أرشيف الوسم ‘معلمة’

فُرْجَة-2

20 فبراير 2016

 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

القرآن

لمّا كان صغاري، في الثالثة، كنتُ أخبرهم، في فترة القرآن، أشياء كثيرة عن الله، أذكرُ صمتهم، أذكرُ دهشتهم رغم عدم استيعابهم الكامل لكل ما تقوله المعلمة! لكنها الفطرة السويّة، هي ماكانت تُعينني ومازالت، على أن يصمتوا، وعلى أن يندهشوا، وعلى أن يطلبوا المزيد.

في الثالثة، كانوا مُتعطشّين- وفي الرابعة زاد الظمأ!- لكن عطشهم كان مُقتصرًا على السماع فقط، بينما في الرابعة، ظمأهم لأن يُشاركوني تساؤلاتهم، أفكارهم عن أشياء كثيرة تسكنُ نفوسهم الصغيرة، نقاشات تُغيّرني دون أن يعلموا.

بدأنا في التعرف على سؤال من نبيّك؟ شرحتُ لهم معنى النبأ، استخدمناها في جملٍ كثيرة، أنبئي صديقك، أنبأنا أحمد، أنبأت يارا… ماهو النبأ الذي أنبأتنا به سارة؟ حتى وصل بنا الأمر للتعرف على مُحمد صلى الله عليه وسلم، كان أول انطباع عنه، أنه الله.

حينها كانت الدّهشة، حين أخبرتهم أنه إنسان مثلنا، يأكل ويشرب، ولديه أولاد ومسكن، ولديه أصدقاء، ظللنا أسبوعين نفرّق بين الربّ والنبّي، وكل يوم وبعيدًا عن المبالغة، يستمتعون بإعادة السيناريو ذاته، وبمتعة بالغة، يامعلمة ترى النبي كان عنده أولاد وكان يضحك وكان وكان…. ثم بدؤوا يجدون الفارق الأكبر بأنفسهم، أن الرب وحده مدبّر الكون، يامعلمة يقدر النبي ينزل المطر؟ يقدر النبي يخلي الشمس تطلع؟ يسألون، انظر إليهم، يجيب بعضهم بعضًا، أردد: الحمدُ لله.

تزيدُ نشوتي، لمّا يُشيرون إلى اسم جبريل عليه السلام، في البطاقة، لما نردد عقيدتنا في القرآن، أسألهم: من هو جبريل؟ يقولون هو المَلَم فتقول الطفلة مَلَك-مُفتخرة بأن اسمها كذلك!: “أصلاً ربنا خلق ملَك مرة كتير، واختار جبريل عشان…  القرآن” هذا الأسلوب الركيك، يُسعد قلبي أيضًا.

في الأسابيع الأخيرة، غدا حديثنا عن الجنّة، وصفها، ونعيمها. كان أقصى ما يعلمونه عن الجنّة هو أن الإنسان سيرى الله فيها، وأن الجنة (فيها كل شيء) الآن، صغاري بفضل الله، يعلمون أمورًا لم يكونوا يعلمونها، ولم أكن شخصيًا أعلمها، تعلمناها سويًا.

في كل يوم، كنت أخبرهم، كانوا يظهرون ردة فعل تحرّك في قلبي شيئًا يظل مفعوله وقتًا طويلًا! هذا المفعول يدفعني للعمل، والبحث، تلك الحركة الخفيّة في قلبي، تدبّ في أوردتي همّة واجتهادًا. فياربّ اجعله خالصًا لوجهك الكريم.

من جُملة ما تعلمناه عن الجنّة، أنّ أهل الجنة، قد يأكلون وهم متكؤون أو متمددون وهذا لا يؤذي أجسادهم، بعكس الدنيا، المهم، في وقتٍ آخر، بعد أسبوع تقريبًا من تعلمنا لهذه المعلومة، عرضتُ فيديو وقد نسيتُ تمامًا أمر الأكل في الجنة! كان الفيديو يعرض سلوك طفل يأكل وهو متكئ، فقال إبراهيم: “يا معلمة شوفي يحسب نفسه في الجنة!“… واسعدَ روحي ياربّ.

