أرشيف الوسم ‘الله’

وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ

15 مارس 2016

 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

mount

كان يصنعه، ولا يدري، بأنه يُصنَع، لكنّه امتثل للأمرِ لمّا جاءه، جاءته الكلمات قاسية، ممن حوله، كيف لنبّي، يتحوّل لنجّار، يُصاحب الأخشاب! يبني سفينة، في انعدام الماء! لكنّه لم يُلقِ لأيّ من تلك الكلمات، بالًا، لأن الأمر من الله، فهو يعلم علم اليقين أن عاقبة الأمر ستكون خيرًا، ولو … بعد حين.

في كلّ أمر يمرّ فيه الإنسان، يُريد الله به خيرًا، يصنع شيء في قلبه لم يكن موجودًا، يرمّم معنى كان مترسبًا، يصحح مفهومًا، يُقوم اعوِجاج، يُطيّب جَرحًا، يُسدّد، يفعل أشياء كثيرة، قد خطّط هذا الإنسان لها طويلًا، ولم يفلح لتنفيذها! يقدّر الله أقدارًا، حتى يصنع تلك الأمور في قلبه، فلا تتغير حياته، فالحياة تظلّ هي الحياة، تحتفظ المخلوقات بخواصّها ، الشمس تظل ساطعة، والزرع أخضر،لكن نظرتك للأمور تغيرت، فتظن حينها، أن الحياة بأجمعها، قد تغيرتْ! (صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ) [النمل:88]

نوح عليه السلام، جاءه الأمر من مولاه مباشرة، (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ)[هود:37] لكن الأمر معنا لا يكون كذلك! لا يأتينا الأمر مباشرة من الله، الله لا يخبر كل واحد منا، ما يفعله تحديدًا، بيّن لنا الطريقين، بطرقٍ واضحة، أعطانا أمثلة لأقوام سبقونا بأزمنة طويلة جدًا، كرّر قصصهم في القرآن في مواضع مختلفة، لماذا؟ حتى نظل نذكرهم، حتى يرتفع لدينا معيار الصواب والخطأ، حتى يستطيع الواحد منا ترجيح أعماله، بعد أن يقيسها على ما يرضي الله.

يحدث أن تسير في طريقٍ، لا تعرف هل هو هذا الطريق الذي كان ينبغي أن تسيره من البداية، أو أنك أخطأت الطريق، هل شعرتَ بالندم مرّة؟ أو مرّات؟ وتمنيت لو أنك عُدت للوراء قليلًا لتسير مع الجموع الكثيرة مع علمك أنها (ضالّة) للطريق؟ لكنك أوشكت أن تضلّ.. مرّة أخرى؟ لأنك تظن ظنًا بأنك بمفردك، وأنك تخيلت كما الأفلام، وحيدًا سائرًا في ممر ضيق،حاملًا في يدك شُعلة، قاربَ فتيلها على النهاية، تخشى الظلام… والنهاية لا تعلمها؟ سيُهيئ الله من أمركَ رَشدًا، الله يُعين الصادقين، ويصنع في قلوبهم ما لا يصنعه في قلوب غيرهم من الناس.

كلما مررت بقدرٍ عسير أو يسير، لا تظنن أنه سيأتيك رسول من السماء، يُخبرك بالخطوات التي ينتظرها الله منك، الله يختبر كل واحد منا،  وسط انشغالاته بكل الملهيات من حوله، ما يصنع؟ فأحسنِ الصُّنع، ما استطعت، يغنَم قلبك، ويسلَم.

لا تدع موقف عابر يمرّ عابر، ولا تجعله في قلبك جبلًا ثقيلًا، لكن لا تدعه يمضي دون أن تحتفظ بمعنى يذكرك به، هذه المعاني هي من ستصنع شيئاً فيك لاحقًا، شيئًا في قلبك. وحين يكتظّ قلبك بالمعاني الصادقة، فابشر بالخير الكثير!

بعد مواجهة نوح عليه السلام، لسخرية قومه، وتحمّله لجفاء قولهم، وصدّهم عن الدعوة، ماذا حدث؟ هل وحدها السفينة من استوت على الجوديّ؟ كلّ شيء في نوح قد استوى، هذا الجبل الذي لم يخبر الله تعالى، نوح عنه! فقد جاءه الأمر ببناء الفلك، ولم يكن يعلم بالنهاية! ومع ذلك ظل يكدّ ويعمل، والجوديّ، بأمرٍ من الله، ذلك الجبل الصامد، كان ينتظر سفينة نوح عليه السلام، حتى تستوي عليه.

