أرشيف تصنيف ‘كَوبُ حَيـاة‘

وفي الجُدْبِ، حياة

27 يوليو 2017

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

كَان الغيث لا المطر، ذلك الغيث الذي يسقي الله به الناس؛ إغاثةً لهم، الغيث الذي يجلب الخير الكثير النافع، ماذا حلَّ بالغيث ياصاحبي لمَّا دنَا من الأرض؟

يظنّ الناس، الذين أُغيثوا، فغاثتْ قلوبهم، بأنَّ الغيث أصاب أرض واحدة! ذلك صحيح، لكن ليس بشكلٍ كليِّ، أرض واحدة في ظاهرها، لكنها على الحقيقة، ثلاث أراضي، وغيث واحد!

أمَّا الأرض الأولى فإنها الزِّراعية، أو قُل بأنها “الأرض الطيَّبة“،  تلك التي تقبلُ الماء فورًا، ثم تتنعَّم بوافِر الأشجار والأزهار، أرض تقبل، وتُنبت، انتفعتْ ونفعت، أرض كهذه، قلّ من يعرِض عنها!

الأرض الثانية، وهي التي تشبه الأرض الصحراويَّة، سمِّها إن شئتَ “الأرض الأجادب” ، وهي التي تحبسُ الماء داخلها، تقبل الماء، لكنها غير قادرة على أن تُنبت كما الأولى، لا تستطيع أن تُثمر كثيرًا، يكفيها أنها قبِلت، فنفعت، ولربما انتفعوا الناس منها، فحفروا الآبار، ما غرَّهم ظاهرها القاحل، المُقفر، داخلها عامر بالخير، هي حبسَته، ونفعت بطريقَتها. وأرض كهذه، قد يُعرَض عنها؛ ذلك أن ظاهرها لا يُنبئ بخير داخلها! لكنها في الخير، تحوز على المرتبةِ الثانية.

أمَّا الثالثة من الأراضي، فأعيذكَ ياصاحبي منها، وأُعيذني! فهي “الأرض القيعان”! تلك الأرض المُستوية، الخالية من الشجر، كما لو أنَّك سكبتَ الماء على أرضِ رُخَام، ماذا يحدث؟ الأرض القيعان، لا تقبل الماء!! لم تَنتفع، لذلك هي عاجزة عن نفع غيرها!

احتفظ بصورة تلك الأراضي، وعُد لمِن حولك ياصاحبي، ألا يُذكرك ذلك بشيء؟ إنَّهم الناس مرَّة أخرى! وما كان حديثي لك إلّا عن أنواع القلوب الثلاثة تجاه العِلم والهُدى.

ألا تَرى أن منَّا من ينفع وينتفع، وليس عن الأرض الطيبة أتحدث، فأهلها هُم ليسوا بحاجةٍ لأن يُكتب عنهم! ولستُ بصدد إخبارك عن القيعان، أصحاب القلوب القاسية، فهم أيضًا عن التعريفِ، بمأمنٍ وغنى! لكنَّ كل الشأن في الفئة المنسية، أولئك الذين نُسرع ونتفنن في الحُكم عليهم، مما نرى من ظاهرهم، فإذا ما شرعوا بالحديث، وخرجتْ منهم كلمة طيبة، أو فعل حميد، يصعب علينا التصديق ودمج الظاهر بما رأينا وسمعنا! إنهم أصحاب الأرض الأجادب، ظاهرهم لا يُوحي بصلاحهم، لكن الخير ياصاحبي في جوفهم، يسكن، هُم غير قادرين على الوصول للعُلماء، يحضرون الدرس تلو الدرس، والمُحاضرة تلو المُحاضرة، عجزوا عن العمل بكل ما علِموا، يأتيهم الشيطان كما أنه يأتيك، يحاول تثبيطهم ألّا جدوى من تلك النفس، التي تُجاهد وتُصارع؛ لتكون على الصراط المُستقيم ما استطاعتْ، يقاومون، يكافحون، لكن ظاهرهم لا يُوحي لك بكل المعاناة التي يعانوها؛ حتى يكونوا أُناس جيدين.