أخبرتهم عن بحار الجنة، بحرٌ من لبن وبحرٌ من عسل، لن أحدثكم عن ملامحهم الصغيرة، كيف تغيرت، فور معرفتهم بالخبر اليقين! كان هذا في الساعة الثامنة والربع، في الساعة الثانية عشر ظُهرًا، قدّر الله أن تحوي وجبة يارا على لبن، حتى تذكر نعيم الجنّة! قالت: “أصلًا في الجنة، حأشرب من بحر اللبن” أيقنتُ أنّ أخبار النعيم، لا تُنسى، ويذكرها الإنسان، ولو وسط الزحام.

سألتهم:” تتوقعوا من أول من يدخل الجنة؟” حقيقة سألتهم وأنا لا أتوقع إجابة منهم! فاجئني الله بأن الجميع قد أجاب، دون أدنى تلميح مني! نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، سألتُ جود، لماذا؟ قالت: “لأنو علّم الناس القرآن“.

أكثر ما قد يجعلك تسعد لوقت طويل، لما تزرع، في ظهيرة مُشمسة، وتظن ظنًا كاذبًا، أن التربة عاطبة! فجأة!!- أحيانًا تحدث مقدمات، قبل مانسميها بالفجأة، لكننا لا نفقه البدايات!- يُمطركَ الله بأن مازرعته، لم ينبته لك وفق تصورتك أنت، بل وفق تدبيره وحكمته، وهذا ما يحدث مع المعلمة في أوقاتٍ كثيرة، تقول معلومات كثيرة، وتجري نقاشات وحوارات، ولا تدري أنها قد ألقت بذور، تكفل الله بعنايتها وإنباتها، يأتي في يومٍ لا تتوقعه، يربط أحد الصغار، كل ما يتعلق بموضوعٍ ما، ويخبره المعلمة، كنص تعبيري واضح، عندها، تدرك المعلمة، شيئًا واحدًا: أنّ الأمر كلّه بيد الله.

هذه الخمسُ عشرة دقيقة، هي النافذة التي تجعلني أتطلع على قلوبهم النقية، وفي قلب كل واحد منهم تساؤل أو مجموعة من التساؤلات، منهم من يُبدِ ذلك، ومنهم من يُجيد إخفاؤه، يأتي دورك في إظهار كل ما لديكِ، شيئًا فشيئًا سيظهر الذي أخفاه، ربما، أو ربما يوافق قولك، شيئًا في نفسه، فيسكن وجدانه.

فترةُ القرآن، عظيمة عن الله، لو أعطتها المعلمة حقها وقدرها، إعطاء القدر، لا يعني الكثير، أقول هذا بالتجربة! إعطاء الحق بأيسر الطرق، يكفي أن تعطيه بكامل الشعور. الطفل لا يعنيه أن تخبره أن خازن الجنة لن يفتح الباب لأحد سوى لمحمد صلى الله عليه وسلم! هكذا بوجهٍ مُصمت. كل المعلومات ستفنى، وسيظل الشعور الذي تورثه في قلبه وروحه وفؤداه.

في لقاءات القرآن التي كنا نتحدث فيها عن الجنّة، كان أكثر من طفل يصرخ، يرددون: متى ندخل الجنة؟ وكان أحدهم يقول: “أبغا أموت دحين عشان أدخل الجنة!!” ملاحظة: شرحت له أن بوابة الدخول للجنة العمل الصالح، مهما تمنى الإنسان الدخول، دون العمل، لن يفيده ذلك، ربنا وهبنا الحياة، حتى نستكثر العمل الصالح” استكانت نفسه، وابتسم. هذا الشعور الصادق، هو الباقي، أما معلومات الجنة، سيعلمونها مثلما علمتها! 

الحمدُ لله

Share

وكنتُ لروضة أوّل،معلّمة!

29 مايو 2015


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

door

كان لا يرغب، ورغم أنه غير راغب لما حدث، لكنه قرّر أن يمضي مُستعينًا بالله، قوّاه الله وشدّ من أزره، فلم يستمع لآراء من حوله بأن ينثني عن قراره، وعلى الرغم من علمه بأن نصائح من حوله، ما أتت إلا من حُبهم له، ومن خوفهم بأن يزيد بلاء على بلاءه،لكنه ورغم تكرار المحاولات، ثبّته الله.

