أرشيف الوسم ‘أطفال’

فُرْجَة-2

20 فبراير 2016

 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

القرآن

لمّا كان صغاري، في الثالثة، كنتُ أخبرهم، في فترة القرآن، أشياء كثيرة عن الله، أذكرُ صمتهم، أذكرُ دهشتهم رغم عدم استيعابهم الكامل لكل ما تقوله المعلمة! لكنها الفطرة السويّة، هي ماكانت تُعينني ومازالت، على أن يصمتوا، وعلى أن يندهشوا، وعلى أن يطلبوا المزيد.

في الثالثة، كانوا مُتعطشّين- وفي الرابعة زاد الظمأ!- لكن عطشهم كان مُقتصرًا على السماع فقط، بينما في الرابعة، ظمأهم لأن يُشاركوني تساؤلاتهم، أفكارهم عن أشياء كثيرة تسكنُ نفوسهم الصغيرة، نقاشات تُغيّرني دون أن يعلموا.

بدأنا في التعرف على سؤال من نبيّك؟ شرحتُ لهم معنى النبأ، استخدمناها في جملٍ كثيرة، أنبئي صديقك، أنبأنا أحمد، أنبأت يارا… ماهو النبأ الذي أنبأتنا به سارة؟ حتى وصل بنا الأمر للتعرف على مُحمد صلى الله عليه وسلم، كان أول انطباع عنه، أنه الله.

حينها كانت الدّهشة، حين أخبرتهم أنه إنسان مثلنا، يأكل ويشرب، ولديه أولاد ومسكن، ولديه أصدقاء، ظللنا أسبوعين نفرّق بين الربّ والنبّي، وكل يوم وبعيدًا عن المبالغة، يستمتعون بإعادة السيناريو ذاته، وبمتعة بالغة، يامعلمة ترى النبي كان عنده أولاد وكان يضحك وكان وكان…. ثم بدؤوا يجدون الفارق الأكبر بأنفسهم، أن الرب وحده مدبّر الكون، يامعلمة يقدر النبي ينزل المطر؟ يقدر النبي يخلي الشمس تطلع؟ يسألون، انظر إليهم، يجيب بعضهم بعضًا، أردد: الحمدُ لله.

تزيدُ نشوتي، لمّا يُشيرون إلى اسم جبريل عليه السلام، في البطاقة، لما نردد عقيدتنا في القرآن، أسألهم: من هو جبريل؟ يقولون هو المَلَم فتقول الطفلة مَلَك-مُفتخرة بأن اسمها كذلك!: “أصلاً ربنا خلق ملَك مرة كتير، واختار جبريل عشان…  القرآن” هذا الأسلوب الركيك، يُسعد قلبي أيضًا.

في الأسابيع الأخيرة، غدا حديثنا عن الجنّة، وصفها، ونعيمها. كان أقصى ما يعلمونه عن الجنّة هو أن الإنسان سيرى الله فيها، وأن الجنة (فيها كل شيء) الآن، صغاري بفضل الله، يعلمون أمورًا لم يكونوا يعلمونها، ولم أكن شخصيًا أعلمها، تعلمناها سويًا.

في كل يوم، كنت أخبرهم، كانوا يظهرون ردة فعل تحرّك في قلبي شيئًا يظل مفعوله وقتًا طويلًا! هذا المفعول يدفعني للعمل، والبحث، تلك الحركة الخفيّة في قلبي، تدبّ في أوردتي همّة واجتهادًا. فياربّ اجعله خالصًا لوجهك الكريم.

من جُملة ما تعلمناه عن الجنّة، أنّ أهل الجنة، قد يأكلون وهم متكؤون أو متمددون وهذا لا يؤذي أجسادهم، بعكس الدنيا، المهم، في وقتٍ آخر، بعد أسبوع تقريبًا من تعلمنا لهذه المعلومة، عرضتُ فيديو وقد نسيتُ تمامًا أمر الأكل في الجنة! كان الفيديو يعرض سلوك طفل يأكل وهو متكئ، فقال إبراهيم: “يا معلمة شوفي يحسب نفسه في الجنة!“… واسعدَ روحي ياربّ.

أخبرتهم عن بحار الجنة، بحرٌ من لبن وبحرٌ من عسل، لن أحدثكم عن ملامحهم الصغيرة، كيف تغيرت، فور معرفتهم بالخبر اليقين! كان هذا في الساعة الثامنة والربع، في الساعة الثانية عشر ظُهرًا، قدّر الله أن تحوي وجبة يارا على لبن، حتى تذكر نعيم الجنّة! قالت: “أصلًا في الجنة، حأشرب من بحر اللبن” أيقنتُ أنّ أخبار النعيم، لا تُنسى، ويذكرها الإنسان، ولو وسط الزحام.

