عَلى حَرْف

بسم الله الرحمن الرحيم

فلمَّا وصلتَ، لم تكن تعلم أين تقفُ قدماك، لكنَّك كنت لحالك غير مُنتبه ولا لها مُلتفت، كانت تُشغلك أمورًا أُخرى، جمال الطقس، وحلاوة المنظر، ولما انقلب حال سُرورك أبصرتَ موضع قدميك، إنّك على حافّة الجبل! طَرَفه المؤدي للسقوط، للهلاك، لكنّك لما غادرتك المسرّات أدركتَ هذه الحقيقة التي ما غابت، ولا غيّبها إلا انشغالك، وما جلاّها إلا لما زالت المُتع، ونزل عليك البلاء رُبّما أو اقتربت منك فتنة ما، في هذه الحال، فقط تُدرك حقائق ما كانت تُظهرها العافية لكنّ بلاء واحد، كفيل أن يُخرج فيك كل ادّعاءاتك! لتكُن أمام نفسك موقنًا بأنك وبكل صدق بينك وبينك. تنضمّ لتلك الفئة التي كثيرًا مامرّت على لسانك وأنت تقرأ في سورة الحج، الآية: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ۖ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ ۖ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ).

يزداد يقينك بأنّك أسرفتَ في إخراج نفسك وتنزيهها من فئات كثيرة من الناس، تنزهها وتُبعدها من أن تنضم ممن ذكر الله صفاتهم!

تُعيد الموقف بعد أن خلعت ثوب ادّعاءاتك بأنّك غزير الإيمان! تستدرُّ المواقف عليك تِباعًا، واحدًا تلو الآخر، يوم أن شكرته، ولما ذهبت عنك النعمة، أعقبتَ الشكر بالكُفران والجحود، تذكرُ يوم أن عبدته، وما أن فارقتَك إحدى محبوباتك، انقلبتَ على وجهك! خسرتَ ما جمعته! ذلك هو الخُسران المُبين.

يزداد إيمانك الضعيف بأنك هزيلٌ هزيل!، متأرجح، يقلبّك الهَوى يُمنة ويُسرى، وكل يوم إيمانك في شأن! ولأنّك كنت في إيمانك، مُتأرجحًا، فكانت عباداتك، وليدة إيمانك! مُتذبذبة كهواك الذي يُحركك!

تُدرك بعد كل هذا، بأن إيمانك لم يكن يومًا إيمانًا ثابتًا، وأنك كنت مُعرّضًا دومًا للسقوط، لكنك لم تعي كل ما يحدث لك! لم تدرك أنّ قلبك بما حوى، آيل للسقوط في أي لحظة! تُدرك أنك بعيد أشدّ البُعد عن المؤمنين الصادقين، أولئك الذين يثبّتهم الإيمان عند المصائب والفتن، عند حلول البلاءات والنوازل، الناس ينقلبون على وجوههم، وهم بإيمانهم ثابتون، لا تستطيع الفتن زحزحة إيمانهم؛ ذلك لعمق جذور إيمانهم من أعلاهم لأخمصهم، فأي رياح قادرة على اقتلاع جذر واحد؟

تُدرك أيضًا أنّك ماكنت مؤمنًا إلا لما ساق الله لك رزقك، ودام عليك ما تُحب، وأمدّك بالصحة والعافية. كنتَ مؤمنًا لما كان عيشك رغدًا، لما كانت أيامك هناء، ولما جرَت عليك سُنن الله، انقلب إيمانك عليك؛ ذلك لأنك كنت تعبدهُ على حرف، على شك، تمامًا كما كنتَ واقفًا على حافة الجبل!

يقول السعدي في تفسيره للآية:

أي: ومن الناس من هو ضعيف الإيمان، لم يدخل الإيمان قلبه، ولم تخالطه بشاشته، بل دخل فيه، إما خوفا، وإما عادة على وجه لا يثبت عند المحن، { فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ } أي: إن استمر رزقه رغدا، ولم يحصل له من المكاره شيء، اطمأن بذلك الخير، لا بإيمانه. فهذا، ربما أن الله يعافيه، ولا يقيض له من الفتن ما ينصرف به عن دينه، { وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ } من حصول مكروه، أو زوال محبوب {انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ } أي: ارتد عن دينه. 

في ظُلمة شعورك بوهن الإيمان، تظن أنك أدركت كل ما أدركته متأخرًا، لكنك مخطئ في إدراكك هذا، فكل شيء خلقه مولاك بقدر، حتى معرفتك للحق، أخّرها عنك لحكمة وقدّمها لغيرك لسبب لا يعلمه إلّا هو.