وأنا أكتبُ لك ياصاحبي، يتراءى لي صُور الذين أدهشني حديثهم، لما تكلموا، وأنطقهم الله، أتذكر استغرابي وعقلي يقول: “أنَّى لهذا الفِكر يسكن هذه؟” أكتب لك… وأتذكر أشخاص كُثر، مواقف لا تنتهي، كلها تمرّ ياصاحبي لكنَّ شيء واحد لا يُمكن تمريره وهو أن يمضي العُمر بلا محاولة لأن يكون قلبك -إن لم تستطع أن تكن من الطيبين- فكن من أهل الصحراء! احبس العلم وانفع به كيفما تُريد، لا تنتظر أن ترى النتيجة عليك! وكما يقولون” عافر عشَان تتعلم” حتى لو صَعُب عليك العلم، حتى لو تراكمتْ عليك الدروس، المهم ألا تتوقف عن الطلب، دعِ الناس يرون منك الجزء القاحل، فذاك شأنهم، وحين يريد الله أن يحفروا الأرض، ستسقيهم من بئر معرفتك وهُداك الذي هداكَ الله به. 

آخر الأمر وأوله، ماكنتَ بحاجة لقراءة كل تلك الأسطر الماضية، لكنَّها رغبة الإنسان المُلِّحة لأن يكتب، يستوضح، يستزيد… كان سيكفيك قراءتك لنصَّ الحديث، الذي أورده الإمام مُسلم في صحيحه: 

عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: ” إِنَّ مَثَلَ مَا بَعَثَنِيَ اللَّهُ بِهِ مِنْ الْهُدَى وَالْعِلْمِ, كَمَثَلِ غَيْثٍ – مطر- أَصَابَ أَرْضًا, فَكَانَتْ مِنْهَا طَائِفَةٌ طَيِّبَةٌ, قَبِلَتْ الْمَاءَ, فَأَنْبَتَتْ الْكَلَأَ, وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ, وَكَانَ مِنْهَا أَجَادِبُ, أَمْسَكَتْ الْمَاءَ, فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ, فَشَرِبُوا مِنْهَا, وَسَقَوْا, وَرَعَوْا, وَأَصَابَ طَائِفَةً مِنْهَا أُخْرَى, إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ, لَا تُمْسِكُ مَاءً, وَلَا تُنْبِتُ كَلَأً, فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ, وَنَفَعَهُ بِمَا بَعَثَنِيَ اللَّهُ بِهِ, فَعَلِمَ وَعَلَّمَ, وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا, وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ”.

 

Share

خاتم مُعلمتي نسرين

7 يوليو 2017

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

لو علِمت معلمتي نسرين، معلمتي في الروضة، عن سعادتي العارمة فور إخبارها لنا، بأننا سنلعب لعبة البحث عن خاتمها في ساحة الرمل، كانت تجلس وسط الرمل، تخلع الخاتم من اصبعها، تطلب منّا أن نُغمض، نُغمض بحبّ وحماس… تُسرع الاخفاء… نبتهج بالبحث ونسعدْ وإن لم نكن من وجدناه! غابتْ الروح، وظلّ الشعور…

لو أنها علمتْ، لما كانت ستتوقف عن مُشاركتنا لخاتمها.. ولو علِمت أن طفلةً من فصلها سيُعينها الله لتكون معلمة كما كانت معلمتها… وكلما حان وقت المرح مع الصغار، تخلع تلك المعلمة خاتمها فتارة تُخفيه، مستحضرة ذات الحب الذي كان يُقدَّم لها.. وتارة تترك الأطفال يطبعون أثر الخاتم على قِطع العجين.. تغيبُ الأماكن ويرحل الأشخاص، ويظلّ الشعور.

صِغاري في الروضة، لما انتقلوا لمرحلة التمهيدي، وصار غيري معلمًا لهم، أصبحوا يترددون عليّ، كلما التقينا، أتعجّب من الأمور التي يخبرونني بها، يذكّروني بجميل العهد الذي كان بيننا، بمواقف بالكاد استجمعُ ذاكرتي لأستعيدها! أسأل نفسي: هل قلتُ هذا حقًا؟

من بين ما يذكّروني به هو ألعابنا التخيلية التي كثيرًا ما كنا نلعبها، لم نكن بحاجة إلا لأداةٍ واحدة، لنتمَّ ألعابنا التي لا تنتهي، قلب مُزدحم بصادق الشعور! وهذا ما جعل من الأوقات التي كثيرًا ما كنتُ أظنها ستمضي… يستعصي محيها.