سألتهم:” تتوقعوا من أول من يدخل الجنة؟” حقيقة سألتهم وأنا لا أتوقع إجابة منهم! فاجئني الله بأن الجميع قد أجاب، دون أدنى تلميح مني! نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، سألتُ جود، لماذا؟ قالت: “لأنو علّم الناس القرآن“.

أكثر ما قد يجعلك تسعد لوقت طويل، لما تزرع، في ظهيرة مُشمسة، وتظن ظنًا كاذبًا، أن التربة عاطبة! فجأة!!- أحيانًا تحدث مقدمات، قبل مانسميها بالفجأة، لكننا لا نفقه البدايات!- يُمطركَ الله بأن مازرعته، لم ينبته لك وفق تصورتك أنت، بل وفق تدبيره وحكمته، وهذا ما يحدث مع المعلمة في أوقاتٍ كثيرة، تقول معلومات كثيرة، وتجري نقاشات وحوارات، ولا تدري أنها قد ألقت بذور، تكفل الله بعنايتها وإنباتها، يأتي في يومٍ لا تتوقعه، يربط أحد الصغار، كل ما يتعلق بموضوعٍ ما، ويخبره المعلمة، كنص تعبيري واضح، عندها، تدرك المعلمة، شيئًا واحدًا: أنّ الأمر كلّه بيد الله.

هذه الخمسُ عشرة دقيقة، هي النافذة التي تجعلني أتطلع على قلوبهم النقية، وفي قلب كل واحد منهم تساؤل أو مجموعة من التساؤلات، منهم من يُبدِ ذلك، ومنهم من يُجيد إخفاؤه، يأتي دورك في إظهار كل ما لديكِ، شيئًا فشيئًا سيظهر الذي أخفاه، ربما، أو ربما يوافق قولك، شيئًا في نفسه، فيسكن وجدانه.

فترةُ القرآن، عظيمة عن الله، لو أعطتها المعلمة حقها وقدرها، إعطاء القدر، لا يعني الكثير، أقول هذا بالتجربة! إعطاء الحق بأيسر الطرق، يكفي أن تعطيه بكامل الشعور. الطفل لا يعنيه أن تخبره أن خازن الجنة لن يفتح الباب لأحد سوى لمحمد صلى الله عليه وسلم! هكذا بوجهٍ مُصمت. كل المعلومات ستفنى، وسيظل الشعور الذي تورثه في قلبه وروحه وفؤداه.

في لقاءات القرآن التي كنا نتحدث فيها عن الجنّة، كان أكثر من طفل يصرخ، يرددون: متى ندخل الجنة؟ وكان أحدهم يقول: “أبغا أموت دحين عشان أدخل الجنة!!” ملاحظة: شرحت له أن بوابة الدخول للجنة العمل الصالح، مهما تمنى الإنسان الدخول، دون العمل، لن يفيده ذلك، ربنا وهبنا الحياة، حتى نستكثر العمل الصالح” استكانت نفسه، وابتسم. هذا الشعور الصادق، هو الباقي، أما معلومات الجنة، سيعلمونها مثلما علمتها! 

الحمدُ لله

Share

” سويت حمّام ” !

20 سبتمبر 2014

♪ 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

writer

تلقّيتُ الخبر كالصاعقة ، الخبر الذي لم يطرأ حتى مجرّد خاطرة عابرة ! حين سألتُها كنت أسألها وأنا أعلم الإجابة ولكن من باب الاطمئنان أكثر جاء سؤالي لها ، فكانت إجابتها الخبر الذي لم يكن في الحسبان ! ” إيناس انتي معلمة روضة أول ” .

حقيقة لم أستغرق وقتًا طويلاً لأتقبل أو أعترض ، حفتني ألطاف الله الخفية ، ورغم أنه الخبر الذي لم يكن في الحُسبان ، إلا أنني رفضتُ إلا أن أُكمل فيه قبل أن أخوض تجربته .