ماذا حدث بعد استواء كل شيء في نوح عليه السلام؟ كان لابدّ من إعادة الأمور لمجاريها، هذا من إتقان الصُنع. نوح يسأل ربه عن ابنه! (وَنَادَىٰ نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ) [هود:45] حتى بعد استواء قلبك، واستقرار اضطرابه، قد تظل أُمنية صغيرة جدًا، لكن لأنها مُلحّة، فهي مزعجة! لكن لما تعرف أن تلك الأمنية، حتى وإن كان قلبك يهواها، ويرضاها، فإن الله، لا يرضاها، ينتهي الأمر فورًا، انظر للسماء، وقُل: عوّضني يا الله، واصرف قلبي عنه، واصرفهُ عني. فما كان من الله جلّ جلاله إلا أن قال لنوح عليه السلام، حتى يبدأ بداية صحيحة:

(قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ۖ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۖ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ ۖ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ (47) قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِّنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ ۚ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيم)

قد يستوي قلبك، ويستقر، ويعود لسابق اضطرابه، فلا ريب، الله يعيد صناعة أجزاء أخرى فيك، وفي كل مرّة قد تكون قريبًا من الجوديّ ولا تدري، وأنت في مرحلة الصُّنع، تبتعد وتقترب، تستقر سفينتك ثم تتوه مرة أخرى، هذا شأنها في هذه الدنيا، المهم أن تظّل فطِنًا لرسائل الله لك، ولأقداره، للأناس الذين يقدّر أن تتعامل معهم في حياتك، لنفسك التي بين جنبيك، طباعك الحميدة والسيئة، والديك، كل هؤلاء على سفينتك! إسأل الله أن تستوي على الجوديّ، دائمًا، وألًا تظلّ الطريق.

لا يُمكن لأحدٍ أن ينتصر إلى الأبد، لم يحدث أبدًا أن ظلّت أمّة مُنتصرة إلى الأبد، لستُ خائفًا من أن ينتصروا مرّة وننهزم مرّة، أو ننتصر مرّة وينهزموا مرّة،  أنا أخافُ شيئًا واحدًا، أن ننكسر إلى الأبد؛ لأن الذي ينكسر للأبد، لا يُمكن له أن ينهض ثانية، قُل لهم احرصُوا ألّا تُهزموا إلى الأبد.

إبراهيم نصر الله/الملهاة الفلسطينية[زمن الخيول البيضَاء].

Share

فُرْجَة-2

20 فبراير 2016

 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

القرآن

لمّا كان صغاري، في الثالثة، كنتُ أخبرهم، في فترة القرآن، أشياء كثيرة عن الله، أذكرُ صمتهم، أذكرُ دهشتهم رغم عدم استيعابهم الكامل لكل ما تقوله المعلمة! لكنها الفطرة السويّة، هي ماكانت تُعينني ومازالت، على أن يصمتوا، وعلى أن يندهشوا، وعلى أن يطلبوا المزيد.

في الثالثة، كانوا مُتعطشّين- وفي الرابعة زاد الظمأ!- لكن عطشهم كان مُقتصرًا على السماع فقط، بينما في الرابعة، ظمأهم لأن يُشاركوني تساؤلاتهم، أفكارهم عن أشياء كثيرة تسكنُ نفوسهم الصغيرة، نقاشات تُغيّرني دون أن يعلموا.

بدأنا في التعرف على سؤال من نبيّك؟ شرحتُ لهم معنى النبأ، استخدمناها في جملٍ كثيرة، أنبئي صديقك، أنبأنا أحمد، أنبأت يارا… ماهو النبأ الذي أنبأتنا به سارة؟ حتى وصل بنا الأمر للتعرف على مُحمد صلى الله عليه وسلم، كان أول انطباع عنه، أنه الله.