فارس، الذي تحشرج صوته، قائلًا: ” معلمة، كلامك يبكِّي” عند سماعه لموقف لقاء المؤمنين لربهم في الجنَّة… الشعور الصادق، ما إن يقذفه الله في قلبك، فاعلم أنك موفَّق.. وأنّك للخير، صائِر.

لم يكنْ بيت جدي وجدتي رحمهما الله بالبيتِ الآسِر، لكنه كان لقلبي، فِردوسه!  الطوب المُهدَّم، والفناء الصغير… الذي كان بعيني أوسَع من كل القارات.. ذلك البيت ، أُجزم بأنه كان يكفي سُكان الكرة الأرضية، رحلوا أصحاب الدار، تهدَّم البناء.. وظلَّ جميل الشعور..

في حقيقة الأمر، غالب الناس، يعتني كلّ الاعتناء بالموقفِ نفسه، الحدث بعينه، المناسبة بذاتها، ويغيب عن ذهنه، أن شعور صادق يُغنيه عن كثير ما أسرف في إعداده! ما أكثر المُناسبات والاجتماعات التي كان فيها كل ما نحبّ، لكنها انتهتْ وانتهى كلّ شيء بانتهاءها! ما تتذكره وما يظل في قلبك، ويعمِّر وقتًا طويلًا هو ما طُوي على شعور صادق، حتى لو لم تلتقط صور في ذلك اليوم، فأنت لستَ بحاجةٍ لها، ذلك لأن قلبك يحمل الكثير مما لا ينتهي.. ولا يتبخر…

الإنسان بحاجة لشعور صادق في كلِّ أمور حياته، الشعور الصادق ليس كما يظنه البعض.. أمر زائد.. بل إنه اللبنة الأولى التي يُبنى عليها البناء كله.. وما أكثر من كانت دموعهم الصادقة، طريق هداية الناس، وآخرين.. كلماتهم وإن لم تكن بليغة إلا أنها صادقة.. تزيد في إيمانِ القلوب.. في مقابل بلاغة الكلمة، وفصاحتها وغياب الشعور… النتيجة: ” ليته ما نطق وما كتب!”.

احرِص على أن تبثَّ الشعور في كل أمرٍ تقوم به، في كلِّ هدية تُهديها،  كلّ كلمة تتفوَّه بها،  كل موقف تمرّ به، كلّ تجربة تعيشها، وأينما وضعك الله، أنبتَ الشعور.. وما يأتي الشعور الصادق،إلا حينما يعلم الإنسان ماذا يريد الله في كل ما يقوم به؟ الشعور الصادق يأتي لما تفعل الأشياء، وتقول الكلمات الطيبة، وتُهدي، وتٌحسِن، وتعفو… لأجلِ الله.. لا يعلم الناس سبب قيامك بكل هذا، لكنه وحده يعلم..

تعلم أنَّ مولاك، يحبّ منك في هذا الموقف أن تعفو، وفي آخر أن تتجاوز… ومع والديك أن تكون ذليلًا.. علمكَ بإحاطته، وبتدبيره وبجبره لك، وتعويضه لقلبك… يدفعك لأن تقوم بالمزيد من الأعمال بقلبٍ صادق وإن ظل المسيء على حاله، ولم يُرفَع الظلم عن المظلوم!

الناس، ونحنُ منهم بالمناسبة! مزدحمون بالهموم والمشاكل، هم يعلمون بأنك لست من سترفع عنهم البلاء، ولم تكُ تلك بُغيتهم يوم أن اختاروك ليبثُّوا لك مافي صدروهم، الناس بحاجة لسماع وقراءة أحاديثًا صادقة، وما يأتي الصدق إلا من صاحب الإيمان. الذي يقول الكلمة، وما كانت كلمته تلك لتحلّ العُقدة لكن ينفع الله بها، وتُؤتي أُكلها.. وماكتب الله لها القَبول إلا لأنّ صاحبها صدَق الله، فوفَّقه الكلمة، وسدّد رميه.