بدأت تربية الله وتهذيبه لي باكتشافي بأن أطفال كثيرون يرتدون ” الحفاضة ” وبحاجة لتعليمهم ” الحمام ” ، الأمر الذي لم أفكر فيه يومًا ، لم يخطر على بالي يوماً كيف يتعلم الطفل أن يطلب دورة المياه حين يحتاج لذلك ؟ رغم معايشتي لابنة أختي لبعض الأوقات لكن لم تصلني ” المعاناة ” إلا حين قُدّرت أن نعيشها ساعة بساعة .

كان يتعيّن علينا أن يدخل جميع الأطفال ” الحمام ” كل ساعة . المُضحك هو توصيات أمهاتهم لنا بأن نُحضر جوائز تحفيزية لمن يذهب للـ” حمام ” ويحافظ على نظافة ملابسه . حسنًا في الحقيقة فعلت أفنان ذلك من قبل توصياتهم ، وكنتُ أقول ما بالها تهتم كثيراً بهذا الموضوع ، فسيذهبون للـ ” حمام ” ولاحاجة لتضخيم الموضوع !

كانوا يستمتعون بذهابهم ، وحين يعودون للفصل ، يهتفون لأصدقائهم ” سوووويت حمّام ” !! وكنا نحتفل معهم بالتصفيق و” تكريم ” الفاعل ، ويحوز في نهاية الأمر على ” استكر ” !! وحين تأتيهم أمهاتهم يكون أول ما تسأله : ” رحت الحمام ” ؟ وإذا كانت الإجابة بنعم ، تُكمل الأم طقوس الاحتفال الذي ابتدأناه .

وسط انشغالنا بموضوع ” الحمام ” كنتُ أشعر بالفقد ، فقدي للأطفال الكبار جدًا في عيني وفي قلبي ، أطفال التمهيدي الذين لا يحتاجون كلّ هذا الجهد في التوجيه ، أفتقد أن استغرق ساعة طويلة لتحضير حلقة واحدة تُقدّم خلال نصف ساعة ! أفتقد أن نفتح حوارات ونقاشات حول موضوع يشدهم ، فنتشارك البحث ويأتوني بما يُدهشوني بمعرفته . لله دُرّها من سنين جميلة مضت ..

شاهدتُ كيف تقدّم الحلقة لهؤلاء الصغار ، وجاء دوري للتطبيق ، كان موضوع الحلقة عن مواصفات الإنسان واختلاف ألواننا وأطوالنا ، عرضتُ أول صورة ، لشخصين أحدهما طويل جداً والآخر قصير . سألتهم من الطويل ؟ وكنت أشير بيدي للأعلى ، كان سقف توقعاتي عالي جداً ! أجابني أحدهم : ” يلعبو كرة سلة ” وقال آخر : ” ليه لابس أحمر ” وتبعتهم ثالثة:  ” ليه يضحك ” نظرت لأفنان نظرة استجداء ، فأومأت لي بأن أُكمل وأكملت وأنا أشعر بأني كمن يتحدث مع نفسه ، وكل واحد منهم في وادٍ قصي عن الوادي الذي معلمتهم فيه !

قررت أن أعيد المفهوم كلما وجدتُ فرصة لذلك ، وفي أيام مختلفة ، لم يعودوا يلتفتون للون الأحمر ، ولا لملامح الوجه ، الآن تشغلهم فكرة حقيقية وهي أننا مختلفين في الطول ، أصبحوا يقفون بجانب بعضهم البعض ويقارنون أطوالهم ويقولون : أنا كبير وفلان صغير ” وفي أحد المرات جاءني ” هيمو ” الطفل الذي يصعب عليه سماع اسمه الحقيقي دون ” دلع ” فقال لي وهو يقف بنفس الطريقة التي كان يقف فيها الشخص الذي عرضت لهم صورته وهو يضع يديه على خاصرته ويقول : ” معلمة أنا كبيررررر ” مستخدماً ذات النبرة التي أستخدمها .. أصححها له وأنا ابتسم بأن منحني الله طفلاً يجبر القلب رغم ” قزميته ” .

كنتُ أظن خلال سنواتي الوظيفية بأني تعلمت كيف أجعل المفهوم الكبير الذي يُدرّس للكبار ، كيف أجعل منه بفضل من الله مصغراً سائغاً للصغار ، لكن مع روضة أول ، شعرتُ بأني كنتُ أدرّس أطفال الجامعة والآن أطفال الروضة ! والبون شاسع جدًا . كنت استخدم المصطلحات التي اعتدتُ استخدامها مع أطفال التمهيدي ، وكنت في المقابل أتوقع نفس ردة الفعل . مع أطفال التمهيدي كنتُ أبدأ بالعد من 1 وحتى 3 ثم أشير بفمي كمن يغلقه وأقول : صمت . في الغالب كانوا يصمتون . أما مع هؤلاء الصغار جدًا ، يصمتون ولكن ليس قبل أن يعيدوا ما قلته وأسمع كلمة ” صمت ” من أفواههم الصغيرة بشكل مضحك تبدو وكأنها صدى  .يضحكونني حين يقولون :  ” سَمت ” وبعضهم يضيفون لها البهارات فيُتبعون الـ ” سَمْت ” بـقولهم : ” اششششش ” .