حينها كانت الدّهشة، حين أخبرتهم أنه إنسان مثلنا، يأكل ويشرب، ولديه أولاد ومسكن، ولديه أصدقاء، ظللنا أسبوعين نفرّق بين الربّ والنبّي، وكل يوم وبعيدًا عن المبالغة، يستمتعون بإعادة السيناريو ذاته، وبمتعة بالغة، يامعلمة ترى النبي كان عنده أولاد وكان يضحك وكان وكان…. ثم بدؤوا يجدون الفارق الأكبر بأنفسهم، أن الرب وحده مدبّر الكون، يامعلمة يقدر النبي ينزل المطر؟ يقدر النبي يخلي الشمس تطلع؟ يسألون، انظر إليهم، يجيب بعضهم بعضًا، أردد: الحمدُ لله.

تزيدُ نشوتي، لمّا يُشيرون إلى اسم جبريل عليه السلام، في البطاقة، لما نردد عقيدتنا في القرآن، أسألهم: من هو جبريل؟ يقولون هو المَلَم فتقول الطفلة مَلَك-مُفتخرة بأن اسمها كذلك!: “أصلاً ربنا خلق ملَك مرة كتير، واختار جبريل عشان…  القرآن” هذا الأسلوب الركيك، يُسعد قلبي أيضًا.

في الأسابيع الأخيرة، غدا حديثنا عن الجنّة، وصفها، ونعيمها. كان أقصى ما يعلمونه عن الجنّة هو أن الإنسان سيرى الله فيها، وأن الجنة (فيها كل شيء) الآن، صغاري بفضل الله، يعلمون أمورًا لم يكونوا يعلمونها، ولم أكن شخصيًا أعلمها، تعلمناها سويًا.

في كل يوم، كنت أخبرهم، كانوا يظهرون ردة فعل تحرّك في قلبي شيئًا يظل مفعوله وقتًا طويلًا! هذا المفعول يدفعني للعمل، والبحث، تلك الحركة الخفيّة في قلبي، تدبّ في أوردتي همّة واجتهادًا. فياربّ اجعله خالصًا لوجهك الكريم.

من جُملة ما تعلمناه عن الجنّة، أنّ أهل الجنة، قد يأكلون وهم متكؤون أو متمددون وهذا لا يؤذي أجسادهم، بعكس الدنيا، المهم، في وقتٍ آخر، بعد أسبوع تقريبًا من تعلمنا لهذه المعلومة، عرضتُ فيديو وقد نسيتُ تمامًا أمر الأكل في الجنة! كان الفيديو يعرض سلوك طفل يأكل وهو متكئ، فقال إبراهيم: “يا معلمة شوفي يحسب نفسه في الجنة!“… واسعدَ روحي ياربّ.

أخبرتهم عن بحار الجنة، بحرٌ من لبن وبحرٌ من عسل، لن أحدثكم عن ملامحهم الصغيرة، كيف تغيرت، فور معرفتهم بالخبر اليقين! كان هذا في الساعة الثامنة والربع، في الساعة الثانية عشر ظُهرًا، قدّر الله أن تحوي وجبة يارا على لبن، حتى تذكر نعيم الجنّة! قالت: “أصلًا في الجنة، حأشرب من بحر اللبن” أيقنتُ أنّ أخبار النعيم، لا تُنسى، ويذكرها الإنسان، ولو وسط الزحام.

سألتهم:” تتوقعوا من أول من يدخل الجنة؟” حقيقة سألتهم وأنا لا أتوقع إجابة منهم! فاجئني الله بأن الجميع قد أجاب، دون أدنى تلميح مني! نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، سألتُ جود، لماذا؟ قالت: “لأنو علّم الناس القرآن“.

أكثر ما قد يجعلك تسعد لوقت طويل، لما تزرع، في ظهيرة مُشمسة، وتظن ظنًا كاذبًا، أن التربة عاطبة! فجأة!!- أحيانًا تحدث مقدمات، قبل مانسميها بالفجأة، لكننا لا نفقه البدايات!- يُمطركَ الله بأن مازرعته، لم ينبته لك وفق تصورتك أنت، بل وفق تدبيره وحكمته، وهذا ما يحدث مع المعلمة في أوقاتٍ كثيرة، تقول معلومات كثيرة، وتجري نقاشات وحوارات، ولا تدري أنها قد ألقت بذور، تكفل الله بعنايتها وإنباتها، يأتي في يومٍ لا تتوقعه، يربط أحد الصغار، كل ما يتعلق بموضوعٍ ما، ويخبره المعلمة، كنص تعبيري واضح، عندها، تدرك المعلمة، شيئًا واحدًا: أنّ الأمر كلّه بيد الله.

