المرّات التي كانت الفوضى هو عُنوان حالنا في الفصل، طفل فوق الطاولة يقفز، وآخر تحتها يمارس هواية الزحف! وآخر يتفنن في كيفية إغلاق الباب بأقوى صورة، ورابع قد زيّن الحائط برسومات ابداعية.. بكل هدوء تأتي أفنان، تجلس في الحلقة، قد تُحضر سبورة صغيرة وقلمًا ، وتجمع حولها الأطفال الهادئون، وتشكّل حلقة صغيرة حولها، علمتُ فيما بعد أن جذبها لهؤلاء الأطفال، هم عامل جذب للبقية، المهم وتبدأ بسرد حكاية، عن ابنتها (موني) وابنها (هشومي). كنت أحدّث نفسي في قرارتها وأقول: ” بالله هادا وقتو!!!!!!” لكنني كنت انظر وانتظر … المهم تبدأ في تخيل أحداث حصلت لابنيها ، وتقصّها للأطفال بطريقة الرسم، وبشكل لا إرادي، يبدأ الأطفال بالتجمع شيئًا فشيئًا، فتكبر الحلقة التي كانت صغيرة، حدث هذا غير مرّة، الأمر الذي أكّد لي بأن كثير من المواقف إن تعاملنا معها بهدوء ورويّة ، سنجني بإذن الله النتائج المنشودة.

تعلّمت هذا الأمر من أفنان، وبدأت أطّبقه، أن أتخيّر أبسط الأشياء! وهذا ما لم اعتد عليه. وفي كل مرة يوفّقني الله وينجح الأمر، يسعد قلبي كثيرًا، بأني تعلمت طريقة جديدة!

ومع مرور الوقت، راقت لي الفكرة! فصرتُ أُبدع في طُرق اختيار أبسط الأشياء، وأختار أكثر طريقة فُكاهية لتنفيذها فأنفذها، الأمر الذي يبدو تافهًا جدًا للمارّين! لكني كنت لا أجد حرجًا في ذلك أيضًا.

وأذكر بأني ” زوّدت العيار شويّة ” ، ذات مرة ، كنا نلعب في الخارج، وكان الأطفال يشعرون بالملل ، وبدؤوا يتذمرون ويفتعلون المشاكل! المهم قررت إنهاء الموقف بأول فكرة تخطر على بالي ، وهذا ما فعل!

أخبرتُ الفتيات بأني سأجري والتي تُمسك بطرف شعري هي الفائزة، وكنت أربطُ شعري كذيل الحِصان، استمتعنا بالركض والضحك، ولم أشعر بفداحة ما فعلته إلا حين تزامن إمساك سارة لشعري ونشوتها كونها الفائزة، وحدوث مشاجرة باليد بين اثنين من الأطفال الذكور !!!! يحدث هذا وسارة تشدّ شعري للأسفل وتقول :” أنا مسكتووو يامعلمة .. أنا فزت” لم تقتنع سارة بأن تترك شعري، حتى لايضيع جُهدها هباء منثورًا، رغم انتباهها لضرورة توقفي عن اللعب لإنهاء المشكلة، المهم لم أكن أملك الوقت، فما كان مني إلا أن أصبحتُ أحل المشكلة وأنا برأس مائل للأسفل!

ومما أكرم الله به قلبي ، أن أراهُ أكثر ما رغب فيه، أن يتعلّق الأطفال بالله، لم يكن يُرضيني أن يعرفوا إجابة : من ربك؟ كان سقف توقعاتي منخفضًا ، ولأسباب سبّبها الله لي ، ارتفع وشهق، فأصبحت للمزيد، طامعة!

فترة القرآن من أكثر الأوقات التي يكون فيها قلبي مترنّمًا، أشعر فيه بأن إيماني يتجدد، رغم بساطة ما نخبرهم به، لكن ردات فعلهم وهدوءهم، السكينة التي أراها على ملامحهم الصغيرة، ابتسامتهم حين أخبرهم بأن الله حفيظ ورحيم ونضرب أمثلة بذلك،أطفال الثالثة يُظهرون ردات فعل سريعة وواضحة، وهذه في فترة القرآن ، نعمة كبيرة!