قلبي الذي كان مُعلّمًا، مُعلّمًا لأطفال الثالثة،قلبي الذي أحبّ ما هو ليس بالحُسبان، قلبي الذي علّمه الله، فعلّمني كيف أكون مُعلّمة. هذه التدوينة هي الأخيرة، آخر تدوينات كوني (كنت) معلمة روضة أول.

ما الذي علّمني الله خلال العام الدراسي؟ وإن استكثرتُ في الكتابة، واستطلت، فلن أُحصي ما أنعم الله قلبي به. لكنّها محاولة لإحصاء ما يُمكن إحصاؤه.

أوّل ما علّمني الله هو أنه لن تُصقل حقّ الصقل إلا إذا خرجتَ من منطقة الراحة التي اعتدتها! ولا أقصد بذلك بأنّ كوني معلمة سابقة للمراحل العُليا لم يصقلني ، لكنّها مقارنة بأطفال الثالثة، تعدّ كارثة! ولستُ أبالغ بهذا الوصف! ومازاد العُسر على قلبي هو كوني لستُ أمّــًا بعد! لم يتبيّن لي هذا الأمر، إلا حين كان قلبي يرقُب صديقتي أفنان ، كنت أجد ما عسُر عليّ ، يسّره الله لها ، فكانت تأخذ مني الكثير من المهمات في بداية الأمر، وكنتُ لا أجدُ حرجًا في تفويض الكثير من المهام التي لم أملك أدنى فكرة في كيفية تخطّيها بسلام . وماكان يزيد عجبي وتعجّبي ، هو إنهاءها للمهمة بأسهل طريقة! ومن سهولة الطريقة، لم تخطر على بالي!

وهذا ثاني ما علّمني الله إياه، أطفال الثالثة، يرضون بالقليل والبسيط من الأشياء، وإن كان أطفال مرحلة الروضة عمومًا طاهرون لم تتلوث قلوبهم، لكن تبدو هذه الطهارة مُشعّة في قلوب أطفال الثالثة، الأمر الذي يسهّل على المعلمة جذب انتباههم.

في المرّات التي كانت الفوضى هو عُنوان حالنا في الفصل، طفل فوق الطاولة يقفز، وآخر تحتها يمارس هواية الزحف! وآخر يتفنن في كيفية إغلاق الباب بأقوى صورة، ورابع قد زيّن الحائط برسومات ابداعية.. بكل هدوء تأتي أفنان، تجلس في الحلقة، قد تُحضر سبورة صغيرة وقلمًا ، وتجمع حولها الأطفال الهادئون، وتشكّل حلقة صغيرة حولها، علمتُ فيما بعد أن جذبها لهؤلاء الأطفال، هم عامل جذب للبقية، المهم وتبدأ بسرد حكاية، عن ابنتها (موني) وابنها (هشومي). كنت أحدّث نفسي في قرارتها وأقول: ” بالله هادا وقتو!!!!!!” لكنني كنت انظر وانتظر … المهم تبدأ في تخيل أحداث حصلت لابنيها ، وتقصّها للأطفال بطريقة الرسم، وبشكل لا إرادي، يبدأ الأطفال بالتجمع شيئًا فشيئًا، فتكبر الحلقة التي كانت صغيرة، حدث هذا غير مرّة، الأمر الذي أكّد لي بأن كثير من المواقف إن تعاملنا معها بهدوء ورويّة ، سنجني بإذن الله النتائج المنشودة.

تعلّمت هذا الأمر من أفنان، وبدأت أطّبقه، أن أتخيّر أبسط الأشياء! وهذا ما لم اعتد عليه. وفي كل مرة يوفّقني الله وينجح الأمر، يسعد قلبي كثيرًا، بأني تعلمت طريقة جديدة!

ومع مرور الوقت، راقت لي الفكرة! فصرتُ أُبدع في طُرق اختيار أبسط الأشياء، وأختار أكثر طريقة فُكاهية لتنفيذها فأنفذها، الأمر الذي يبدو تافهًا جدًا للمارّين! لكني كنت لا أجد حرجًا في ذلك أيضًا.

وأذكر بأني ” زوّدت العيار شويّة ” ، ذات مرة ، كنا نلعب في الخارج، وكان الأطفال يشعرون بالملل ، وبدؤوا يتذمرون ويفتعلون المشاكل! المهم قررت إنهاء الموقف بأول فكرة تخطر على بالي ، وهذا ما فعل!