أنهكتنا المظاهر يا صديقي! وافتقدنا للمعاني التي تُخلِّد المواقف.. وتجعل منها إرثًا عظيمًا، يستحق أن يُروى.. لا لفخامته بل لصدقه.. تلك المعاني التي عاش عليها الأولون.. فدلّوا الطريق، وضللناه…

اللهمّ اجعلنا ممن نزرع جميل الأثر، بالقول والعمل.

 

 

Share

ثُمَّ قسَتْ قُلوبُكم..

31 ديسمبر 2016

السلام عليكم ورحمة الله وبركَاته

%d9%86%d8%a8%d8%aa%d8%a9

البعض يحتاج لأدلّة كثيرة؛ ليؤمن بفكرةٍ، بمعتقد، بأمرٍ ما، ماكان ليؤمن به لولا وقوع ذاك الدليل، والبعض الآخر، يحتاج لدليل واحد، دليل واحد يكفيه لأن يقلب حياته وموازينه! ذلك أنّ الدليل، كان قطعيًا، ومُسكتًا.. والبعض، مَن يُوهَب الدليل القاطع، لكنّه، يُنكر الهِبة!

يُساق له الدليل، فيحدث في قلبه، عكس المتوقع! يزداد جُحودًا، يزيد نُكرانًا، ثمّ يزداد قلبه قسوة على قَسوته! وهذا ماحدث مع بني إسرائيل! لما سَاق الله لهم الدليل القاطع من إحياء القتيل، لم يُجدِ هذا الدليل لقلبهم نفعًا! ازدادتْ قلوبهم تصحّرًا وقسوة.. إنّك لن تجدَ أبلغ من وصفِ الكريم لحالهم:

ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ۚ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [البقرة:74]

تُنبئ (ثُمَّ) بنُكرانٍ مُسبق، بجحودٍ مُتكرر، رُغم كل الهِبات، رُغم كلّ النعماء، والمكرمات، ثمّ ماذا حدث؟ تلك القلوب اللينة، بطبعها، قسَت، فلمّا قسَت أخذت شكلين، لا ثالث لهُما، إمّا أنها صارت كالحجارةِ في قسوَتها، أو أنّها أشدّ قسوة! حسنًا هل هذا يعني أن الحجارة لا نفع فيها؛ حيثُ أنها قاسية؟ … إنّ من الحجارةِ ما فيه ثقوب متعددة، فتتفجَّرُ منه الأنهار، فينتفع النّاس، وإنّ من ذلك الجماد القَاسي، ليتصدَّع تصدّعًا، ليُخرجَ منه العيون والآبار… وإنّ من الحجارة، لمَا يهبط بعد أن كان على رأسِ جبل، فيهوي للسفح، وما سقط إلّا من خشيةِ الله!

نعم يا صديقي، صدَّق بأنّ ليس بنو إسرائيل وحدهم من قَسَت قلُوبهم! صدَّق بأن قلوبنا قسَت أو أنّها أوشكتْ على أن تغدو كحالهم! هل زارك هذا الشُّعور، أيا صديق؟ يحدثُ لك هذا، لو كنتَ تقرأ الآيات، وكأنَّما أُنزلتْ من أجلكَ فقط!

أمَا ترى مَن حولك، وفيكَ! من قلوبٍ، وُهِبت لهم الحياةُ بأكملها، ثُمَّ لأجلِ عارضٍ، يُصوّرونه أبديَّا، تسوء الحياةُ بناظريِهم وما تَحسُن؟ يحجِّرون واسِعًا، ويوسِّعون ضيِّقًا!

