فَلَنُحْيِيَنَّهُ …

 

يلمحُ رشفاتي البطيئة للعصير، يُخبرني فور إعادتي للعصير لغرفة المعلمات، وعيناه يغشاها الحُزن: ” معلمة كان نفسي أذوق من عصيرك!” أنسى شعوري بالدُّوار، أُطبطبُ على كتفهِ، أُطمئنه أني لم انتهي منهُ كاملًا، وعدتهُ بأن يذوق ما اشتهى بإذن الله، قُبيل خروجي، أتذكر وعدي لعمر! أذهبُ وكوب ورقي في يدي وفي الأخرى العصير الذي اشتهاه، أستأذنُ صديقتي بأني أحتاجُ عمر قليلًا، يحتجُّ بقية أصحابه بنظراتهم دون أن يتحدثوا، أُجلسه بجواري، أُعطيه العصير في ذلك الكوب، أراهُ كوب ورقي، لكنَّه لم يكنْ كذلك لدى عُمر! كان كأنَّهُ كوب من الجنَّة، قد أُهدي له!

اللحظات الجميلة في حياتك، تأتيكَ في أوقاتٍ غير متوقعة، نِعَم الله عليك يُنزلها لقلبك، في الوقتِ الذي تكن منشغلًا بأمورٍ أخرى، ستذهب لذَة تلك النعمة فيما لو كان رأسكَ مُطأطئ! وسيُمتعك الله نعيمها ويرزقك شُكرها، لو أنَّك عمَّا أشغلكَ، انصرفتْ.

هذا ما يحدث معنا في الحقيقة، تضيع – أو أننا نُضيَّع- استشعارنا لنعمٍ كثيرة؛ ذلك لأننا مرهقين بأمورٍ أخرى تحدثُ حولنا، أو نشعر بها، أو أقدار نُطيل الوقوف عندها، حتى إذا ما انتهى بنا الأمر لإيماننا الذي يجيء متأخرًا، بأنَّ ما أصابنا لم يكن ليُخطئنا، وما أخطأنا لم يكن ليُصيبنا، و لكنها أقدار الله! نُدرك ذلك – وإيماننا لا يسعفنا؛ لضعفه- متأخرًا، في الوقتِ الذي يُكرم الله به قلوبنا بكثيرٍ مما اشتهينا، تأتي نعمائه في أوقاتِ سَعتنا، ضِيقنا، تأتينا في ازدحام الشعور والمهام، تأتينا في صَحونا ورُقادنا، برؤية يُسرَّ الخاطر لها، لكننا كثيرًا ما نفوِّت كل هذا عمدًا أو سهوًا، لكنها في النهاية تضيع، وشيء من العُمر، يتسرَّب مع ضياع كل نعمة كتبها الله لنا، لكننا لم نُرعِها اهتمامًا يليق بها.

ماذا يحدث بعد أن يضيِّع المرء كل النعم؟ يقلَّ زاده وقت شدَّته، تجدهُ في سفرهِ للحياة، شاكيًا باكيًا مُتذمرًا، حتى ما يُعينه على أن يتخفَّف مما يُعاني ويشعر، فهو زاهد، ومُقلّ! تذكِّره لإحسانِ الله له، في مواقفِ كثيرة وأحداث متكررة، يخفِّف وطأة ما يمرّ به، لكن ذلك الإحسان متهالك، لم يحرص على أن ينمّيه وأن يجمعه لأيَّام كتلك!

تذكركَ لإحسان الله لقلبك، لحياتك، استذكارك لتفاصيلٍ أتعبتك، وكيف أنَّها برحمةِ الله وفضله، غَدت ذكرى، استشعارك لنعمةٍ بعينها، كيف كان لهذهِ النعمة من تغيير كبيرٍ في حياتك، نقلة نوعية لم تحلم بها! وما أتتكَ راغمة إلا بنعمةٍ من الله وفضل… كل هذا يأتي للقلب اليقظْ، صاحب الإيمان القوي، أو الذي يُحاول السير على الطريق، يجمع شتاته مبكرًا، يلمَّ بقاياه؛ لعلمهِ أنَّ لا شيء يبقى على حاله.

يقول ابن القيم:
” النعم ثلاثة، نعمة حاصلة يعلم بها العبد، ونعمة منتظرة يرجوها، ونعمة هو فيها لا يشعر بها “.

