.. إن يتفرَّقا

شعور ألّا تجد مَن اعتدتَ وجوده، مَن كان أُنسكَ به، مَن كان جليسك وعضدك، من اجتمَع فيه، ما تفرَّق في غيره، من كان ناصِرك ومُعينك على أن تتجاوز محطَّات حياتك العسيرة، مَن كان السَّند لأوجاعك، وكان لأسرارك، مُستودعًا أمينًا، مَن كان لفرحك، مبسمًا صادقًا، من كان لصمتك، حديثًا، ولحديثك، أحرفًا وجُملًا.. 

ألّا تجده، وهو على الحياةِ، موجود! أن تفقدهُ وهو بالجِوار، ترى تحرّكاته، وربما تسمع صوته، لكنَّ شيئًا ما قد حلَّ، فما عادت القلوب كحال الأمس، ومَن كان صاحبك، غدا شخصًا لا تعرفه، وربما لا يعرفك! 

تجد اسمه بين السطور، يُشهدكَ الله حِواراته، حُضوره، لكنه الفِراق! فِراق الأرواح الذي أذِن الله لهُ بالقدوم، فما كان له إلا أن يكون، وما كان لك إلا أن ترضى! 

تُغادِرك الأشياء، الأمكان، والأشخاص، لكنك لا تُغادرهم! يطيلون المكوث فيكَ، وما تشعر، وما تشعر إلا بتغيِّر توجِّه قلبك، تقلِّباته التي ما عهدتها فيه، ما عاد يقبل أمور كان يقبلها، يرفض أخرى كان يرى فعلها، طبيعي جدًا! 

تلوك كل ذلك بصمتٍ، ترتبك أوردتكَ بهذا الحدث الجديد، الخفيّ على الناس، وما أخفاهُ إلا الله، تلوك مرارة الفقد، بينما يسير يومك ككلّ يوم! تجدُ أنك في كل يوم، تُخبئ تلك المرارة في عُمقك، تنغمسُ في مهام يومك، تتقلَّب بين مهمة وأخرى، وبين ثانية وثالثة، تجدُ ما يذكرك بتلك البُقعة المُظلمة فيك!

تشعر بأنك بالودّ لو تطمس كل ما يُعيدك لما لا ترغب بالعودة إليه، لكنك تجدهُ طافيًا على السطح، تُدرك أنّ عليك أن تتوقف هُنيهة عن أعمالك.. أن تغسل وجهك، مستشعرًا بأن أحزانك تذوب مع ذرات الماء، تضع تلك الجبهة في الأرض، الكل في عمله، سائر، لا يعلم عنك ما تخبئه فيك، طويلًا، تسجدُ لكنك تشعر بأنَّها المرة التي تسجدُ فيها بعمق. . المرَّة الأولى التي تشعر فيها بقُربك من مولاك.. ربما لا تقول شيئًا، تردد فقط: يا ربّ يا ربّ؛ لعلمك بعلمهِ وإحاطته بحالك، يقينكَ بأنَّه لن يتركك في منتصفِ الطريق، يُلهمك أن تسأله الرشد، هداية الطريق.

ربما في الوقتِ نفسه لا تشعر بشيء قد انقشع، لكنك فور عودتك للعمل، يُزيح الله عنك ثِقل ما أتعبك، وإن لم تلحظ ذلك، لكنّ هذا ما يحدث في كل مرة تعود فيها لمولاك، تشكوه فيها وسط الجموع، تترك جميل الصُّحبة، تقرِّر ألا يسيرَ هذا الأمر كما صارت إليها بقية أمورك بطريقة ” الفضفضة” فما كل شكوى، تُريح! ثمة نوع من الشكوى للصَّحب تزيدك غمًا على غمّ، تخرج من حميمية الصُّحبة، بشعور أكثر بؤس مما كنتَ عليه من قبل. 

وما شأن الذي فقد مَن أو ما أحب؟ عزاؤه أن الله سيُغنيه من سَعته، في الأمرِ مُتَّسع، وإن كان الضيق ظاهرها! 

وفي قوله تعالى: (وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِّن سَعَتِهِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا) النساء: 130 ، يقول ابن عاشور:

ثم وسّع الله عليهما إن لم تنجح المصالحة بينهما فأذن لهما في الفراق بقوله : { وإن يتفرّقا يغن الله كلاًّ من سعته }.
وفي قوله : { يغن الله كلاَ من سعته } إشارة إلى أنّ الفراق قد يكون خيراً لهما لأنّ الفراق خير من سوء المعاشرة . ومعنى إغناء الله كلاًّ : إغناؤه عن الآخر . وفي الآية إشارة إلى أنّ إغناء الله كلاّ إنّما يكون عن الفراق المسبوق بالسعي في الصلح .

