أرشيف الوسم ‘أناهيد’

تغّير بأشياءٍ لا تتغير !

19 أكتوبر 2013

♪ 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

تغير

تغّير بأشياءٍ لا تتغيّر ! هي سلسلة لمجموعة تدوينات ، ملخصات لجميع لقاءات دبلوم إعداد معلمة رياض الأطفال ( غرس القيم ) للداعية القديرة أناهيد السميري ، حفظها الله ، ستكون هذه السلسلة تحت تصنيف جديد ( حياة متأخرة جديدة ) ؛ ليسهل قراءتها دفعة واحدة . 

ما هي الأشياء الوحيدة في هذا الكون التي لا تتغير ؟ كل شيء أثبته الله في القرآن ، فهو لا يتغير . فالإنسان عجول مثلاً ، ولو عشنا من الزمن قروناً طويلة ، سيكون الإنسان في القرون المتقدمة جداً عجولاً أيضاً ! 

ما أعنيه بأن يتغير الإنسان بالأشياء التي لا تتغير ، هو أن يُطلق الإنسان نيته لله ، برغبته في أن يتغير ، ولكن هذه المرة ، لن يتغير من أجل كتاب عابر لكاتب أجنبي ! لن يتغير لقولٍ مؤثر مجهول القائل ! لكنه سيتغير بمعرفته الحقة بأشياء لم تتغير منذ أول الأزل ، لكننا عُدنا للقرآن في عمرٍ متأخر ، ومع ذلك فثمة فرصة .. وثمة حياة متأخرة ، جديدة في انتظارنا . 

سلسلة تغّير بأشياءٍ لا تتغيّر ! لا تخص بمعلمات رياض الأطفال فقط ، إنها تخص كل إنسان ؛ ذلك لأن بداخل كل منا معلماً صغيراً ، شاء أم أبى ، فأنت تعلم أبناءك ، أبناء عائلتك ، أصدقاءك .. أنت معلماً لنفسك ! 

ملحوظة ماقبل الأخيرة : لن تكون تدوينات السلسلة متواترة ، فقد يفصل بين اللقاء الرابع والخامس تدوينة في تصنيف آخر ، وعلى كل حال ، سيتم عَنونة تدوينات هذه السلسلة برقم اللقاء . دلالة على انتماءها لهذه السلسلة . 

أخيراً : حقوق النشر غير محفوظة !

عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ 

Share

أسبوعٌ مضى ، باقٍ

15 سبتمبر 2013

 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

12

مضى الأسبوع الثاني من دورة غرس القيم للأطفال ، مضت خمسة أيام أُخر ، ليستْ كخمسٍ مضت ، تلك الخمس الماضيات ، باقيات في الفؤاد ، مُستقرة في الوجدان ، حاضرة في الذهن . افتقدنا لإطلالة الداعية أناهيد لكننا كُنا نجد صوتها في أروقة المكتبة ، مكتبة غرس ، نجدُ قسمات وجهها وحركات يديها في التكاليف التي كنا أُرهقنا لحلها ، وإتمامها كما ينبغي .

خمسة أيام ، تعلمنا من خلالها كيف نُخرّج أحاديثاً ، كيف نستخدم كتب التفاسير ، كيف نقرأ كتباً كثيراً ، ثم نُسدد ونُقارب بينهم ، وبعيداً عن (نا) الفاعلين ، فإنني ولأول مرة في حياتي ، أشعر أنني (طالبة علم) كان ولازال قلبي ينتشي ، كلما تذكرتُ فضل طالب العلم ومكانته عند الله .

في مكتبة غرس كنا نلتقي ، نقضي أربع ساعات ونصف يومياً ، تمرّ الساعة تلو الساعة ، والمكتبة تشهدُ نحلات يجُلنَ المكتبة جيئة وذهاباً ، نشترك في الكتب ، ننتظر حتى تنتهي تلك المجموعة من المُعجم ، نستخدم أجهزتنا لتحميل ما لم نجده الكترونياً ، في زحام التكاليف ، وصعوبة فهمنا لليسير من قول أستاذة أناهيد ، لكنه عسير لمن يسمعه لأول الأمر ، كانت في أوقاتنا فُسحة ، نختلق النكات ، تلاحمنا كمجموعة ، تقاربنا من صديقات وأستاذات ، حتى أني ومنذ اليوم الأول ، بتّ أحمل هم فقد روح الجماعة ، تلك التي يُبارك الله فيها أينما حلّت وارتحلت .