أُعلِّم صِغاري بأنَّ القلوب هي محطّ نظر الرب، وما علموا أنَّني كثيرًا ما أنسى هذه الحقيقة! كَم مرَّة تُحسن فيها صُنع أمر، يُثني عليك الجميع، يشكرك من حولك، لكنك لا تشعرُ بالرضا رغم كل تلك الحفاوة! شعورًا صغيرًا كفيل بأن يقلب موازين قلبك، يجعلك تشعر دون أن يخبرك أحد، أنَّ في الأمر، خلل! بادر واصلح! وليس كل عُطب يحتاج لطبيب، ثمَّة نوع منهم، لا يحتاج سوى لأن تدعو الله كثيرًا بأنْ يُصلح قلبك، تُجاهد المرَّة تلو المرَّة، حتى تجعل من قلبك، مكانًا يليق لنظر الربَّ. 

قال تعالى: ( وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ) [ النحل:18]

رُغم عدم مقدرتنا على أن نُحصي نعماء الله علينا، لكنَّهُ الله الذي يتجاوز ويعفو ويغفر، يرى تقصيرنا عن شكرهِ، لكنه يُكرمنا بمنحنا المزيد من الفُرص، يُكرمنا بألا يقطع عنا ما نُحب، ومن نُحب، يُكرمنا بالمزيد من النعم، مع استمرارِ غفلتنا ولهونا.. إنَّه الله!

قال ابن كثير- رحمه الله- قوله: ” إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ أى يتجاوز عنكم، ولو طالبكم بشكر جميع نعمه لعجزتم عن القيام بذلك، ولو أمركم به لضعفتم وتركتم، ولو عذبكم لعذبكم وهو غير ظالم لكم، ولكنه غفور رحيم، يغفر الكثير، ويجازى على اليسير”

قال تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [النحل:97]

ومَن منَّا للحياة الطيبة ليس براغبٍ ولا بطامع؟ عمل صالح وإيمان صادق هو كلّ ما تحتاجه لأن يُحييكَ الله، يُحيي قلبك، يُحيي روحك، يُحييك ويجعل كل ما فيكَ حياة على حياة! لا يُحييكَ فحسب، بل يجعل حياتك طيَّبة، تلك الحياة التي تجعل من قلبك مُطمئنًا، يصرفُ عنه كل ما قد يشوِّش عليه الطريق، ويرزقهُ من حيثُ لا يحتسب. 

تأتي كل هذه الأشياء، فيما لو كان قلبك يقظ بدايةً، بعدها تأتي بقية الأشياء! فما من عمل صالح لقلبٍ لاه. إذا رزقكَ قلب فطِن، يستذكر نعماء الله عليه، يحمد ويشكر، يصبر ويرضى، فأنتَ على خير. 

أنتَ في هذه الحياة قضيتك الإيمان، في كلّ نعمة يرزقك الله بها، أو بليَّة يبتليكَ بها، ما موقف قلبكَ منها؟ مقياسك الحقيقي لنجاحك في كل ما كتبهُ الله لك هو زيادة إيمانك في كل نعمة، ومع كل بليَّة ومُصيبة، إن لم يكن كذلك، فراجع قلبك، استعن بالله؛ حتى للطريق، يُرشدك ويدلَّك.

عُمر، أتته السعادة، بينما هو يشعر بالسعادة! كان يلهو مع صحبه، لكنَّ الله أكرمهُ ما اشتهاهُ فزاده نعمة على نعمة.. اللهمَّ يا ربَّ عُمر، ويا ربَّ كل الأنام، ارزق أفئدتنا الإيمان الذي يُسندنا في متاهاتِ الحياة، ارزقنا يقين الأطفال الجازم بك وبقُدرتك، أعنَّا على شُكر كل النعم، على الوجهِ الذي ترضاهُ عنَّا.

الحمدُ لله الذي أتمَّ على هذه المدوَّنة، ثمانية أعوام، ثمانية أعوام لا تُعادل شيئًا مُقابل سنين الإنعام والإحسان، من الحفظِ والجبر، من كل ما يضخّ القلب به، بكَ، ومنكَ وإليكَ يا مولى هذه القلوب. الحمد لك دائمًا وأبدًا، الحمدُ لك سرًا وجهرًا، الحمدُ لك حمدًا كثيرًا طيَّبًا مُباركًا فيه.

ربّ أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانًا نصيرًا.

11/11/2017

Share

تعليقان 2 على “فَلَنُحْيِيَنَّهُ …”

  1. أماني أفندي علق:

    ما شاءالله لا قوة الا بالله 💕
    الله يزيدك من فضله امين 💕💕💕
    اللهم اجعلنا شاكرين لنعم راضيين بقضائك
    واجعلنا ممن صلح عمله وقويّ إيمانه لنحيا حياة طيبة

  2. نجود علق:

    عباد شاكرين صابرين.
    عباد صالحين للقاء الله.
    هكذا نريدهم كما نريد قلوبا سليمة لنا ولهم.
    الله يحفظك لهم ويحفظهم لك ويحفظكم جميعا لنا ولهذا المجتمع الطيب!

أضف تعليقاً