أخبرتُ الفتيات بأني سأجري والتي تُمسك بطرف شعري هي الفائزة، وكنت أربطُ شعري كذيل الحِصان، استمتعنا بالركض والضحك، ولم أشعر بفداحة ما فعلته إلا حين تزامن إمساك سارة لشعري ونشوتها كونها الفائزة، وحدوث مشاجرة باليد بين اثنين من الأطفال الذكور !!!! يحدث هذا وسارة تشدّ شعري للأسفل وتقول :” أنا مسكتووو يامعلمة .. أنا فزت” لم تقتنع سارة بأن تترك شعري، حتى لايضيع جُهدها هباء منثورًا، رغم انتباهها لضرورة توقفي عن اللعب لإنهاء المشكلة، المهم لم أكن أملك الوقت، فما كان مني إلا أن أصبحتُ أحل المشكلة وأنا برأس مائل للأسفل!

ومما أكرم الله به قلبي ، أن أراهُ أكثر ما رغب فيه، أن يتعلّق الأطفال بالله، لم يكن يُرضيني أن يعرفوا إجابة : من ربك؟ كان سقف توقعاتي منخفضًا ، ولأسباب سبّبها الله لي ، ارتفع وشهق، فأصبحت للمزيد، طامعة!

فترة القرآن من أكثر الأوقات التي يكون فيها قلبي مترنّمًا، أشعر فيه بأن إيماني يتجدد، رغم بساطة ما نخبرهم به، لكن ردات فعلهم وهدوءهم، السكينة التي أراها على ملامحهم الصغيرة، ابتسامتهم حين أخبرهم بأن الله حفيظ ورحيم ونضرب أمثلة بذلك،أطفال الثالثة يُظهرون ردات فعل سريعة وواضحة، وهذه في فترة القرآن ، نعمة كبيرة!

تعلّمنا في الفصل الدراسي الثاني عن سورة الفاتحة، وآية الكرسي. كنا نتعلم عن أسماء الله الحُسنى في السورة، وعن أفعاله، المهم سألتهم مرة : من يخبرني بأشياء خلقها الله عددها واحد، مثل آية الكرسي؟ قالوا أشياء كثيرة،ومن خلالها تعرفنا على عظم خلق الله ، قلب ، أنف ، فم ، لسان، معدة ، شمس ، قمر .. المهم وأصبحت كل يوم أخبرهم بنفس السؤال ، ويندر أن يجدوا شيئًا جديدًا مالم ألفِت انتباههم له. سألتهم بعد مرور شهر تقريبًا، ذات السؤال، وأنا لا أتوقع إلا كما السابق ، فاجئني الله بإجابة إبراهيم ، قالها وهو مبتسم :” معلمة الله بس واحد ” .. يا الله ما أكرمك.

سارة، التي أشغلتها فكرة أن الله ( لا تأخذه سنة ولا نوم ) بعد أن أخبرتهم أن (ماما ) مهما كانت تحبنا ، فإنها تتعب وتنام، فمن يحفظنا إن حدث لنا سوء حينها؟ المهم ومنذ ذلك اليوم ، حتى أصبحت سارة تسألني ثلاث أو أربع مرات على الأقل، خلال اليوم وفي أوقات مفاجئة، أثناء تناولها للوجبة، تقول :” معلمة .. معلمة .. معلمة.. ” تنتظر مني أن التفت إليها بينما أنا منهكمة مع أطفال آخرون، وقد يمضي الوقت ولا انتبه لندائها، لكنها ولأن شيئًا عميقًا في داخلها، يدفعها لأن تستمرّ بالنداء، حتى تنبّهني إحدى المعلمات المارّات أحيانًا بأن سارة تناديني منذ وقت، فأتوقع بأنها تحتاج لمساعدة في فتح أحد مكونات وجبتها، فتقول: ” معلمة إيش يسير لو الله نام؟ ” هي تريد مني الاستماع فقط ، أصبحتُ أعلم السيناريو، فأصمت وأُبدي ملامح الدهشة على وجهي ، وأقول لها : ” انتي قوليلي ايش يسير؟ ” فتقول : ” بعدين مين يحفظنا ؟ ويرزقنا؟ ويساعدنا ؟ ” .