كما أنّك رأيت تلك القُلوب، كتلك التي تَلتْ (ثُمَّ)، أمَا رأيتَ، قلوبًا كانت كتلك الحجارة التي سقطت، تصدّعت، تشققت، لكنها نفعتْ غيرها؟ مِنّا يا صديقي، من سُلب الحيَاة، مُنع العطايا، لكنّ قلبهُ لا زال ليَّنًا رحيمًا، لا زال غِذاء تلك المُضغَة، الإحسان لنفسهِ وللنَّاس، لا يعنيهِ ما بهِ من كُروب، فإنّه في كلِّ نازلة لمن حوله، سبَّاق للخير، لإماطة الحُزن، لإقالة عثرةِ مكروب، لإحلال بسمة، ولفعلِ ما لم أستطع أنا ولا أنت، نحنُ الذين ملّكنا الله ما حُرِم منه، أنْ نفعله… رُغم كلّ ما لدينا!

ماذا أُحاوِل أن أخبركَ يا صديقي؟

أرأيتَ كيف أن الأرضَ الجدباء، المُقفرة، يخرجُ من وسَطِها، حشائش خضراء، وبراعمًا تكادُ تُداس بالأقدام؛ لصغِرها! كذلك قلب الذي ينفع الناس، رُغم ما يُعانيه، رُغم “ظروفه” القاسية! قلبه متصحِّر، لكن تصحَّر قلبه، لا يُعارض إحسانه، وإقدامهُ على الحياة، هذا ما لم نستوعِبه أنا وأنت يا صديقي، هذا ما يجب تمامًا أن نُدركه!

المُلمَّات لا تعني إعراضك عمَّن حولك، المُلمَّات والنوازِل التي تعصفُ بنا، لا تُبرِّر لنا قول ” أنا ناقِص”! عند حلول أوّل “كارثة” جديدة! عند قدوم أوّل شخص “يُفضفض” لنا! لا تعني أن نغفلُ عن قولهِ تعالى : (فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِّكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ ۗ ) [آل عمران:153].

ماذا أعني بهذا الكلام، يا صديقي؟

وجدتُ من النّاسِ يا صديقي، مَن يقلبُ قراءة أعمالكَ، وأقوالك، لمَّا تتحدَّث عن أوجاع أُمّتك، يُشفق عليك! يُشفق، رُغم أنك تجدُ لا مكان للشفقة هُنا، لكنَّ رأس شفقته، جاءَ من تصوّره أنَّك حمَّلت قلبك، وأنتَ “اللّي فيك مكفِّيك”! هُم لا يعلمون يا صديقي، أنّ بعض الجِراح، تُضمِّد جراح أخرى! هُم لا يعلمون، أنّ كثير ممّا أصابهم، خَلاصهم منه هو الإلتفات لغيرهِ! أن يصرفَ قلبه عمّا أصابه، أن يرى الحياة مِن حوله؛ فلمّا ينشغل فكرهُ بأمرٍ آخر، يكُن الخلاص، بتدبيرٍ إلهي! لكنّهم لا يعلمون، لذلك فإنّهم يتحدّثون!

أُعلِّم صغاري أنَّ الحياة لا بدّ أن تمضي، رغم الذي يحدثُ فيها، يحدثُ أن يرونَ آثار التعب على وجهي، فيبادرون بسؤالي: معلمة راسك يوجعك؟ أخبرهم بالإيجاب، فيتعجَّبون! سبب عجبهم يعود لفكرةِ ما الحاجة للعطاء، والعذر معكِ بالغياب! أخبرهم بأنَّ الإنسان لا بدّ أن يصبر، يصبر يعني يتحمّل، ويدعو الله أن يجعله يعمل الصالحات، حتى لو كان يشعرُ بالألم، طالما أنَّه يريدُ فعل الخير، فالله معه… هذا الصغير، يسمعُ اليوم عن ألم رأسي، يرى مُجاهدة الألم لأجلِ العطاء، غدًا يرى ذلك المفهوم، في حياتهِ، يرى تلك القلوب المكتظة بالهموم، لكنّها لا تبدو كذلك! ذلك لأنّها تعملُ لأجل غيرها، تعملُ حتى لأنَّ كثيرًا من الأفكار والحقائق لابدّ أن تظهر، كثيرًا من المفاهيم، لا بدّ أن تتضح، إذا كان كلّما تعبنا، تعبتْ قلوبنا، توقفنا، فمتَى يجيء النَّصر يا صاحبي؟!