تعلّمنا في الفصل الدراسي الثاني عن سورة الفاتحة، وآية الكرسي. كنا نتعلم عن أسماء الله الحُسنى في السورة، وعن أفعاله، المهم سألتهم مرة : من يخبرني بأشياء خلقها الله عددها واحد، مثل آية الكرسي؟ قالوا أشياء كثيرة،ومن خلالها تعرفنا على عظم خلق الله ، قلب ، أنف ، فم ، لسان، معدة ، شمس ، قمر .. المهم وأصبحت كل يوم أخبرهم بنفس السؤال ، ويندر أن يجدوا شيئًا جديدًا مالم ألفِت انتباههم له. سألتهم بعد مرور شهر تقريبًا، ذات السؤال، وأنا لا أتوقع إلا كما السابق ، فاجئني الله بإجابة إبراهيم ، قالها وهو مبتسم :” معلمة الله بس واحد ” .. يا الله ما أكرمك.

سارة، التي أشغلتها فكرة أن الله ( لا تأخذه سنة ولا نوم ) بعد أن أخبرتهم أن (ماما ) مهما كانت تحبنا ، فإنها تتعب وتنام، فمن يحفظنا إن حدث لنا سوء حينها؟ المهم ومنذ ذلك اليوم ، حتى أصبحت سارة تسألني ثلاث أو أربع مرات على الأقل، خلال اليوم وفي أوقات مفاجئة، أثناء تناولها للوجبة، تقول :” معلمة .. معلمة .. معلمة.. ” تنتظر مني أن التفت إليها بينما أنا منهكمة مع أطفال آخرون، وقد يمضي الوقت ولا انتبه لندائها، لكنها ولأن شيئًا عميقًا في داخلها، يدفعها لأن تستمرّ بالنداء، حتى تنبّهني إحدى المعلمات المارّات أحيانًا بأن سارة تناديني منذ وقت، فأتوقع بأنها تحتاج لمساعدة في فتح أحد مكونات وجبتها، فتقول: ” معلمة إيش يسير لو الله نام؟ ” هي تريد مني الاستماع فقط ، أصبحتُ أعلم السيناريو، فأصمت وأُبدي ملامح الدهشة على وجهي ، وأقول لها : ” انتي قوليلي ايش يسير؟ ” فتقول : ” بعدين مين يحفظنا ؟ ويرزقنا؟ ويساعدنا ؟ ” .

مما علّمني الله به، أن مزيدًا من الصبر، ينفع ولايضرّ ! مع أطفال الثالثة، أنت لا تحتاج لأن تكون شخصًا صبوراً فقط! بل تكون صابرًا مُتصبّرًا . تعلمت كيف أضع الصبر على الصبر ، حتى أكون مُتصبّرة. وفي مرات كثيرة، وفّقني الله لأن أكون كذلك. ولا أعلم بأني نجحتُ بذلك إلا إذا خرجتُ من الفصل ولستُ بغاضبة .

في المرات التي نضطر فيها أنا وأفنان ، لأن نكون معهم ثلاث ساعات متواصلة، وينتهي الأمر دون أن أشعر بأني ، مُستفزَّة، حينها يأتيني الخبر بأني قد اجتزت! والحمد لله.

 مما علمني الله هو أنّ أكون بمثابة ” السايس” للأطفال العنيدون صعبو المراس ! أذكر أني حضرتُ عرضًا لمدرب وكيف أنه استطاع التعامل مع الحيوانات المفترسة، حسنًا حين دخلت العرض، وضعت في الحسبان، أن الحيوانات المفترسة،هم الأطفال العنيدون، إذا واجهني طفل عنيد،غضوب، كيف أتصرف؟

المهم كان العرض على فقرتين، أسود، ونمور، بدأ بالنمور، ثم أدخلهم بالإشارة، وأخرج الأسود، لكن نمرًا عنيدًا أبى إلا أن يجلس ويتربع في مقدمة المسرح! حسنًا حاول المدرب أن يدخله ” بالسياسة” يحدثه ويشير له، ولمّا أبى ، تركه مستلقيًا ، وأمضى عرضه كما ينبغي ، ما الذي حدث ؟ بعد فترة وجيزة، دخل النمر بمفرده، دون توجيه!