هذه الخمسُ عشرة دقيقة، هي النافذة التي تجعلني أتطلع على قلوبهم النقية، وفي قلب كل واحد منهم تساؤل أو مجموعة من التساؤلات، منهم من يُبدِ ذلك، ومنهم من يُجيد إخفاؤه، يأتي دورك في إظهار كل ما لديكِ، شيئًا فشيئًا سيظهر الذي أخفاه، ربما، أو ربما يوافق قولك، شيئًا في نفسه، فيسكن وجدانه.

فترةُ القرآن، عظيمة عن الله، لو أعطتها المعلمة حقها وقدرها، إعطاء القدر، لا يعني الكثير، أقول هذا بالتجربة! إعطاء الحق بأيسر الطرق، يكفي أن تعطيه بكامل الشعور. الطفل لا يعنيه أن تخبره أن خازن الجنة لن يفتح الباب لأحد سوى لمحمد صلى الله عليه وسلم! هكذا بوجهٍ مُصمت. كل المعلومات ستفنى، وسيظل الشعور الذي تورثه في قلبه وروحه وفؤداه.

في لقاءات القرآن التي كنا نتحدث فيها عن الجنّة، كان أكثر من طفل يصرخ، يرددون: متى ندخل الجنة؟ وكان أحدهم يقول: “أبغا أموت دحين عشان أدخل الجنة!!” ملاحظة: شرحت له أن بوابة الدخول للجنة العمل الصالح، مهما تمنى الإنسان الدخول، دون العمل، لن يفيده ذلك، ربنا وهبنا الحياة، حتى نستكثر العمل الصالح” استكانت نفسه، وابتسم. هذا الشعور الصادق، هو الباقي، أما معلومات الجنة، سيعلمونها مثلما علمتها! 

الحمدُ لله

Share

ما يُحسن..

11 نوفمبر 2015

 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

hand

فلمّا يُكرمك المُحسن إياه، ويدلّك عليه، تجد في نفسكَ شيئًا لم تكنهُ من قبل، تجد فيك إنسانًا لم تتوقع أنه يسكنك! لكنه كان ينتظر منك التفاته، التفاته واحدة فقط، مقابل معنى جديد تعيشه، فلما تعيش هذا المعنى، وأنت الذي لمْ تكن له باحثًا، لكن لما أتاكَ، بعد التفاتتكَ الأولى له، تُدرك كم كنتَ بحاجة له، ستكتشفْ بأنّ الجزء المفقود منك، عاد إليك بعدما عشته.

ما قيمتك؟ لم يُحيّر هذا السؤال علي بن أبي طالب رضي الله عنه، جاءت إجابته، موجزة، وواضحة، وقابلة للتطبيق والتجربة!

قِيمة كلّ امرِئ ما يُحسن

كيف تكون قيمة كل امرئ ما يُحسن؟ أنتْ لما تُحسن أمرًا ما، إحسانك فيه، يقودك لأن تستمرّ فيه، واستمرارك فيما تُحسنه، مهما كان ما تُحسنه ضئيلاً بنظرك، استمرارك وثباتك في ألا يذهب عنك بعيدًا، استمرارك يعني زيادة إحسانك إحسان، كل هذا ينفع على الأقل شخصًا واحدًا! قد يكون هذا الذي انتفع من استمرارك في الذي تُحسنه، من سيصلح أمورًا كثيرة، مِن حولك، عجزتَ أنت لأن تجدَ لها مخرجًا، حينها تُدرك بأنه (كلٌ مُيسّر لما خُلق له) خلقك الله، لتكتشف في نفسك، فيما تُحسنه، ولما تعرفه، تتقرب إلى الذي وهبك، زُلفى، دون أن تشعر بأنك تقترب، فجأة- ولا شيء يحدث فجأة لكننا لا نلتقط الرسائل!- من الله، يحدث كل هذا لما يكون سيرك من الأساس، لِما تُحسنه، على النحو الصحيح، كما يحبّ ربنا ويرضى، والله وتالله وبالله، يُدهشك المولى، بما كان في أيام طفولتك، حُلما تحكيه لأصدقائك، ولما كبرتَ أصبح خيال، ولما نضجتَ، وصدقتَ في السير لما تُحسن، يُصيّره الله واقعًا.