مما علّمني الله به، أن مزيدًا من الصبر، ينفع ولايضرّ ! مع أطفال الثالثة، أنت لا تحتاج لأن تكون شخصًا صبوراً فقط! بل تكون صابرًا مُتصبّرًا . تعلمت كيف أضع الصبر على الصبر ، حتى أكون مُتصبّرة. وفي مرات كثيرة، وفّقني الله لأن أكون كذلك. ولا أعلم بأني نجحتُ بذلك إلا إذا خرجتُ من الفصل ولستُ بغاضبة .

في المرات التي نضطر فيها أنا وأفنان ، لأن نكون معهم ثلاث ساعات متواصلة، وينتهي الأمر دون أن أشعر بأني ، مُستفزَّة، حينها يأتيني الخبر بأني قد اجتزت! والحمد لله.

 مما علمني الله هو أنّ أكون بمثابة ” السايس” للأطفال العنيدون صعبو المراس ! أذكر أني حضرتُ عرضًا لمدرب وكيف أنه استطاع التعامل مع الحيوانات المفترسة، حسنًا حين دخلت العرض، وضعت في الحسبان، أن الحيوانات المفترسة،هم الأطفال العنيدون، إذا واجهني طفل عنيد،غضوب، كيف أتصرف؟

المهم كان العرض على فقرتين، أسود، ونمور، بدأ بالنمور، ثم أدخلهم بالإشارة، وأخرج الأسود، لكن نمرًا عنيدًا أبى إلا أن يجلس ويتربع في مقدمة المسرح! حسنًا حاول المدرب أن يدخله ” بالسياسة” يحدثه ويشير له، ولمّا أبى ، تركه مستلقيًا ، وأمضى عرضه كما ينبغي ، ما الذي حدث ؟ بعد فترة وجيزة، دخل النمر بمفرده، دون توجيه!

أصبحتُ في كثير من الأحايين أستخدم الأسلوب ذاته، ولما لم يُجدِ الأمر نفعًا، أتركه على مرأى من عيني ، وأمضي في النشاط، العجيب بأن الطفل ذاته، في كثير من الأحيان ، وبعد أن تذهب فورة غضبه وعناده، ينتظر مني ابتسامة أو إشارة؛ليعود! ولما فهّمني الله، ففهمتهُ، أصبحت انظر إليه وابتسم من بعيد، فيأتي ليعانقني وقد يخبرني ما لم أستطع فهمه خلال ساعة ! أعترف بأن الأمر لا ينجح دائمًـا ، لكن في مرات كثيرة ، رأيت في ذلك نفعًا.

بعض أطفال الثالثة،صعبوا المراس، علموني كيف أعانقهم، وفي داخلي بركان من غضب ، مما قاموا بفعله من تخريب وشغب، لكن قليل من الصبر ، على صبرك، يُجدي بإذن الله.

مما علّمني الله ، أن أتدرج ، حتى أرى الثمار يانعة ، تسرّ الناظرين. وهذا ما فعلته في تعليمهم للمفاهيم. كنا نخبرهم بداية في توجيه السلوك بأنه صحيح وخاطئ ، ولما أدركوا ، انتقلنا بأن العمل الصحيح هو خير، والعمل الخاطىء هو شرّ ، وكررناها ماشاء الله لنا أن نكررها ، ثم ارتقينا لمفهوم الصلاح والفساد، هناك أعمال صالحة، وأعمال فاسدة غير صالحة، في البداية كانوا يكثرون السؤال: إيش يعني خير ؟ لكنهم مع اعتيادهم على انتقالاتنا المتدرجة والمخطط لها، لم يسألوا عن معنى الصلاح والفساد. لكنهم حين يرون موقفًا ، يستطيعون تصنيفه فيما لو كان صالحًا أو غير صالحًاه.

كما أن الله أكرمني ولأول مرّة، أن أتأمل تقلبّات الإنسان النفسية، من كونه يحب التملّك، وكيف أنه يتعلم الانفصال، ويدرك أن ليس كل ما حوله هو مِلك له! أطفال الثالثة، كانوا ملتصقين جدًا بنا،وشيئًا فشيئًا، ينفصلون عن معلماتهم وأمهاتهم ، حتى وصل الحال لنهاية العام بأن بدؤوا يكوّنون صداقات ، ويميل أغلبهم للعب الجماعي، بعد أن كانت طريقة لعبهم فردية! ينموا عندهم حب الصداقة، والولاء للصديق،كما تنمو عندهم بذرة المشاركة والإيثار للصديق.