مُرشدات مكتبة غرس ، لم يكنّ كأي مرشدات ، نراهنّ في يومنا أربع وساعات ونصف ، لكن دوامهن يطول قبل ذلك ، وخلال حضورنا ، لم نجد ما يسوءنا قط ، لا أذكر ولا لمرة واحدة أن مرّت من جانبنا إحداهن ولم تُداعب قلوبنا بدعوة مُباركة من ثغرها الطيب ، وكان أكثر ما يجعلُ قلبي يستمر هو : الله يفتح عليكم . تلك المرشدات اللاتي أسرنَ قلوبنا بحُسن التعامل ، ولطافة الحديث ، وأكثر ما ميزهن هو : صبرهنّ دون أن يظهرنَ أنهن صابرات . ينتقلن من طاولة إلى طاولة ، حتى إذا مررنَ على طاولتنا شعرتُ أننا أهم مجموعة هنا ، ثم إذا انتقلنَ إلى غيرنا ، وجدتُ أنني أتهيأ . فيا الله سدّد خطاهن واحطهنّ بكرمك ، وافتح عليهنّ فتحاً مُبيناً ، واجمعنا بهنّ في فردوسك الأعلى .

كانت التجربة الأولى لي ، وأظن أنها لأغلب أفراد مجموعتي التي تُؤنسني صُحبتها ، أن نقضي تلك الساعات ، أو السويعات إن صحّ التعبير في مكان مُبارك ، كالمكتبة ، رائحة المكتبة ، ترتيب الكتب على الرفوف ، شمول المكتبة على أهم المراجع ، كان كل ذلك كفيل بأن يجعلنا نسعدُ رغم كل الضغط الذي مررنا به ، ورغم سماع جدران المكتبة لجزعنا بعض الأحيان ، إلا أنها تفتح ذراعيها ، فنبيتُ في أحضانها هُنيهة ، ويُحيطنا الله برحمته ، فنطمئن ، وننسى الذي قد كان .

خلال خمسةُ أيام أدركتُ خلالها معنى أن يثبتَ الإنسان ، أن يُجاهد نفسه ، هواه ، وكل ما يُلاقيه ، معنى أن يقرر الإنسان قراراً ، ويمضي فيه بقوة ، ولا يخاف في الله لومة لائم ، أن يمضي ولا يهابُ مادام يعلم يقيناً ، أن الله سيسدده ويُعينه . أربع ساعات ونصف في مكتبة غرس كانت الغنى عن ألف التقاء .

منذ اليوم لي في الدورة ، وأنا أحاول أن أطبق خطوة خطوة مع أطفالي في الروضة ، وبعضاً من المواقف التي طبقتها مع أطفالي في مرحلة التمهيدي ، ما سأختم به التدوينة .

 أخبرت أطفالي بأن الله يحبهم ، وكان دليلي على ذلك أنه أوجد لنا نكهات متعددة من الآيس كريم ، سألتهم : تخيلوا لو كانت هناك فقط نكهة المانجا في الآيس كريم ؟ وكان أحدكم مُصاباً بالحساسية من هذه الفاكهة ؟ وصمت مُدهش منهم ، ألهمني أن أُكمل .. لأنه جل شأنه يحبكم فقد أوجد العديد من النكهات ، قاطعي أحدهم : ” بس سمكتي ماتت يا معلمة ! ” أخبرته بأننا في  النهاية سنموت ، نحن والحيوانات والنبات ، فقاطعني عُمر بقوله ” يا معلمة مو انتي تقولي الله يحبنا ؟ طيب كيف يحبنا ويموّتنا ؟ ” سألته وخالجني شعور بأني في مأزق! ” طيب انت عارف فين حنروح بعد الموت ؟ ” جاوبني فور انتهائي من سؤاله ” آها عرفت ! الله يموّتنا عشان أشوف جدو اللي مات ؟ ” .. حينها انطلقت عقدة لساني ، أخبرته بأننا في الجنة سنلتقي بكل الذين رحلوا من دنيانا ، ردّ علي أحمد الذي أخبرني بأن سمكته ماتت : ” يامعلممممة أنا متحممممس أموت ، عشان أدخل الجنة ” … اقشعر بدني ، وشعرتُ بأن دمعة ثقيلة الوزن ، ترغب في أن تسقط . فابتسمت.

 في حلقة ( مهام وأدوار أفراد العائلة ) كنتُ كلما سألتهم عن مهمة ، وأسألهم عن فاعلها ، كان جوابهم ” الدادا ” فمثلاً سألتهم : من يطهو الطعام ؟ ألهمني الله أن أحدثهم عن خادم الرسول صلى الله عليه وسلم ، قلتُ لهم : تعرفوا انو الرسول صلى الله عليه وسلم كان عندو خادم؟ ” أكثر ماكان يجعلني انطلق ، هو هبة الله بأن يسود صمتهم فجأة ، أخبرتهم بأنه كان لا يوقظه إذا كان نائماً ، ثم أخبرتهم بحديث عائشة رضي الله عنها حين كانت تحكي عن زوجها عليه الصلاة والسلام : ” كان يخيط ثوبه ويخصفُ نعله ” شرحتُ لهم معنى الحديث ، ولازال صمتهم يلهمني لأن أتحدث أكثر ! حتى قاطعني يوسف بخاطرته وهو ينظر للأرض : ” بس يامعلمة أنا بابا يشوف الوسخ قدامو ومايشيلو ! ” أخبرته بأن يذكر أباه بما هو صحيح ، ثم بررتُ له بأن أباه قد يكون متعباً .. أخبرتني صديقتي الشيماء فيما بعد بأني أخطأتُ حين بررت لوالده ما فعل ، حيث قالت لي : ” لمتى ونحنا نعطي مبررات ؟ لازم يعرف الخطأ بدون مبرر ” .