تعلَّم يا صاحبي، كيف تغدو مُزهرًا، وقلبك متصحرًا، لا بأس! تعلّم أن تنبتَ وسط الجليد، أن تكنْ غيمةً لمُبلَّل الرّوح، أن تكنْ ضمّادة لنازفِ الفؤاد، أن تكُن ممحاة، لمن كثرتْ عثراته، أن تكنْ سيفًا للحقّ.

لا بدّ من سِنة الغفلة، ورقاد الغفلة، ولكن كُن خفيف النَّوم- ابن القيِّم

أطلنا الرّقاد يا صاحبي، وأشغلتنا همومنا! حتى اشتغلنا بها! كلّ مافي الحياة يمضي، والعُمر.. يمضي، وقلوبنا في رُقاد، رُقاد من أجلِ نفسها! من أجلِ حاجاتها، متى ننتصر لقضية؟ متى ننشغل بفكرة؟ متى نُعين، نُحسن… فمتى يفيق القلب يا صاحبي، متَى؟

 

Share

كأنْ لم تغنَ بالأمْس

23 سبتمبر 2016

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

%d8%ad%d8%b5%d9%8a%d8%af

هل جرّبت أن تكونَ متقينًا من شيء فيك؟ كيقينكَ بتمكّنكَ بكتابةِ اسمك! يمضي العُمر، ثمّ يُبدي لك المولى، أن يقينكَ ما كان بيقين ياصاح! يُبديها لك، وحقيقة أنك (مُتيقن) قد تجذّرتْ فيك. ماكان فيكَ بِضعًا من عُمرك، كنتَ تظنّه ظنًّا!
والظنّ ياصاحبي أكذب الحديث! كما قال نبينا المُصطفى، صلوات الله وسلامهُ عليه.
ماذا يعني أن تظنَّ؟
يعني أنك لستَ بجازمٍ، تجاه أمر ما، يعني أنّك تشكّ بهذا الأمر.
يقول صلّى الله عليه وسلم: “اجتنبُوا كثيرًا من الظنّ، إنّ بعضَ الظنّ إثم“. قامت حياتنا على (بعض الظنون) فأهلكتنا، والله المُستعان!
يقول تعالى: (وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا ۚ إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا) [يونس:36]
افعل ما شئتَ، في النهاية، كُن على (يقين)، أن ظنّك، في كثيرٍ من أمور حياتك، وفي النَّاس، لن يُغنيك ياصاحبي، ستعرفُ ولا ريب ماكان خافيًا عنك، الحقّ الذي غاب عنك، أو غيّبته بصنائعك! أيًا كان السبب، ذلك الظن، القشرة الهشّة، لن يكن لها مصيرًا إلّا أن تتمزّق، شرّ تمزيق! سيمزّقها سطوع الحق، على حين غفلة من صاحبها، منكَ أنت.
الظنّ لا يعمّر في الإنسان طويلًا، كتبَ الله له أن يكونَ قصير الأمد. بعد ظهور الحقّ، قد يستمر الإنسان، في ظنّه، مُتغاضيًا عن كلّ آيات الله فيه! يُغمض عينه ويُطأطئ قلبه رُغم كل البراهين، بالأكاذيب التي فرضها، وصدّقها، فعاشها.. لا يهمّ ماذا تفعل بعد تكشّف الحق، المهم أن الحق في نهاية الأمر، سيُظهره الله، رغمًا عن كل ظنونك، وادّعاءاتك، وماتفعله، شأنك وحدك، فافعل ما يحلو لك، فإنّما هي صحيفتك، فاملأها بما شئت ياصاح!