قال رسولُ اللهِ ﷺ: ” عَجَبًا لأمرِ المؤمنِ إِنَّ أمْرَه كُلَّهُ لهُ خَيرٌ وليسَ ذلكَ لأحَدٍ إلا للمُؤْمنِ إِنْ أصَابتهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فكانتْ خَيرًا لهُ وإنْ أصَابتهُ ضَرَّاءُ صَبرَ فكانتْ خَيرًا لهُ “. رواهُ مُسْلِمٌ.

حتى لا يكن إيمانك مُطمئنًا لما يكن عيشه هانئًا، اقرأ عليه ما علّمنا إياه حبيبنا صلوات الله وسلامه عليه، أمرك كله خير، هذا ما يريده الله منّا، أن يديم اطمئنان قلوبنا في كل حال نمر بها، وتحت أي ظرف قدّره علينا، أن يكون حالنا بين الصبر والشكر نتقلّب، أن ننشغل بزيادة إيماننا في الرخاء؛ لأنّه الزاد الحقيقي لأفئدتنا في الشدائد والمِحن.

لما تهوِّن على قلبك بأن ما كان صعبًا أمضاه الله، أفيتركك الآن وحيدًا؟ حاشاه، سبحانه حاشاه!

قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: “مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْراً يُصِبْ مِنْهُ” رواه البخاري.

ذكِّر قلبك دائمًا بأن تلك النازلة التي أصابت قلبك، محبوبك، شعورك، ما كانت إلا لخيرٍ كتبه الله وأراده لك.

أرأيت كيفَ أن أهل المريض، الذي تزداد حالته الصحية سوءًا بعد سوء، يكون وقع مصيبة موته أخف وطأة ممن يموت بلا مرض ولا سابق تهيئة؟ فكذا حال القلب لما يُعدّه صاحبه لكل ما يجهل وقوعه، فيتوقع بأن أيامه لن تكون كلها رخاء وسعادة، لما يُعدّه بأن يثبت لما تتأرجح أرضه وقاعدته، فلما يكتب الله بأن يكون من المُبتلين، حينها يصبر ويشكر؛ ذلك لأن صاحبه ابتعد عن حافة الجبل، وضع قدميه في مكان آمن، لا تصل إليه الزلازل، وإن وصلت إليه فإنه بإيمانه يتسلّح، ومن كان الله معه، فإن إيمانه لا يخذله.

أحد السلف كان أقرع الرأس، أبرص البدن، أعمى العينين، مشلول القدمين واليدين، وكان يقول: “الحمد لله الذي عافاني مما ابتلى به كثيراً ممن خلق وفضلني تفضيلاً ” فَمَرّ بِهِ رجل فقال له: مِمَّ عافاك؟ أعمى وأبرص وأقرع ومشلول. فَمِمَّ عافاك ؟ فقال: ويحك يا رجل ! جَعَلَ لي لساناً ذاكراً، وقلباً شاكراً، وبَدَناً على البلاء صابراً !

قوّ إيمانك، ليكن عُكّازك الحقيقي عند الشدائد، لتكن ممن يولّيهم الله على الناس عند اضطراب الحال. ولاية الله لا تجيء لمتأرجح الإيمان، لمن وضع قلبه في سطح منزلق! كلها لا تأتِ بخير، ولاية الله تأتيك لما تشدّ من عزم إيمانك.

شُدّه بقصص الأنبياء، بمعرفة أحوال السلف، بالتفكر في آيات الله، واسقاطها عليك على حالك، بشعورك بأنّ القرآن كله ما أُنزل إلا لك.

خِتامًا، يقول ابن القيِّم- رحمهُ الله: 

” فرِّغ خاطرك للهمِّ بما أُمرت به، ولا تشغله بما ضمن لك ؛ فإن الرزق والأجل قرينان مضمونان، فما دام الأجل باقيا كان الرزق آتيا، وإذا سد عليك بحكمته طريقا من طرقه، فتح لك برحمته طريقا أنفع لك منه ؛ فتأمل حال الجنين: يأتيه غذاؤه وهو الدم، من طريق واحدة وهو السرة، فلما خرج من بطن الأم وانقطعت تلك الطريق، فتح له طريقين اثنين، وأجرى له فيهما رزقًا أطيب وألذ من الأول: لبنًا خالصًا سائغًا، فإذا تمّت مُدة الرضاع وانقطعت الطريقان بالفطام، فتح طرقًا أربعة أكمل منها: طعامان وشرابان ؛ فالطعامان من الحيوان والنبات، والشرابان من المياه والألبان، وما يضاف إليهما من المنافع والملاذ، فإذا مات انقطعت عنه هذه الطرق الأربعة.

