وفي الجُدْبِ، حياة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

كَان الغيث لا المطر، ذلك الغيث الذي يسقي الله به الناس؛ إغاثةً لهم، الغيث الذي يجلب الخير الكثير النافع، ماذا حلَّ بالغيث ياصاحبي لمَّا دنَا من الأرض؟

يظنّ الناس، الذين أُغيثوا، فغاثتْ قلوبهم، بأنَّ الغيث أصاب أرض واحدة! ذلك صحيح، لكن ليس بشكلٍ كليِّ، أرض واحدة في ظاهرها، لكنها على الحقيقة، ثلاث أراضي، وغيث واحد!

أمَّا الأرض الأولى فإنها الزِّراعية، أو قُل بأنها “الأرض الطيَّبة“،  تلك التي تقبلُ الماء فورًا، ثم تتنعَّم بوافِر الأشجار والأزهار، أرض تقبل، وتُنبت، انتفعتْ ونفعت، أرض كهذه، قلّ من يعرِض عنها!

الأرض الثانية، وهي التي تشبه الأرض الصحراويَّة، سمِّها إن شئتَ “الأرض الأجادب” ، وهي التي تحبسُ الماء داخلها، تقبل الماء، لكنها غير قادرة على أن تُنبت كما الأولى، لا تستطيع أن تُثمر كثيرًا، يكفيها أنها قبِلت، فنفعت، ولربما انتفعوا الناس منها، فحفروا الآبار، ما غرَّهم ظاهرها القاحل، المُقفر، داخلها عامر بالخير، هي حبسَته، ونفعت بطريقَتها. وأرض كهذه، قد يُعرَض عنها؛ ذلك أن ظاهرها لا يُنبئ بخير داخلها! لكنها في الخير، تحوز على المرتبةِ الثانية.

أمَّا الثالثة من الأراضي، فأعيذكَ ياصاحبي منها، وأُعيذني! فهي “الأرض القيعان”! تلك الأرض المُستوية، الخالية من الشجر، كما لو أنَّك سكبتَ الماء على أرضِ رُخَام، ماذا يحدث؟ الأرض القيعان، لا تقبل الماء!! لم تَنتفع، لذلك هي عاجزة عن نفع غيرها!

احتفظ بصورة تلك الأراضي، وعُد لمِن حولك ياصاحبي، ألا يُذكرك ذلك بشيء؟ إنَّهم الناس مرَّة أخرى! وما كان حديثي لك إلّا عن أنواع القلوب الثلاثة تجاه العِلم والهُدى.

ألا تَرى أن منَّا من ينفع وينتفع، وليس عن الأرض الطيبة أتحدث، فأهلها هُم ليسوا بحاجةٍ لأن يُكتب عنهم! ولستُ بصدد إخبارك عن القيعان، أصحاب القلوب القاسية، فهم أيضًا عن التعريفِ، بمأمنٍ وغنى! لكنَّ كل الشأن في الفئة المنسية، أولئك الذين نُسرع ونتفنن في الحُكم عليهم، مما نرى من ظاهرهم، فإذا ما شرعوا بالحديث، وخرجتْ منهم كلمة طيبة، أو فعل حميد، يصعب علينا التصديق ودمج الظاهر بما رأينا وسمعنا! إنهم أصحاب الأرض الأجادب، ظاهرهم لا يُوحي بصلاحهم، لكن الخير ياصاحبي في جوفهم، يسكن، هُم غير قادرين على الوصول للعُلماء، يحضرون الدرس تلو الدرس، والمُحاضرة تلو المُحاضرة، عجزوا عن العمل بكل ما علِموا، يأتيهم الشيطان كما أنه يأتيك، يحاول تثبيطهم ألّا جدوى من تلك النفس، التي تُجاهد وتُصارع؛ لتكون على الصراط المُستقيم ما استطاعتْ، يقاومون، يكافحون، لكن ظاهرهم لا يُوحي لك بكل المعاناة التي يعانوها؛ حتى يكونوا أُناس جيدين.

وأنا أكتبُ لك ياصاحبي، يتراءى لي صُور الذين أدهشني حديثهم، لما تكلموا، وأنطقهم الله، أتذكر استغرابي وعقلي يقول: “أنَّى لهذا الفِكر يسكن هذه؟” أكتب لك… وأتذكر أشخاص كُثر، مواقف لا تنتهي، كلها تمرّ ياصاحبي لكنَّ شيء واحد لا يُمكن تمريره وهو أن يمضي العُمر بلا محاولة لأن يكون قلبك -إن لم تستطع أن تكن من الطيبين- فكن من أهل الصحراء! احبس العلم وانفع به كيفما تُريد، لا تنتظر أن ترى النتيجة عليك! وكما يقولون” عافر عشَان تتعلم” حتى لو صَعُب عليك العلم، حتى لو تراكمتْ عليك الدروس، المهم ألا تتوقف عن الطلب، دعِ الناس يرون منك الجزء القاحل، فذاك شأنهم، وحين يريد الله أن يحفروا الأرض، ستسقيهم من بئر معرفتك وهُداك الذي هداكَ الله به. 

آخر الأمر وأوله، ماكنتَ بحاجة لقراءة كل تلك الأسطر الماضية، لكنَّها رغبة الإنسان المُلِّحة لأن يكتب، يستوضح، يستزيد… كان سيكفيك قراءتك لنصَّ الحديث، الذي أورده الإمام مُسلم في صحيحه: 

عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: ” إِنَّ مَثَلَ مَا بَعَثَنِيَ اللَّهُ بِهِ مِنْ الْهُدَى وَالْعِلْمِ, كَمَثَلِ غَيْثٍ – مطر- أَصَابَ أَرْضًا, فَكَانَتْ مِنْهَا طَائِفَةٌ طَيِّبَةٌ, قَبِلَتْ الْمَاءَ, فَأَنْبَتَتْ الْكَلَأَ, وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ, وَكَانَ مِنْهَا أَجَادِبُ, أَمْسَكَتْ الْمَاءَ, فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ, فَشَرِبُوا مِنْهَا, وَسَقَوْا, وَرَعَوْا, وَأَصَابَ طَائِفَةً مِنْهَا أُخْرَى, إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ, لَا تُمْسِكُ مَاءً, وَلَا تُنْبِتُ كَلَأً, فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ, وَنَفَعَهُ بِمَا بَعَثَنِيَ اللَّهُ بِهِ, فَعَلِمَ وَعَلَّمَ, وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا, وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ”.

 

Share

تعليق واحد على “وفي الجُدْبِ، حياة”

  1. فاطمة علق:

    رغبة الإنسان الملحة لأن يكتب!

أضف تعليقاً