أصبحتُ في كثير من الأحايين أستخدم الأسلوب ذاته، ولما لم يُجدِ الأمر نفعًا، أتركه على مرأى من عيني ، وأمضي في النشاط، العجيب بأن الطفل ذاته، في كثير من الأحيان ، وبعد أن تذهب فورة غضبه وعناده، ينتظر مني ابتسامة أو إشارة؛ليعود! ولما فهّمني الله، ففهمتهُ، أصبحت انظر إليه وابتسم من بعيد، فيأتي ليعانقني وقد يخبرني ما لم أستطع فهمه خلال ساعة ! أعترف بأن الأمر لا ينجح دائمًـا ، لكن في مرات كثيرة ، رأيت في ذلك نفعًا.

بعض أطفال الثالثة،صعبوا المراس، علموني كيف أعانقهم، وفي داخلي بركان من غضب ، مما قاموا بفعله من تخريب وشغب، لكن قليل من الصبر ، على صبرك، يُجدي بإذن الله.

مما علّمني الله ، أن أتدرج ، حتى أرى الثمار يانعة ، تسرّ الناظرين. وهذا ما فعلته في تعليمهم للمفاهيم. كنا نخبرهم بداية في توجيه السلوك بأنه صحيح وخاطئ ، ولما أدركوا ، انتقلنا بأن العمل الصحيح هو خير، والعمل الخاطىء هو شرّ ، وكررناها ماشاء الله لنا أن نكررها ، ثم ارتقينا لمفهوم الصلاح والفساد، هناك أعمال صالحة، وأعمال فاسدة غير صالحة، في البداية كانوا يكثرون السؤال: إيش يعني خير ؟ لكنهم مع اعتيادهم على انتقالاتنا المتدرجة والمخطط لها، لم يسألوا عن معنى الصلاح والفساد. لكنهم حين يرون موقفًا ، يستطيعون تصنيفه فيما لو كان صالحًا أو غير صالحًاه.

كما أن الله أكرمني ولأول مرّة، أن أتأمل تقلبّات الإنسان النفسية، من كونه يحب التملّك، وكيف أنه يتعلم الانفصال، ويدرك أن ليس كل ما حوله هو مِلك له! أطفال الثالثة، كانوا ملتصقين جدًا بنا،وشيئًا فشيئًا، ينفصلون عن معلماتهم وأمهاتهم ، حتى وصل الحال لنهاية العام بأن بدؤوا يكوّنون صداقات ، ويميل أغلبهم للعب الجماعي، بعد أن كانت طريقة لعبهم فردية! ينموا عندهم حب الصداقة، والولاء للصديق،كما تنمو عندهم بذرة المشاركة والإيثار للصديق.

حسنًا ، لا أدري إن كنتُ قلت كلّ ما أريد قوله ، آخر ما أريد قوله ، هو أنّني في بداية العام، كان بابُ قلبي مُغلقًا، أما الآن وقد وصلنا لنهاية المطاف، أصبح باب قلبي، مُواربًا ، مكّنني الله بالتجربة بأن أجعله مُواربًا ، تُمكنني تلك الفتحة الصغيرة من رؤية عالم كبير، عميق.

سطر أخير :

أطفالي الأربع والعشرون : أنتم أبنائي الذين لم ألدهم، أنتم الحبّ الذي لم أتوقعه.
أفنان: كنتِ في عينِ الجميع ، معلمة روضة أول ، وكنتِ لقلبي ، الأمّ الرؤوم، الحمدُ لله على نعمة أكرمني الله بها،عنوانها أنتِ.
مشرفتي أ.هبة: انتهى الأمر على عكس ما ابتدأ ، أحببتُ فيك أشياء كثيرة، كنتِ مشرفة بقلب المعلمة، جوزيتِ خير الجزاء.
مديرتي أ.أماني : أنتِ لقلبي المشرفة الأولى ، التي شقّت طريقي وصحّحت مساري، أكرمكِ الله بما يُكرم به أولياءه.
صديقاتي وأخواتي: دعاء،حنان،نوف،نهى،رنيم،عفت،صابرين،أمل،خلود،أمل،لينة،سمية،بيان،هبة،أنوار،إلهام،مها / أحبكنّ يامعلمات تعلمتُ منهن الكثير ، شكرًا لكل مساندة قمتنّ بها علانية أو خفاء، ممتنة لله على هبته لقلبي ،بكنّ.