وبعد أن صار واقعًا، يُريكَ الله من نفسكَ  بفضلهِ- ما تُحبّ، يشدّ من أزرك بالذي تُحسنه؛ لأنك لن تُحسن أي أمر مهما صغُر، إلا لما تسعى لأن تتعلمه! الله يجعل نفسك تميل لهذا الأمر، ويترك لك القرار في السير نحو ميلك، حتى يصير شغفًا، وقضية تُدافع عنها وتحيا من خلالها، أو أن تتجاهل الميل الذي فطرك الله به!

طريقك الذي تتعلّم فيه ما تُحسن، ليس باليسير، ولا بالمستحيل، الصادق، يجدُ متعة في شقّ طريقه بنفسه، يأخذ من الناس، ما يعينه على إكمال سيره، ويتجاوز كل كلمة قد تجعله يكفّ عن المسير.

الله لما فطر قلبي للكتابة، لم يُملّكني كل ما أحتاجه، كنت أسير لأفهم ما أشعر به تجاه الكلمات، والنصوص التي لا يستطيع فؤادي تجاوزها، ولما فطنتُ للأمر، كانت تلك البداية.. البداية لتعبيد طريق جديد، لم أعلم منه إلا رسمه! وبعد “علميات حفر” طويلة، في الأشياء من حولي، ملّكني الله التعبير! وكان فيه بلائي ونعمتي، شكر وصبر ياربّ. لما تجد من حولك أشياء، وقلبك لا يكفّ أن يحدثك عن تفاصيل التفاصيل، وأنت في حياتكَ لاهٍ، مُنشغل، ونسيت الذي وجدتَ فيه نعمتكَ وبلاءك، هو نعمة، لأنّ الله ملّكك إياه دون أن تسأله؛ لعلمه بحاجة فؤادك له قبل أن تنضج، لكن لما تنضج، تشعر بأن كائنًا فيك، استيقظ فجأة! وهو بلاء؛ لأنه عليك إخراج زكاته، زكاة ما تُحسنه، نفع الناس به.

لا أجيد الكتابة عن الأمور السياسية، لا أجيد الخوض في الأمور الاقتصادية، لكنّه مكنني بفضلهِ وكرمه، في جوانب أخرى، تُصلح أجزاء أخرى، وفي هذا تعلمتُ درسًا مهمًا: حتى ما يُحسنه المرء، يجد في الأمر عينه، أجزاء هنا وهُناك، لا يجيدها، لكن يكفيكَ من البستان، بذرة، تُحسن اعتناءك بها، خيرًا من جمع البذور، فتسقط واحدة تلو الأخرى.

في مثل هذا اليوم في العام الماضي، كتبتُ: “الحمد لله القابض  على عدم تيسيره لي أن أكون من حجاجه”، وفي هذا العام، أقول: ” الحمد لله الحكيم، الباسط، الرؤوف، العليم، الخبير، أن يسّر لي حجّة جَعلها الله مبرورة”  الحمدُ لله الذي أتمّ على مدونتي ستةِ أعوام، يارب اغفر قصور الكلمات، وخطئها وزللها. ربّ أدخلنا مدخل صدق وأخرجنا مُخرج صدق واجعل لنا من لدنك سلطانًا نصيرًا.

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات

11.11.2015

Share

قصة الفؤاد الطويلة/1

20 سبتمبر 2015


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

heart

بدأتْ القصة قبل عامان من الآن، يوم بدأ قلبي يتحرّك نحوهُ، خلال العامين، كان يُريني جانبًا واحدًا فقط، وعلى الرغم من أنه جانب واحد فقط، لكنه كان يؤسرني، ويجلب لعيناي السّهاد!

خلال العامين، كنت أسعى، وكنتُ من شدّة اجتهادي بالسعي، كان يخالجني شعور بأني قريبة من هاجر عليها السلام! كنت أشعر بأني أوشكتْ من سعيها الحثيث، ورغم أني لم أصل لدرجتها، لكن هذا ما كان قلبي يشعر به.

المهم بأنّ الله لم يأذن لفؤادي أن يقرّ برؤية ثمرة سعيه، هي ثمرة واحدة يقطفها، ثم يهنأ الجسد والروح بثمار هذه الثمرة. آنذاك، لم يكن يرضيني، أن يكون امتناعي، مما أرغب، بشر!