حين كنتُ – وما أجمل ما كان – معلمة التمهيدي ، كنت أخبر صديقتي أمل بأنني أحب جداً جدًا وقت الوجبة الثانية التي يحضرونها من منازلهم ، كنت أخبرها بأنني أشعر بأنها ” جلسة شاي ” معهم ، كنا نفتح فيها مواضيعاً ، ونجري مسابقات حتى من حماسنا كانت مديرتنا في كثير أحيان تخرج من غرفتها وتشاركنا الإجابة ، كان ذلك يسعدني كثيراً . أما الآن ، فجلسة الشاي لم تعد كذلك ! غدت كأنها “جلسة كبسة ” ! لم أعتد أن يُحضر الأطفال أرزًا أو أصناف أطعمة تحتاج لتسخين ! أصبحنا نقسم مهامنا ، معلمة تجلس على الطاولة تستقبل الأطفال والثانية عند حقائبهم تساعدهم في إخراج وجباتهم ، ثم تبدأ ” جلسة الكبسة ” ! أشعر حينها بأنه كمن تعلم كيف يكتب جُملاً طويلة جدًا لكنه فجأة اكتشف أنه لا يعرف الحروف أصلاً فكان حريّاً به أن يعود للوراء ويتعلم أ ، ب !

وللمواقف المضحكة النصيب الأكبر مع هؤلاء الصغار جدًا ، في أحد المرات التي كنا نلعب فيها ألعاب حركية وألعاب أصابع ، كنت أمثّل بأني آكلهم فأدغدغهم ويضحكون ، فجأة ، باغتني أحدهم بـ ” كف ” محترم جداً ، كان الموقف درامي جدًا وكان هذا أول كف أتلقاه من طفل في تاريخي كله ! وعندما شاهد ردة فعلي الواجمة ، ارتبك ، لا أتذكر ماذا قلت له لكنه قال لي : كنت ألعب !

في أحد الأوقات التي كنا نشاهد فيها مقاطع فيديو ، أخبرتني إحداهن أنها تريد أن تجلس في حضني ، فأجلستها والبقية حولنا على الكراسي يجلسون ، وفجأة شعرت بشيء … فسألتها إن كانت تحتاج لحمام ؟ صارت تبكي وتقول : ” لا أنا ندِيفة ” فعلمتُ أنها فعلتها فوق حجري ، في اليوم الذي قررت فيه أن أرتدي فستان !

وفي نفس الفترة في وقت آخر ، بينما الكل منسجم مع ما نشاهده ، هزّني أحد الأطفال وقال لي : ” معلمة إيناس شوفي ” .. وخلع عن كتفه وقال : ” شوفي خدّي ” وهو يلصق خده بكتفه ! ما أجملهم حين يفعلون أشياء لا أعلم كيف من الممكن أن تطرأ على قلب بشر !

خلال الأسابيع الماضية ، تعلمت أموراً ما كنت لأتعلمها لو عكفتُ عليها سنيناً طويلة ، وكان أكثر ما أردده : ” الله يعين الأمهات ” علمتُ كيف تكون التربية جهاد ، علمتُ كيف يبتليك الله في خصال كنتَ تظنّها متأصلة فيك ! فإذا كنت طِوال عمرك تظن بأنك أمين في عملك مُخلص ، فستأتيك أقدار الله التي يفسرها قلبك بأنها كالرعد في قوته ! وسيكون أن يُمطر قلبك بما اعتدته عسير جدًا ، وهنا يمحص الله كلّ ما أودعته في قلبك . تعلمتُ بجانب أن ندعو للأطفال ، أن  ندعو الله أن يكفينا شرهم ، كما علمتنا د. نجود . علمتُ بأنه لكي أكون معلمة ناجحة لابدّ أن يكون في رصيدي (خبرة) التعامل مع روضة أول ، تعلمت كيف يعزّ الله أقواماً ، لكنهم لا يفطنون بالعزة التي منحهم إياها ؛ لأنهم ينظرون للأمر بالمنظور المتعارف عليه اجتماعياً ، لا بعين البصيرة التي أنارها الله لهم لكنهم يأبون إلا أن تنطفئ . 