 

وحان الوقت الذي أقول فيه : وكنتُ لروضة أول، مُعلّمة!

الحمد لله الذي بنعمته الصالحات

Share

المعلمة المكروفة .. مُمتنة !

2 يناير 2015

 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

blessing

من المفترض أن أكتب هذه التدوينة منذ ثلاث أسابيع أو أكثر ! لكنني تأخرت ، ورغم تأخري، لم أتوقع أني سأكتبها خلال هذا الشهرين ! لأني لم أتوقع أني سأجد فارقًا يُذكر خلال الفصل الدراسي الأول ، لكنه الله الذي يُدهش حين يعطي ، وما أجمل عطاياه ، فله الحمد في الأولى والآخرة .

تذكرون تدوينة ” سويت حمام ” ؟

أشياء كثيرة تغيرت ، غيّرها الله ، وأبدلنا خيرًا منها ، فما عاد موضوع ” الحمام ” هو شغلنا الشاغل أنا وأفنان ! انتهى هذا الهاجس لدى كثير من الأمهات ، ولم يبق إلا القلة الذين لم يتعلموا عليه بعد . سبحان الذي يُطمئن القلوب بعد خوفها .

حسنًا ، لأنني أملك أشياء كثيرة أرغب في حكايتها ، لنبدأ من البداية ، كيف كانوا وكيف أصبحوا .

يبدأ يومنا بدخول صغارنا للفصول ، يمضي الربع الأول من الساعة الأولى بالتلوين ، صغارنا كانوا يدخلون ويركضون في أنحاء الفصل ! لا يدرون بأي نوع تخريب يبدؤون ! الآن يدخلون والكثير منهم تعلموا أن يسلموا عند دخولهم ، وأجمل ما قد يسمعني الله إياه حين ينسى أحدهم فيذكره آخر بأن يُسلّم . يجلسون بمفردهم على الكراسي ، صحيح أنهم لا زالوا يلونون بشكل عشوائي ، لكن أفنان بدأت تلفتهم لفكرة التلوين داخل الحدود ، أعجبتهم الفكرة ! أتقنها البعض بطريقة عجيبة ، حتى إحدى الأمهات علّقت على الفرق الذي لاحظته في تطور ابنتها .

أطفالنا يعيدون الكراسي لمكانها ، وحين ينسون ، نخبرهم أن الكراسي حزينة ! فيدركون تأويل حزنها ، فيسارعون الركض وإعادتها داخل الطاولة . الشيء الذي كان لا يجدون أهمية لفعله ، الآن يفعلونه بشكل لا إرادي . فلله الحمد .

تبدأ الحلقة ، كنا نختصرها لعشرون دقيقة وتمضي العشر الباقيات من الدقائق بأن نلعب ! أما الآن ، بإمكاننا إتمام الوقت المفترض للحلقة ، ثلاثون دقيقة متواصلة ، وأغلب الأطفال على السجادة ، يجلسون ! يا الله ، ما أكرمك !

 فيما مضى ، تكون الأسئلة الموجهة لهم ، تشبه بعضها ! لا يدركون الإجابة الصحيحة لكل سؤال ( السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، كيف حالكم اليوم ؟ كيف أصبحتم ؟ .. الخ ) قد يقولون طيبون الحمد لله بعد أن سلّمت عليهم ! لكنهم الآن يحرصون على رد السلام كاملاً ، بعد أن قمنا بعدّ كلمات السلام ، وأخبرناهم أن الذي يرد السلام كاملاً ، يعطيه الأجر والحسنات كاملة.

ومن أعظم ما تعلموه بفضل الله إجابة ( من ربك ؟ ) تجدهم يجيبون وأفواههم تتشدق فرحة ! . تنتهي الحلقة ، لتأتي الوجبة الأولى ، كان يؤلمني منظر الأطباق بعد انتهاءهم منها ، وكثير من الساندويتش لم يُقضم بعض ! الآن تعلم الكثير منهم بفضل الله أن يأكلوا أطراف ” التوست ” الأمر الذي يشكل لدي أزمة !  بالمناسبة ، أخبرتني إحدى الأطفال : معلمة تبغيني آكل العظم ؟؟!