حسنًا ، لا أدري إن كنتُ قلت كلّ ما أريد قوله ، آخر ما أريد قوله ، هو أنّني في بداية العام، كان بابُ قلبي مُغلقًا، أما الآن وقد وصلنا لنهاية المطاف، أصبح باب قلبي، مُواربًا ، مكّنني الله بالتجربة بأن أجعله مُواربًا ، تُمكنني تلك الفتحة الصغيرة من رؤية عالم كبير، عميق.

سطر أخير :

أطفالي الأربع والعشرون : أنتم أبنائي الذين لم ألدهم، أنتم الحبّ الذي لم أتوقعه.
أفنان: كنتِ في عينِ الجميع ، معلمة روضة أول ، وكنتِ لقلبي ، الأمّ الرؤوم، الحمدُ لله على نعمة أكرمني الله بها،عنوانها أنتِ.
مشرفتي أ.هبة: انتهى الأمر على عكس ما ابتدأ ، أحببتُ فيك أشياء كثيرة، كنتِ مشرفة بقلب المعلمة، جوزيتِ خير الجزاء.
مديرتي أ.أماني : أنتِ لقلبي المشرفة الأولى ، التي شقّت طريقي وصحّحت مساري، أكرمكِ الله بما يُكرم به أولياءه.
صديقاتي وأخواتي: دعاء،حنان،نوف،نهى،رنيم،عفت،صابرين،أمل،خلود،أمل،لينة،سمية،بيان،هبة،أنوار،إلهام،مها / أحبكنّ يامعلمات تعلمتُ منهن الكثير ، شكرًا لكل مساندة قمتنّ بها علانية أو خفاء، ممتنة لله على هبته لقلبي ،بكنّ.

 

وحان الوقت الذي أقول فيه : وكنتُ لروضة أول، مُعلّمة!

الحمد لله الذي بنعمته الصالحات

Share

مدوّنة مُعلمة الخير

16 فبراير 2015

 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

وأخيرًا ! كتب الله لهذا المشروع أن يتممه بفضله ، مدونة معلمة الخير ، بدايتنا الجديدة والنفع العظيم بإذن الله . ليس لأننا مميزات ! ، بل لأننا ببساطة ، مُجتمعات .

معلمة الخير

معلمة الخير 2

معلمة الخير 3

معلمة الخير 4

معلمة الخير 5

لكل من يؤمن أن الأطفال أفضل مشروع استثماري انساني!

ادعمونا بالنشر : )

 

Share

” سويت حمّام ” !

20 سبتمبر 2014

♪ 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

writer

تلقّيتُ الخبر كالصاعقة ، الخبر الذي لم يطرأ حتى مجرّد خاطرة عابرة ! حين سألتُها كنت أسألها وأنا أعلم الإجابة ولكن من باب الاطمئنان أكثر جاء سؤالي لها ، فكانت إجابتها الخبر الذي لم يكن في الحسبان ! ” إيناس انتي معلمة روضة أول ” .

حقيقة لم أستغرق وقتًا طويلاً لأتقبل أو أعترض ، حفتني ألطاف الله الخفية ، ورغم أنه الخبر الذي لم يكن في الحُسبان ، إلا أنني رفضتُ إلا أن أُكمل فيه قبل أن أخوض تجربته .

بدأت تربية الله وتهذيبه لي باكتشافي بأن أطفال كثيرون يرتدون ” الحفاضة ” وبحاجة لتعليمهم ” الحمام ” ، الأمر الذي لم أفكر فيه يومًا ، لم يخطر على بالي يوماً كيف يتعلم الطفل أن يطلب دورة المياه حين يحتاج لذلك ؟ رغم معايشتي لابنة أختي لبعض الأوقات لكن لم تصلني ” المعاناة ” إلا حين قُدّرت أن نعيشها ساعة بساعة .

كان يتعيّن علينا أن يدخل جميع الأطفال ” الحمام ” كل ساعة . المُضحك هو توصيات أمهاتهم لنا بأن نُحضر جوائز تحفيزية لمن يذهب للـ” حمام ” ويحافظ على نظافة ملابسه . حسنًا في الحقيقة فعلت أفنان ذلك من قبل توصياتهم ، وكنتُ أقول ما بالها تهتم كثيراً بهذا الموضوع ، فسيذهبون للـ ” حمام ” ولاحاجة لتضخيم الموضوع !