فكان قلبي يزبد ويرعدُ في كل شخص، كان يظنّه الحائل بيني وبينه!

ولما جاء هذا العام، ويسّر الله للفؤاد ما تعسّر عليه خلال عامين، عامين كانا بالميزان البشري، وكانا عقودًا طويلة بميزان شوق الفؤاد. لما أحلّ اليُسر بعد العُسر، جاءت الفتوح، لا! لم تجيء، بل انهالت عليّ!

نعم، إنّه الحجّ، قصّة الفؤاد الطويلة!

أتدركْ شعور أن ترى أمرًا يصوّره البعض، على أنه جلّ مناهم، لكنك، ودون أن تقصد، لا تجد أن الكلام يعنيك؟ لا تجد لكلامهم الصادق، مكانًا في قلبك؟ ولا تدري بأن ما تمرّ به ليس بطبيعي! لكنك تسير مع السائرين، دون أن تدري أيضًا ..

ثم ولأسباب قد يكون الله، ألهمكَ، فأدركتَ بعضها، وفاتك البعض الآخر، المهم أن هذه الأسباب جعلتْ تلك الكلمات، تُعاد على مسامعك، الكلمات لم تتغير، لكن شعورك تغيّر! أنتْ هو أنتْ فعلامَ الاضطراب؟

الله لما يريدك، يهيئ لك الأسباب، ولو لم تكن بصيرًا بتحرّكات قلبك، سيباغتك شعور، بأن كل شيء، تغيّر عليك فجأةّ! وفي الحقيقة، الله يُعبّد لك الطريق نحوه، بطرق خفية وأخرى ظاهرة، لكنك فشلتَ في ترجمة أقداره في حياتك!

لم يكن (الحجّ) يعني لقلبي شيئًا! وما وصلني خلال العامان، بأن شعوري نحو (الحجّ) تغير فجأة! وكأن صمّامًا كان مغلقًا، وكان يحبس دم الجسم كله، وفجأة لما فتح، انبثق الدمّ دفعة واحدة، أتدري بشعور الشوق، وكأنك تحبّ ذاك الشيء منذ زمن طويل؟ أعلم بأن ثمة مشاعر، لن يستوعبها، غير الذي جرّبها، الشوق للحجّ، أحدها وأهم تلك المشاعر.

لا أتحدث عن الشوق، لشيء أعرفه، إنني أقصد الشوق لشيء تعرف اسمه، ولا تعرف رسمه! ورغم ذلك، أنت مشتاق، فؤادك، يتمزق، يتقطّع، لشيء أنت لم تجرّبه، لكن شعورك يصدقك الخبر بأن ما اشتقتْ إليه، يستحق كلّ هذا، بل أكثر!

في الحقيقة، خلال عامان، قدّر الله لي أقدارًا كثيرة، بعضها، ترجمتُها بأنها (خير) والأخرى، كنت أجاهد لأكون من الصابرين الراضين الشاكرين، وكم كان يُضنيني ذاك الجهاد، ولا زال.

تلك الأقدار، لوهلة، أخرَجها قلبي دفعة واحدة، استرجعها كما لو كان يذكرني بألطاف اللطيف الخفيّة، وتدابيره التي يعجز أي عقل بشري استيعابها بسهولة؛ لما يفهم مقصده، سبحانه، ويدرك حكمته.

الرفقة الصالحة

أحد أهم أسباب ثبات قلبي على الطريق، تلك الرفقة الطيّبة، التي تجرّني جرًّا نحو الصراط المستقيم، كلما شعرتْ تلك الرفقة بأن رفيقة لهم، قد تزلّ ولو بأبسطِ الطرق، حتى لو جاء أمر ما مني، على سبيل الدعابة، كانتْ تلك الرفقة، تنهاني وتذكّرني.

انفصال والدايّ

يحدث أن تتعدد طرقك في تربية (قيمة) واحدة في ابنك، قد تعكف شهورًا وفي كل شهر، تستخدم مائة طريقة لتعزيز هذه (القيمة) في ابنك، وقد تنصرم الأشهر، ولم تحقق تلك القيمة في قلبه، شيئًا!