 في لقاء حميمي بين المعلمة و- أبناءها-  الأطفال ، كنت أحدثهم عن مخلوقات الله وكيف أنها تسبح لله لكننا لا نسمع تسبيحهم ، وصمتٌ سائد اعتدتُ عليه ، يدهشني في كل مرة يهبني الله إياها ، عارضني أكثر من طفل بأن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يسبح ، ودليلهم على ذلك أننا لا نسمع تسبيحهم ، رغبتُ في استشهادي لهم بالآية (  { تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ) ولكن لعدم تذكري إياها بالترتيب الصحيح جعلني استغني عنها ، وأنا أتألم لاستغنائي . بعد يومين من حديثنا هذا ، جائني أحد الذين عارضوني ، وأخبرني : ” معلمة ، تتذكري لما قلتي إن الجبال تسبح ؟ ترى صح كلامك ! أنا سألت بابا وقلي صح كلامك ” ابتسمتُ وحمدتُ الله على نعم كثيرة ، من بينها .. مفهوم إيماني تغرسه في عمق طفل . 

 قبل اللعب في الخارج ، طلبتُ من الأطفال ترديد دعاء الخروج ، فأخذ بعضهم كما نفسرها ” يستهبلوا ” فقلتُ مُرتجلة ، بأن دعاء الخروج يحمينا من أن يصيبنا أي مكروه ، وذكرتُ وأنا انظر للطفل أكثرهم ” استهبالاً ” بأن الذي يقول الدعاء يحميه الله من أن يدخل الرمل في عينيه ، حيث كانت هذه مشكلة هذا الطفل في الغالب ، عارضني وقال : ” أصلاً مو الله اللي يحمي عيني ، رموشي اللي تحميها ! ” شعرتُ بأن قلبي ارتطم بجبل كبير جداً .. تحققتُ من أستاذة أناهيد بما فعلته فأخبرتني بأنني أخطأت في الارتجال ! وأعقبتْ قائلة : ” تخيلي هذا الطفل قال الدعاء ، وصادف إنه اتعور ، أول شي حيفكر فيه إنك كذابة ، وإن ذكر الدعاء وعدمه واحد ” . طلبتْ مني التريث حتى نتعلم كيف نعلم الأطفال أهمية الدعاء بطريقة صحيحة . 

 اصطف الأطفال للطابور ، ووقفوا أمام معلمة لينة ، فقالت إحداهن : ” هادا الطابور خسيس ” شعرتُ بأنني أغلي لذكرها لهذه الكلمة ، صمتُ هُنيهة ، حتى تحدثت لينة قائلة : ” هذه المفردة … ” لا أعلم ما الذي رغبتْ لينة في قوله لها ، ما فعلتهُ فجأة هو أن أمسكتُ بيد الطفلة وذهبنا للفصل وحيدتان ،أخذتها وأنا لا أعلم ماذا سأقول لها ، رغم أنه لا مسافة طويلة بين الطابور وبين الفصل ، لكنني شعرتُه طويلاً لجهلي ، حتى فتح الله علي وألهمني بتذكري لحديث أستاذة أناهيد ، وذكرها لمثال طفل ” يتجسس ” على أحدهم ، أجلستها أمامي ، سألتها : هل تعرفين معنى ” خسيس ” ؟ أجابتني وبراءة نقية جداً ترتسم على محياها : ” إيوا ” سألتها عن المعنى فقالت ” في فيلم كرتون وحدة اسمها خسيسة ، أصلاً حتى ماما تقولي لاتقولي الكلمة دي بس أنا ما أعرف انتو ليش بتقولو لا أقولها انا احب خسيسة ” حزنتُ عليها حزناً شديدًا ، تذكرتُ أ. أناهيد حين قالت بأن جميع تصرفات الأطفال التي نفسرها بطريقة خاطئة ، لو بحثنا في جذورها لوجدنا أن الطفل في جميع أحواله ، لا يقصدها . قمت بإصلاح المصطلح ، وتوضيح المعنى لها ، فكرنا في بدائل للمفردة للتعبير عن الطابور غير المنتظم، ولم أسمعها تتفوه بها منذ ذلك الحين .

واجعلنا يا الله مُباركين أينما كُنا ، واجعل أفئدتنا أشجار طيبة أصولها ثابتة ، وفروعها في السماء 

Share