كنت أكافئ الذي يأتيني بطبقه فارغًا ، بأن يختار لون الكأس الذي يحبه ليتنعم بشرب العصير ، أما الشخصيات العنيدة ، فكنت أقدم تنازلات ، كنت أقسم طرف التوست لقسمين ، فأخبره بأن يكتفِ بأكل النصف ، نجحت مع من يريدون أن “يمشي رأيهم ” !

أما وقت الوجبة الثانية ، فما عادت ” كبسة” على قلبي ، تعلم أغلبهم ، أن يفتح حقيبته بنفسه ، ويخرج وجبته ، والأهم : أن يعيد الحقيبة لمكانها .

أصبحت أشاركهم الطعام ، بأن أحضر وجبتي ، وآكل معهم ، وفي الغالب ، يأكلون وجبتي !

كنت أكافئ الذي ينتهي من وجبته بأن يأخذ حظه من الكاجو أو اللوز أو الزبيب ، وفي يوم آخر شاركتهم الرمان . فما أكثر سعادة هذا الذي وافق وجبته وجبة المعلمة ! كالحليب الذي سبب أزمة مؤقتة لأحد الأطفال ، يرمقني بنظرات ، ولم يستطع إكمال ما طال كتمه ، فأصبح لا يكف عن قوله : شوفووو معلمة إيناس ززززييي ، معاها حليببببب أبييييض ! يقصد حليب سادة بدون نكهات ، ويريد بذلك إغاظة أصدقائه الذين لديهم حليب بنكهات !

أما وقت اللعب ، فأصبحت أثق بهم أكثر مما مضى ، الكثير يلتزمون عند حدود اللعب التي نضعها سويًا ، ويا لسعادتي حين تخبرني إحداهن بعد أن اجتازت لعبة التوازن بمفردها ، فتقول : ” معلمة شوفي الله ساعدني ” أو أسمع أحدهم يقول  : ” يارب ساعدني ” هذه الألفاظ القصيرة ، تظهر لك ما ينمو في قلوبهم الصغيرة ، فياربّ قدّرنا ومكّنا .

وبهذا الخصوص ، قالت لي ابنة أختي مرة : خالة نوسا خلاص أنا ما احتاج الله يساعدني مرة ! سألتها : ليش ؟ أجابتني بعد أن شخصت ببصرها للأعلى : “خلاص يا رب مررة شكرًا لا تساعدني لأني سرت أعرف أكتب اسمي لحالي ! ” الأطفال يفاجؤونك بمواقف ، قد لا تملك إجابة مقنعة إن لم يلهمك الله أو يفتح لك فيها .

رغم أن أطفالي قد كبروا عقليًا إلى حد كبير ، لكن مواقفهم المضحكة ، لم تكبر بعد ، بل ازدادت وتضخمت .

في أحد المرات التي كنا نلعب فيها لعبة تخيلية عن طهي الأرز ثم توزيعه لباقي المجموعة ، اخترت أحدهم ليساعدني في الطهي ، فكان يوزع الأرز على الأطباق ويصدر صوت تخيلي بأنه يضع شيئًا فوق شيء ، يقول : ” شيك .. شيك ” المهم أن أحد آخر أصلحه الله أكل من طبق صديقه ، يريد مداعبته ، أصاب الأخير نوبة بكاء ، وغضب ، لا تسألوا عن حالي حين قال : شيك شيك .. ودموعه تتساقط ، حيث أنه اغترف من حصة صديقه الذي أكل أرزه ، فوضع الأرز الخاص بصديقه في طبقه وأكله !

تعلمنا سويًا مراحل نمو الجنين ، ركزت لهم على مرحلة العلقة ، ثم ينمو الجنين ويكبر ، المهم انتهت الحلقة ، قام الجميع استعدادًا للوجبة إلا واحدًا أبى أن يقف ، سألته : مابك ؟ قال : ” أبغى تاني مو بس كدا – ورفع اصبعًا واحداً – أبغاها كدا وكدا – رفع العشر أصابع وكررها مرتين ! المهم تشرّب هذا الطفل هذا المفهوم خلال ثلاث أيام وأنا أخضع لما يرغب به ، أصبحت أعيد الصور عليه في اليوم أكثر من 3 مرات ! حتى بدأت الفكرة ” تعشش ” في دماغه ، فقال وهو مبتسم : ” معلمة .. ترى ماما أول طاحت ، وبابا شالها ،طلعت حامل .. وبطنها فيها علقة صغيرررة ” حين أخبرتُ والدته ، لم تتمالك نفسها من الضحك ، وأكدت لي بأنه أصبح يرغب في رؤيتها حامل ، وفي رؤية ” علقتها ” .