ولله المثل الأعلى، الله الربّ، الذي ربّانا، قد يختار قدَرًا واحدًا، عسيرًا عليك، لكنه يهذّب فيك أشياء كثيرة، كثيرة جدًا، كنت ستتعلمها لكن مع مشيب شعر رأسك، الله وفّر عليك عناء قطع كلّ تلك المسافة، فوهبك، نعم أقول (وهبك) قدرًا عسيرًا رحيمًا.

 مرض والدي

من الأحداث المفصَلية في حياة قلبي، أيام مرضه، أمدّ الله في عُمره، ذلك القدر، الذي خرجتُ من بعده، بعلاقة متينة مع مولاي، الذي تولّى كل ما كان يحمله قلبي.

تبِعتْ تلك الأقدار، وتخللتها، أقدار أخرى صغيرة في حدوثها، كبيرة الوقع على قلبي، قلبي الذي يعظّم كل حدث، ولا يجيد تجاوز الأمور الصغيرة! ثمّ .. أتى الحجّ!

كنت أظنّ بأنها النهاية! نهاية الاختبار الإلهي، وحان وقت الحصاد!

كنت أظنّ بأنّي أصبحتْ مُستعدة! لأداء الركن الخامس! الفريضة التي تاقت الروح، لها، عقودًا طويلة!

كنت أظنّ بأن جلّ ما انتظره، هو أولّ شهر ذي القعدة، يوم يفتح التسجيل في حملات الحجّ! ذاك اليوم الذي عكفتُ فيه على الموقع، من قبل الثامنة، وحتى الثالثة ظهرًا، ولما أتاح الله لنا مقعدًا، خررتُ ساجدة. ولمرة أخرى، ظننت بأنّ هذه سجدة الشكر الوحيدة التي سأسجدها في هذا الموضوع! وما أكذب الظنون!

ايجازًا لكثيرٍ مما قد يقال، تقول أ. أناهيد، حفظها الله، بأنّك في كل حجّة تحجّها، يبدّل الله في بلاءاتك! تارة يكون بلاءك، الرفقة الذين معك، وتارة بلاءك، نفسك، وتارة…. بلاءك في حملتك! وقد رأيتُ ذلك رأي العين!

أراني الله ما أكره، وما لم يكن في الحسبان، ليربّي أشياء متبقية، في عمق القلب، لابدّ أن تُمحّص، قبل اللقاء، قبل لقاءه عزّ وجلّ.

ياربّ ها هي تعود مجددًا! تلك التي أبغضها، أمقتها ياربّ، لكنها تسكنني من حيث لا أرغب! تحرّكات قلبي! ها هو يزمجر بصمت، دون أن يدري أي أحد، لكنك يا الله تعلم ما نخفي وما نعلن! ياربّ وحدك من تعلمْ، ارتباكي لتحرّكاته التي لا أعرفها عن نفسي، عن مواجهاتي معها! ياربّ اعنّي على نفسي!

 كان الله، يريني في نفسي، ما أكره؛ ليُذكرني بفجوات قلبي، بالثقوب التي لا بدّ لها أن تُسدّ.

كان الله يُصلح أمرًا، أعاود السجود، سجدة الشكر، وفي كل مرة أظن بأنها الأخيرة، لكنْه كان يدبر أمر قلبي، بلطف خفّي، كان يُسعد خاطري بتمام أمرٍ ما، حتى إذا استرددتُ أشياء في نفسي، يُسقطني من عين نفسي مرة أخرى! أستطيع القول بأن بلائي كان نفسي ثمّ الحملة!

حسنًا، ولما أخذتِ الأيام تنصرم بسرعة، وأشياء في القلب اعتلاها الكثير من الصدأ، وأخرى معطوبة، كنت أشعر بأني سأبيتُ في منى، بقلبي نصفُ المعطوب هذا! ولا مفرّ مني، لكنْ الله وإن انقطعنا عنه، يُحيطنا، يتولانا، بما قصم عودنا الذي اشتدّ في وقتٍ متأخر، المدهش، أنه لما يرى فيك صدقًا، يعطيك ما ترغب، حتى دون أن تسأله، وما ذلك عليه بعزيز، سبحانه.