كانوا يستمتعون بذهابهم ، وحين يعودون للفصل ، يهتفون لأصدقائهم ” سوووويت حمّام ” !! وكنا نحتفل معهم بالتصفيق و” تكريم ” الفاعل ، ويحوز في نهاية الأمر على ” استكر ” !! وحين تأتيهم أمهاتهم يكون أول ما تسأله : ” رحت الحمام ” ؟ وإذا كانت الإجابة بنعم ، تُكمل الأم طقوس الاحتفال الذي ابتدأناه .

وسط انشغالنا بموضوع ” الحمام ” كنتُ أشعر بالفقد ، فقدي للأطفال الكبار جدًا في عيني وفي قلبي ، أطفال التمهيدي الذين لا يحتاجون كلّ هذا الجهد في التوجيه ، أفتقد أن استغرق ساعة طويلة لتحضير حلقة واحدة تُقدّم خلال نصف ساعة ! أفتقد أن نفتح حوارات ونقاشات حول موضوع يشدهم ، فنتشارك البحث ويأتوني بما يُدهشوني بمعرفته . لله دُرّها من سنين جميلة مضت ..

شاهدتُ كيف تقدّم الحلقة لهؤلاء الصغار ، وجاء دوري للتطبيق ، كان موضوع الحلقة عن مواصفات الإنسان واختلاف ألواننا وأطوالنا ، عرضتُ أول صورة ، لشخصين أحدهما طويل جداً والآخر قصير . سألتهم من الطويل ؟ وكنت أشير بيدي للأعلى ، كان سقف توقعاتي عالي جداً ! أجابني أحدهم : ” يلعبو كرة سلة ” وقال آخر : ” ليه لابس أحمر ” وتبعتهم ثالثة:  ” ليه يضحك ” نظرت لأفنان نظرة استجداء ، فأومأت لي بأن أُكمل وأكملت وأنا أشعر بأني كمن يتحدث مع نفسه ، وكل واحد منهم في وادٍ قصي عن الوادي الذي معلمتهم فيه !

قررت أن أعيد المفهوم كلما وجدتُ فرصة لذلك ، وفي أيام مختلفة ، لم يعودوا يلتفتون للون الأحمر ، ولا لملامح الوجه ، الآن تشغلهم فكرة حقيقية وهي أننا مختلفين في الطول ، أصبحوا يقفون بجانب بعضهم البعض ويقارنون أطوالهم ويقولون : أنا كبير وفلان صغير ” وفي أحد المرات جاءني ” هيمو ” الطفل الذي يصعب عليه سماع اسمه الحقيقي دون ” دلع ” فقال لي وهو يقف بنفس الطريقة التي كان يقف فيها الشخص الذي عرضت لهم صورته وهو يضع يديه على خاصرته ويقول : ” معلمة أنا كبيررررر ” مستخدماً ذات النبرة التي أستخدمها .. أصححها له وأنا ابتسم بأن منحني الله طفلاً يجبر القلب رغم ” قزميته ” .

كنتُ أظن خلال سنواتي الوظيفية بأني تعلمت كيف أجعل المفهوم الكبير الذي يُدرّس للكبار ، كيف أجعل منه بفضل من الله مصغراً سائغاً للصغار ، لكن مع روضة أول ، شعرتُ بأني كنتُ أدرّس أطفال الجامعة والآن أطفال الروضة ! والبون شاسع جدًا . كنت استخدم المصطلحات التي اعتدتُ استخدامها مع أطفال التمهيدي ، وكنت في المقابل أتوقع نفس ردة الفعل . مع أطفال التمهيدي كنتُ أبدأ بالعد من 1 وحتى 3 ثم أشير بفمي كمن يغلقه وأقول : صمت . في الغالب كانوا يصمتون . أما مع هؤلاء الصغار جدًا ، يصمتون ولكن ليس قبل أن يعيدوا ما قلته وأسمع كلمة ” صمت ” من أفواههم الصغيرة بشكل مضحك تبدو وكأنها صدى  .يضحكونني حين يقولون :  ” سَمت ” وبعضهم يضيفون لها البهارات فيُتبعون الـ ” سَمْت ” بـقولهم : ” اششششش ” .