لكنه سبحانه فتح له – إن كان سعيدًا – طرقا ثمانية، وهى أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء، فهكذا الرب سبحانه لا يمنع عبده المؤمن شيئا من الدنيا إلا ويؤتيه أفضل منه، وأنفع له، وليس ذلك لغير المؤمن، فإنه يمنعه الحظ الأدنى الخسيس، ولا يرضى له به، ليعطيه الحظ الأعلى النفيس، والعبد لجهله بمصالح نفسه، وجهله بكرم ربه وحكمته ولطفه، لا يعرف التفاوت بين ما منع منه وبين ما ذخر له، بل هو مولع بحب العاجل وإن كان دنيئا، وبقلة الرغبة في الآجل وإن كان عليًا !! “

ربما يكون للحديث عن طرف الجبل بقية.. 

Share

تعليقان 2 على “عَلى حَرْف”

  1. نجود علق:

    مررت من هنا
    وقفت هنا
    حللت هنا أعالج قلبي!

  2. . علق:

    نكأتِ جروحًا..
    أفيتركك الآن وحيدًا؟ حاشاه!
    المهم ألا تفقد يقينك، ألا تفقده!

    هذه الذاكرة أيقظها حالَ البلاء، أو بالأحرى اجمع فيها كل ما يمر عليك في حال عافيتك عن واسع فضله، وجميل إنعامه، عن مواقف أشهدك فيها رحمته، احشد فيها كل مشاعرك، فلما يأتي البلاء تجد معرفتك السابقة جدارًا يُسندُك!
    نِسبةُ كل النعم إلى الله، وهذه التي لم نعرها اهتمامنا 💔!

    في البلاء تعْلَم أنّ كل ما كنت تحتاجه التوحيد، وأن الذي ينبغي تعلّمه هو التوحيد، وقد فرطت في تعلمه!
    وأنّ كل النجاة في التوحيد!
    “و تأمَّل إبراهيم الخليل – عليه الصلاة و السلام – لمَّا أُوقدت له النار، جاءه جبريل- عليه السلام – فقال: يا إبراهيم، ألكَ حاجةٌ؟ فقال إبراهيم – عليه الصلاة و السلام -: أما إليك فلا، وأما إلى الله: (فحَسْبي اللهُ ونِعم الوكيل)”*.

    تتعلم أن للدعاء شأنٌ آخر، وإن كنت في الأصلِ تدعو لمطلوب -كزوال الهم أو تفريج الكرب- لكن في البلاء تجده قوةً تربط على قلبك، تثبتك، تبقيك على الطريق، بالرغم من التعثرات! من السقوط، ومن الجروح التي خلّفتها تلك التعثرات فأصابت منك الشيء الكثير!

    في حال البلاء تجد لأذكار الصباح والمساء، أثرًا..
    تجدها حصنًا منيعًا، وهي التي مرّت أيّامك الماضية خاليةً منها!

    في البلاء وإن كانت الصور مشوشة في ذهنك، ليس المهم أن تتضح، المهم كيف أنت؟ وكيف كنت؟
    مرة قرأتُ جملةً لإحداهن: (أذعِن راضيًا حتى يحكم الله!).
    فعلًا.. ربّما كل ما كان عليك فعله هو أن تحبس نفسك الثائرة، وتصبر! فيمدك الله بعونه -وإن كان صبرك السابق منّةً منه-.

    في البلاء تجد أنّك كنت مقصرًا كثيييرًا، كثييرًا! أتُرانا كُنّا على حافّة الجبل؟!
    البلاء الذي حل ليس شيئًا، إنِ اكتشفت أنك ممن كان يعبد الله على حرف، و أنّك كل تلك الفترة كنت كاذبًا!
    فهذا بلاءٌ أعظم 💔!

    وبين المحنة والفرج، جهادٌ ورباط!
    لا تظن أن تمر الأيّامُ بلا نزاع، بل ستتفلّت نفسك وتُعيدها، وتتفلت مرةً أخرى وتعيدُ، وهكذا.

    -ما انتهى بـِ * كان مقتبسًا من هُنا:
    http://www.alukah.net/sharia/0/109642/#ixzz5Rv208nJd

أضف تعليقاً