فاللهم يا الله اجبر نقص أعمالنا  ، واجعلنا مباركين أين ما كنّا ، واجعلنا من خيرة من يعلم الناس الخير 

Share

برستيج المعلمة !

10 أكتوبر 2013

♪ 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

برستيج

بدأ الأمر حين أصبح جدول المواضيع التي ينبغي تقديمها للأطفال – الذين لا نعرفهم – بين يديّ أنا وصديقتي شيماء ، سقطت عينانا على موضوع تعليم الأطفال الوضوء ، فكانت ككرة ملتهبة ترميها كل واحدة منا على الأخرى ؛ بغرض التخلص منها !

حاولتُ وصديقتي التفاوض ، لكن شيئاً مما نرغب به ، لم يحدث ، فاضطرتْ كلتانا للذهاب لمعلمة الفصل وإخبارها بأننا وبكل أسف شديد نعتذر عن عدم تقديمنا لحلقة الوضوء للأطفال ، كان أول ما قالته : ” لييييييييييش ؟ ” أخبرناها بأننا لا نستطيع أداء الوضوء أمام الأطفال ! فثمة عوائق كثيرة ، أفصحنا عن أكثرها ، وما لم نخبره لها هو : برستيجنا ! ورغبتنا في الحفاظ عليه .

تقبلت المعلمة رفضنا ، وقررت أن تعطيه عوضاً عنا ، وبعد أيام كانت الحلقة ، حلقة الوضوء ، شرحتْ لهم نظرياً خطوات الوضوء ، ثم أخبرتهم بأنهم سيتوجهون جميعاً إلى دورة المياه ليشاهدوا الخطوات عملية ، توجهنا لحيثُ أردات ْ بدأت بغسل يديها حتى وصلت إلى وجهها ، مسحت أحمر الشفاه بطريقة عادية جداً ، بللت شعرها المصفف بطريقة مرتبة جداً ، خلعت حذاءها ورفعت قدمها للحوض ، حتى أتمّت وضوءها على أكمل وجه. آنذاك لم أشعر بأي شي عدا أنه هم وانزاح !

كان ما سبق منذ ثلاث سنين مضت ، في الفصل الأخير قبيل تخرجنا من الجامعة ، حين كنا متدربات في إحدى الروضات .

وحين أصبحتُ معلمة ، مع مرور الأيام شعرتُ بمتعة حين تتصابى المعلمة لأطفالها ، تتسابق بالدراجة تارة، وتقفز معهم تارة أخرى ، وتُجري معهم أمور مختلفة على مرأى من أناس يمرون جيئة وذهاباً ، ونظرات تعجب تُشبه نظرات الصديقتان اللتان رفضتا أداء الوضوء أمام الأطفال ! 

حينها فقط أصبح ما كان هماً قبل ثلاث سنوات ، رغبة ! رغبة في أن تتاح لي الفرصة مرة واحدة فقط ، وكنتُ قد وعدتُ الله بأن أُحسِن اغتنامها. وقبل يومين من الآن أكرمني الله بأني لم أقدم الوضوء فقط ، لكنني تخيّرته من بين كل المواضيع المتاحة ، الموضوع الذي أرغب في أن تقيمني مشرفتي عليه ! 

في وقت الحلقة ، كنتُ أرى نفسي ، تلك المعلمة التي نسيتُ اسمها ، وبقي فعلها في قلبي ، كنتُ أتخيلها أمامي ، وكان دوري فقط هو ترديد الفعل بفعل ، خلعت ساعتي ، وطوق رأسي ، غسلت يدي ، ووجهي بطريقة عادية جداً ! أتساءل الآن : أي أمر عجيب صعب شعرت به تلك الصديقتان اللتان رفضتا أداء الوضوء ؟! 

انتهيتُ من الوضوء ، وكان أجمل يوم يعيشه قلبي منذ ابتداء السنة الدراسية ، كنتُ قد نويتُ أن تقديمي لحلقة الوضوء ” كفّارة ” لرفضي المُسبق ، كان يوم الثلاثاء ، منّة منّ الله بها عليّ . 

ثمة أخطاء نرتكبها ، ولا يفتح الله علينا إلا بعد مضي زمن نخاله طويلاً ، حتى يكاد طول الزمن يجعلنا نكفّ عن محاولة التعويض أو الإصلاح ، لكن ثقوا بأن الله إذا علم من العبد صدق النية ، أعانه . 