للحظة فقط، انسَ حديثنا عن الظن، دعني أحدّثك عن صورة، عن موقف، عن بداية مُشرقة، ونهاية غير مُتوقعة! هَب أنك تقفُ في بُقعةٍ من أرضٍ تحبها، هذه الأرض، دون غيرها من الأراضِ، كتب الله لها القبول لقلبك، أكرمكَ الله بعطاياه، اعتلتْ غيمات رمادية فوق أرضكَ التي تُحبّ، فعلمتَ بأنها ستُمطر! المطر يعني النَبت، تزيّنت أرضك، اخضرّت، تعلّقت بها أكثر! لم تنتهِ الحكاية، حتى الآن، بعد اكتمال حُسن صورة ماتحبّ، (ظننتَ) أنه بإمكانك رعايتها، بإمكانك فعل كلّ شيء لها، فجأة من أيامِ عُمرك، يأتي لهذه الأرض، مالمْ تتوقعه، يأتيها أمر الله، في وقتٍ لا تعلمه، ولا يهمك في أيّ وقت جاء الأمر، المهم أنه جاء! فغدت حصيدًا، عادت كما كانت، قاحلة، جافّة، متشقّقة، كأنها لم تكنْ من قبل، غنيّة بالخُضرة، غنيّة بالجمال، غنيّة بك واغتنيتَ بها!

يصف الله لنا هذه الصورة، في سورةِ يُونس:

(إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ)[25]

بدأتْ المشكلة، لما ظنّنا أننا قادرون على إتمام أشياء كثيرة، على ترك ذنوب كثيرة، ولأن المَسافة طالت بين الذنب وآخر عهدك به، ظننتَ أنك تخلّصت منه، أرأيتَ كيف أن تلك الأرض، اجتمع لها الحُسنيين، زُخرف وزينة! وكذلك أنت، يجتمع لك في أمرٍ من أمور حياتك، ما يجعلك تبتهج، فغيركَ محروم، وأنت في منّة،فلما أتاكَ أمر الله، أمر الله كان لتلك الأرض بأن يُقضى على أخضَرها، زرعها وشجرها، فكان هلاكها، أمر الله فيك، لذلك الأمر الذي اجتمع فيه لك، مالم تطلبه من الله، لكنه أكرمك، يكون بأشياءٍ كثيرة، المهم أنه لما يأتي أمر الله، يكن كصخرة ضخمة، تُلقى على قلبك، فلا تقضّ مضجعك فحسب! تقضّ فيك معانٍ غابت عنك، وأُخرى كان بحاجة لأن تُفتتها تلك الصخرة، لتُعيد ترتيب قلبك بعد وقوع تلك الضخمة عليه.

الرّائي لقلبك بعد وقوع الصخرة، بعد أن أتاه أمر الله، لا يصدق بأن قلبك كان غنيًا بأشياء كثيرة، كان يسمعها عنك، أو يراها فيك، ما يراه فيك الآن، الفقر، الضعف، الضياع والشتات، كأنك لم تكن غنيًا بالأمس، فكل غنىً فيك، يفقر، و كل قوّة فيك، تضعف،و كل شروق فيكَ يغرُب، و كل انبساط فيك، يُقبض، و كل حاضر فيك، يغيب..

كأن قلبك لم يغنَ بالأمس، ذلك الأمس الذي قد يكون سنين من توبتك، عُمرًا من فعلك للصالحات، لمّا يأتي أمر الله، تموت كل سنينك الجميلة، يُصبح قلبك للحظة، قاحلًا ، حصيدًا، تمامًا كتلك الأرض، التي حصدت، بعد زهوّ!

“اللّهُمّ إلَيْك أَشْكُو ضَعْفَ قُوّتِي ، وَقِلّةَ حِيلَتِي ، وَهَوَانِي عَلَى النّاسِ، يَا أَرْحَمَ الرّاحِمِينَ ! أَنْتَ رَبّ الْمُسْتَضْعَفِينَ وَأَنْتَ رَبّي ، إلَى مَنْ تَكِلُنِي ؟ إلَى بَعِيدٍ يَتَجَهّمُنِي ؟ أَمْ إلَى عَدُوّ مَلّكْتَهُ أَمْرِي ؟ إنْ لَمْ يَكُنْ بِك عَلَيّ غَضَبٌ فَلَا أُبَالِي ، وَلَكِنّ عَافِيَتَك هِيَ أَوْسَعُ لِي ، أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِك الّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظّلُمَاتُ وَصَلُحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِنْ أَنْ تُنْزِلَ بِي غَضَبَك ، أَوْ يَحِلّ عَلَيّ سُخْطُكَ، لَك الْعُتْبَى حَتّى تَرْضَى ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوّةَ إلّا بِك”[ابن هشام 1/ 420]

Share