المهم، بأنه لما ضاقت الأيام، والعُطب والصدأ موجودان، حسنًا كيف سأعالج هذه الأمور؟ والوقت لا يسمح لي بذلك؟ لو عرضتُ مشكلتي على استشاري، لما أعانني، مثلما فعل الله، سبحانه!

حتى لا يُرهق قلبي، عسّر لي في كل شأن، أمر صغير، لكنْ لما اجتمعت تلك الصغائر، باتت لي كوحشٍ كاسر! كان يستوقفني فكرة اضطراب كل شيء، في وقتٍ واحد، والغريب أكثر، اضطراب أكثر الأشياء الساكنة في حياة القلب! سبحان القدير العليم.

كان حريًّا بتلك المهترئات في قلبي، أن تجتمع وتنفض ما عليها، وأن يُعين الجزء الصالح فيها ما فسد منه، حتى يقاوموا ذلك الوحش الكاسر، حتى لا يموت الجزء الصالح فيّ!

مقابل كل هذه الأوجاع التي قد نمرّ بها في أيامنا العادية، آية واحدة، تفسّر لنا كل ما يحدث بالتحديد:

(أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ) العنكبوت:2

خلال ثلاثة أشهر، كنت أقرأ عن أشياء كثيرة، حصد قلبي مفاهيم وظنّ بأنه قادر على أن يمتثلها، التكرار وحده لا يصنع شيئًا! دعاوى الإيمان لا بدّ أن تُختبر! هذا ما قالته أ. أناهيد، وهذا تحديدًا ما يحدث معي ومعك، ومع كل مؤمن.

لمّا تقول، لو كنتُ مكانه لما فعلتُ فَعلته، يُنسيك الله ما حدث، وما قلته، ويجعلك في موقف المفعول به، ليُريك سوءة نفسك! إنها دعاوى الإيمان، وما أكثر ما ندّعي يا قوم! غفر الله لنا.

كنتُ أعجبُ من شأن الحجّ، كيف أنه يغيّر كل حياة الإنسان؟ منطقيًا، هذا فعل مستحيل الحدوث! خمسة أيام ياربّ لا تُصلح فساد السنون!! لكن لما عشتُ ذلك الآن، وقبل أشهر من الآن، أقول: منطقيًا، لا بدّ أن يحدث ذلك! أن تتغير، أن تجد هناك، في منى أو عرفة النسخة الجديدة منك! يحدث ذلك لمّا تحجّ روحك، قبل أن يحجّ بدنك! ياربّ بلغنا وأكرمنا.

لمّا تتعرف على أشياء كثيرة في الحجّ، ما كنتَ تعرف أن معرفتك، هذه خاصة فقط بالحجّ، بل بيومك، وحياتك كلّها، تُسقط كل ما تعلمته عن الحج، في مواقفك مع الناس، والحياة.

يقدّر الله لك أقدار، قبل حجّتك، وبعد معرفتك بأمور كانت غائبة عنك، وكأن تلك الأقدار (بروفة) تجربة لك! الله ينتظر منك ما يحبّ، ورغم أننا في أغلب الأحيان، لا نفعل ما يحبّ، لكنّه، ولأنه الكريم، يمنحنا فرصًا لا تنتهي، يا الله ما أحلمك!

علّمني الله بأن (المال) ليس العائق الوحيد لأن لا يحج الإنسان! أراني الله وفرة الأموال، وقلة الأشواق! أراني الله أشياء أخرى تحبس الإنسان، عمّا يحبّ، لم يكن يعلم بأنها قد تحدث! قد ترتب لرحلة ما، وتخطط، تدفع أموال طائلة، وتستبشر بسير كل أمورك على خير، وتركن لهذا الخير (وتطمئنّ به)، الآن الله يريد أن يُربيك، يُصيّر أمرًا قدريًا؛ حتى يُعلمك بأن ما تركن لغيره! قد يكون ذلك في حالة وفاة أو مرض مفاجئ.

علّمني الله أن أتمسك بحباله، مهما كانت الأمور مبشّرة، وألا أركنَ لخيرٍ أبدًا! فياربّ الحجيج، اكتبني وأهلي منهم لهذا العام،واجعلها حجّة مبرورة، لا رياء فيها ولا سُمعة، واعفر لنا ما بيننا وبين خلقك، وتجاوز عنا، واقضِ عنّا ما عجزنا عن قضاءه، ولك الحمدُ في الأولى وفي الآخرة.

Share