ومن أكثر ما أثر فيّ ، حين جاءتني إحدى الأمهات ، ثم أخبرتني وطفلها يقف مطأطئ الرأس ، مقطب الجبين : ” معلمة إيناس عندنا مشكلة ! ما عاد يبغانا أنا وأبوه ! يقول يبغا يعيش معاك ، ويقول بيودي أشياءه عندك ! ” حدثته بعد أن مسحت على رأسه ، بأن يأتي في الغد لنكمل اللعب ،لا أدري كيف انتهى الموقف ، والذي سبقه بأن يخبرني هذا الطفل بأنه يحبني كثيرًا واحتضنني.

ما أثر فيّ هو أنه كان من أكثر الأطفال الذين لا أجد له مكانة في قلبي ، وكنت حانقة على نفسي لهذا الشعور ، وخلال أسبوع ونصف ، عاهدت نفسي أن أعرّض نفسي له ، أجبر نفسي أن أتقبله على الأقل ! فكنت أتعمد اللعب معه ، وأنا لهذا الفعل كارهة ، وأقرأ معه القصص ، واستمع لحكاياته التي لا تنتهي ، انتهى بي الأمر لأجد أني أفعل هذه الأمور بطيب نفس ، فأكرمني الله بجميل حديث والدته .

لم يتبق الكثير على الفصل الدراسي الأول ، وأكرمنا الله بكل هذا ! قد يقول القارئ ، الذي لم يجد شيئاً يستحق أن يدون من أجله ، لمَ كل هذا ! لكني حين أقول كل هذا ، فإني أعنيها ! تعلمت من خلال عملي مع أطفال روضة أول ، أن انتبه لتفاصيل صغيرة ، قد تبدو عادية جدًا لمن انشغل بالأمور الكبيرة . وفي كلٍ خير .

أتساءل : ما الذي سيدهشني الله به في الأشهر القادمة ؟ أنا التي لم تضع أي توقعات كبيرة في أول الأمر . لكنني وبعد أن أراني الله ما أحب ، أطمع بالمزيد !

الآن وقد قطعنا شوطًا عسيرًا في ظاهره ، يسرّه الله في بواطنه وبقية تفاصيله . أقول الحمد لله الذي بنعمته تتمّ الصالحات ، فالشكر له أولًا وأخيرًا .

أطفالنا الآن يعلمون كيف يردون السلام ، يجيبون على سؤال من ربك ، يفرقون بين الحسنة والسيئة ، وبين عمل الخير والشر ، يعلمون أن الذي يعطينا ويمنع عنا هو الله ، وأن الذي يساعدنا ويعيننا هو الله . وهذا ما رغبنا فيه ولم نتوقع أن يرينا الله الثمرة في وقت قصير .

شكرًا لصديقتي ومعلمتي قبل أن تكون شريكتي في الفصل ، أفنان ، تعلمت منك الكثير ، تحملين قلب الأم ، وهذا ما يجعلُ منك معلمة متميزة .

شكرًا لمشرفتي أ. هبة ، على تفقدك لرعيتك بين الحين والآخر، ولمساعداتك الصغيرة ، الكبيرة عند الله .شكرًا لمديرتي أ. أماني ، في كل مرة تُخبرينني بأن أطفال روضة أول لهذا العام مختلفون عن الذين سبقوهم ، أشعر بالمسؤولية أكثر  . 

شكرًا لكل صديقاتي المعلمات الذين يفاجئونا بدخولهم للفصل ، وإحداث خير صغير ، كان هو جلّ ما نحتاجه ، كفضّ نزاع ، أو التحدث مع أطفالنا فينصتون لهن .

شكر خاص لصديقتي لينة ، ممتنة لله ثم لجهودك في كل مرة تدخلين فيها إلينا ، فتنشدين لهم ،فيهدؤون.

Share