Share

ماتشعر به المعلمة 2

11 أبريل 2013

♪ 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

body

كنت آنذاك ” مِتنشِنَة ” للحد الذي شعرتُ به بأنه لو اقترب أحدهم مني ، فسيُصاب حتماً ولا ريب بالصعق الكهربائي ، كنتُ أقف قبالة باب الفصل ، والأطفال أمامي يصفطون طابور استعداداً للخروج ، كان بصري شاخصاً نحو الأطفال الذين لم ينضمّوا للطابور بعد ، وفي غمرة تنقل بصري بين هذه وهذا ، لم أشعر بكفّي إلا وهي على شعر عُمر ، الطفل الواقف في أول الطابور ، الواقف أمامي ، صفعني عقلي ، تداركتُ ماحصل خلال جزء من الثانية ، أمسك عُمر بيدي دون أن أشعر ، وضعها فوق رأسه ، ثم حرّك كفّي مُداعِبة شعره ، كما أفعلُ دائماً مع الواقف أمامي ، لا يدري عُمر ما فعلته به مسحة رأسه ، لقد سكبتْ ماء عذباً فُراتاً ، فخمد البُركان الثائر .

انتهي من تقديم المفهوم العلمي في فترة الحلقة ، ويباغتني شعور بأنّ الفوضى التي يُحدثها بعض الأطفال ، تنحرُ ما وددتُ إيصاله ، أتأسفُ لهم بيني وبيني على ما لم أستطع تعليمهم إياه كما ينبغي ، يمرّ اليوم تلوَ اليوم ، وينقضي المفهوم الذي قدّمته قبل أيام أو أسابيع ، وفي حوار خاص جداً بين الأطفال مع بعضهم البعض ، يُهيئ الله سمعي وقلبي ، فتسُوقني قدماي نحوهم ، لأسمع حوارهم عن الشيء الذي تعلموه قبل فترة من الزمن ، الشيء الذي ظننتُ بأنه ذهب هباءً منثوراً . ينحني قلبي ليبتسم دون أن يُظهِر أوردته وشرايينه ، تلك الابتسامة لا تعني إلا شيئاً واحداً : الرضا .

كنتُ أعلمُ بأن ذاكرة الأطفال قوية جداً – حفظهم الله – مالم أكنْ أُدركه إلى أيّ حد يُمكنهم تذكر ما حصل معهم ؟ حدث أن قدمتُ أمامهم تجربة البركان ، ورغم تجربتي لها في المنزل ، إلا أنها لم تنجح في المرة الأولى ، مما جعلهم ينتظرون أطول من المدة التي توقعتها ، ثم وبعد مرور أكثر من شهر ونصف ، قمتُ بإعادة التجربة بإخراجٍ مختلف ، كانت ردة فعلهم بعد انتهاء التجربة : ” يا أبلة هادي التجربة زي اللي ما زبطت معاكي أول ” ، هذا إلى جانب تذكرهم لموقف ” المعلمة التي قفزت فوق الدولاب  ” كلما دخلنا للفصل نفسه بقول عبد الله حين يرمقني بنظرة لؤم قائلاً : ” تتزكري يا أبلة لما نطيتي عشان الوزغة ؟ ” حسناً في كلا المرات التي يُعايروني فيها أطفالي بالمواقف ” البشعة ” أضحك بشدة . أعتقد بأن الله يسخر لنا المواقف المحرجة ، لتكون ذكرى مُضحكة وجميلة جداً ، كما يحدث معي .

كل مافعله هؤلاء الصغار ، إخمادهم للبركان الثائر ، رضا قلبي ، الضحك بشدة .. بإمكان الكبار أن يفعلون هذا من أجلنا ولكن قد تأتينا بشقّ الأنفس ، لكنها تأتيني دون أن أطلبها من الصغار . في زمنٍ أصبح التعليم مهنة من لا مهنة له ، فإنني لا أغبط كل معلم ومعلمة . إنني أغبط المعلمين والمعلمات الذين واللاتي يمتهنون التعليم ويستشعرون بعظم ما تقوم به قلوبهم قبل جوارحهم . أغبطكم على أشياء كثيرة وأغبطُ نفسي أيضاً ، على كل الأشياء الجميلة التي نحصل عليها غير الراتب ! أغبطُنا على ما لم يشعروا به بقية المعلمين والمعلمات .

Share