 

يبتليك الله بما تُحبّ، وبمن تُحب، بمن علَّقت آمالك ومشاعرك عليه؛ حتى يُهذِّبك، يُعيدك إليه، وفي كل مرة تضلّ الطريق، تُبعد فيها عن ربَّك الذي أمدَّك وأعدَّك، يُربيك فيها بطريقةٍ قد تُوجع فؤادك، لكنها الطريقة الأنسب لتعلم كَم أنَّك كنتَ ضالًا، فهداك. 

يُعلَّمك الله، في أقدارك العسيرة التي تعيشها بصمت، أنَّ لكل شيء خُلق وأدب، حتى المُسيء له حقوق، وكذلك مَن أو ما فقدته، ووجدتَ أنَّك مضطر للتعامل معه، ثمَّة تجارب جديدة ومواقف جديدة بانتظار أن تتعلَّمها، خُطوة عسيرة، فيُصيرها القدير يُسرًا بعد عسر. . تتعلَّم كيف يُحفظ الودّ رغم فقدانك لكل شيء. كيف تُلقي السلام على مَن أحببت وعلى من لا تُحب، أرأيت كيف تُشذّب الأشجار لتصير في شكلها، أجمل؟ تتساقط أطراف أوراقها، تتفرّق عيدانها الصغيرة، نتيجة كل ذلك الألم: حُلَّة جديدة جميلة! كذلك قلبك، امنحه فُرصة لأن يعيش التجربة كاملة، مهما كانت مؤلمة وقاسية بوصفك، لا تقف عند نقطة معينة، وتنتهي! 

ماتت سمكة في روضتنا، تعلمنا من خلال رحيلها أن الله هو الحي الذي لا يموت، ذبلتْ زهرة صغيرتي، تذكرتْ ربها الحي، تذكرت سمكتنا الملونة، رغم جمالها لكنها فارقتنا، مع كل رحيل قلبٌ يضخّ الإيمان ضخًا. 

الحياة باقية، ما غادرنا الأشخاص، ما تركتنا الأماكن، سُنَّة الله باقية رغم الرحيل، رغم الفقدان، رُغم الظلم ومآسي العالم الإسلامي، حان الوقت لتنتصر فيه على ما تراه شرًا، وليكن بدايتك لتنطلق لرحلة، تتجدد بالإيمان بالمواقف، بشواهد الله لك في كلّ يوم وليلة. أنت بحاجة لأن تقف، كما أخذ موسى الكتاب بقوة، عُد للحياة بِقوة، استعن بالله ولا تعجز. 

كُن وفيًا حتى مع مَن انقطعت عنهم، لا تنسَ أن تسأل عنهم، أن تمنحهم حقوقهم كاملة، وفي كل مرة تُعيدك الأشياء لما لا ترغب، عاود نفسك بالسؤال: هل زادني ذلك إيمانًا؟ إن كان نعم، فاكمل طريقك مُطمئنًا، وإن كان لا، فراجع أمرك، ولا بأس أن يعدل الإنسان عن قراره. 

اللهمَّ اجعلنا ندخل حياة من نُحب مدخل صدق، واخرجنا مخرج صدق. . 

Share

تعليقات 6 على “.. إن يتفرَّقا”

  1. ايمان عبد الرحمن علق:

    وكأنك تصفين حالي في كثير من محطات حياتي لامستيني من داخلي ياصديقتي اجرى الله قلمك لكل مايرضيه عنك

  2. نجود علق:

    تتضح الحقائق فيتغير التفكير فتتباعد الأرواح!
    هكذا تجدين نفسك في غربة، وطوبى للغرباء!

  3. ود علق:

    وُفِّقتِ في كتابتك، جزاك الله خيرًا

  4. شروق علق:

    لا شك انك ماتكتبينه يضمد جراح القلوب
    اسأل الله ان يؤلف بينك وبين من تحبين ياحبيبة القلب ❤️❤️

  5. رزان علق:

    ومن باب الوفاء.. تذكرتك فأردت المرور على أشياءك التي كانت أحد المحطات الفارقة في حياتي..
    أشتاق إلى ما تكتبين 💚

  6. منى علق:

    ما أصعب أن تكون وفيّا مع من غدروا وجرحوا فتسأل عنهم ! ربما تعفو أسهل ! وربما إذا بردت الجروح نستطيع ! لا أعلم !
    لنا في الصدّيق /رضي الله عنه- قدوة حسنة !
    والله المستعان!

أضف تعليقاً