حين كنتُ – وما أجمل ما كان – معلمة التمهيدي ، كنت أخبر صديقتي أمل بأنني أحب جداً جدًا وقت الوجبة الثانية التي يحضرونها من منازلهم ، كنت أخبرها بأنني أشعر بأنها ” جلسة شاي ” معهم ، كنا نفتح فيها مواضيعاً ، ونجري مسابقات حتى من حماسنا كانت مديرتنا في كثير أحيان تخرج من غرفتها وتشاركنا الإجابة ، كان ذلك يسعدني كثيراً . أما الآن ، فجلسة الشاي لم تعد كذلك ! غدت كأنها “جلسة كبسة ” ! لم أعتد أن يُحضر الأطفال أرزًا أو أصناف أطعمة تحتاج لتسخين ! أصبحنا نقسم مهامنا ، معلمة تجلس على الطاولة تستقبل الأطفال والثانية عند حقائبهم تساعدهم في إخراج وجباتهم ، ثم تبدأ ” جلسة الكبسة ” ! أشعر حينها بأنه كمن تعلم كيف يكتب جُملاً طويلة جدًا لكنه فجأة اكتشف أنه لا يعرف الحروف أصلاً فكان حريّاً به أن يعود للوراء ويتعلم أ ، ب !

وللمواقف المضحكة النصيب الأكبر مع هؤلاء الصغار جدًا ، في أحد المرات التي كنا نلعب فيها ألعاب حركية وألعاب أصابع ، كنت أمثّل بأني آكلهم فأدغدغهم ويضحكون ، فجأة ، باغتني أحدهم بـ ” كف ” محترم جداً ، كان الموقف درامي جدًا وكان هذا أول كف أتلقاه من طفل في تاريخي كله ! وعندما شاهد ردة فعلي الواجمة ، ارتبك ، لا أتذكر ماذا قلت له لكنه قال لي : كنت ألعب !

في أحد الأوقات التي كنا نشاهد فيها مقاطع فيديو ، أخبرتني إحداهن أنها تريد أن تجلس في حضني ، فأجلستها والبقية حولنا على الكراسي يجلسون ، وفجأة شعرت بشيء … فسألتها إن كانت تحتاج لحمام ؟ صارت تبكي وتقول : ” لا أنا ندِيفة ” فعلمتُ أنها فعلتها فوق حجري ، في اليوم الذي قررت فيه أن أرتدي فستان !

وفي نفس الفترة في وقت آخر ، بينما الكل منسجم مع ما نشاهده ، هزّني أحد الأطفال وقال لي : ” معلمة إيناس شوفي ” .. وخلع عن كتفه وقال : ” شوفي خدّي ” وهو يلصق خده بكتفه ! ما أجملهم حين يفعلون أشياء لا أعلم كيف من الممكن أن تطرأ على قلب بشر !

خلال الأسابيع الماضية ، تعلمت أموراً ما كنت لأتعلمها لو عكفتُ عليها سنيناً طويلة ، وكان أكثر ما أردده : ” الله يعين الأمهات ” علمتُ كيف تكون التربية جهاد ، علمتُ كيف يبتليك الله في خصال كنتَ تظنّها متأصلة فيك ! فإذا كنت طِوال عمرك تظن بأنك أمين في عملك مُخلص ، فستأتيك أقدار الله التي يفسرها قلبك بأنها كالرعد في قوته ! وسيكون أن يُمطر قلبك بما اعتدته عسير جدًا ، وهنا يمحص الله كلّ ما أودعته في قلبك . تعلمتُ بجانب أن ندعو للأطفال ، أن  ندعو الله أن يكفينا شرهم ، كما علمتنا د. نجود . علمتُ بأنه لكي أكون معلمة ناجحة لابدّ أن يكون في رصيدي (خبرة) التعامل مع روضة أول ، تعلمت كيف يعزّ الله أقواماً ، لكنهم لا يفطنون بالعزة التي منحهم إياها ؛ لأنهم ينظرون للأمر بالمنظور المتعارف عليه اجتماعياً ، لا بعين البصيرة التي أنارها الله لهم لكنهم يأبون إلا أن تنطفئ . 

فاللهم يا الله اجبر نقص أعمالنا  ، واجعلنا مباركين أين ما كنّا ، واجعلنا من خيرة من يعلم الناس الخير 

Share