أرشيف تصنيف ‘إينَـاسِّيات‘

وأنكِ أمّ..

12 أغسطس 2016

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

mum

كانتْ معي ومعهم، مرّ الموقف الأوّل بالنسبةِ لها، سريعًا، عاديًا، لكنه لم يكن كذلك بالنسبة لي! توالت المواقف، وتركيزها لا زال معي ومعهم، أمّا أنا فقد أصبح تركيزي معهم، ثمّ معها.
بينما هي تحدّثني وتتصرف بتلقائية جميلة مع أبناءها، أخذتني ذاكرتي في رحلةٍ لأناس كثر جالستُهم، كنّ أمهات مثلها، لكنهن بالفعل في مواقف عادية لأيّ أم، لم يكنّ كما رأيتُ صديقتي.
تعدّ القهوة وتحدثني، بينما تصرخ صغيرتها في الغرفة المجاورة: ” ماما انكبّ العصير، روشيني”… أكملتْ حديثها، وكأنّ شيئًا لم يكنْ، توجهت نحو معدات التنظيف، أحضرت الاسفنجة، ظلت تمسح السجّاد، وتُكمل حديثها معي!..
ظلّت صغيرتها تردد بشكلٍ قد يبدو لمن لم تعتَد أذناه على الصغار، مزعج! “ماما روّشيني” … تركتني، بعد أن أعطتني القهوة وقالت لي: ” اسبقيني واشربي” هكذا ببساطة! دقائق معدودة وانتهت قصة تردد الصغيرة علينا، نامت.

أكثر ما شدّني، هو تذكرها لوعودها مع أبناءها، وتذكّرها بأنها في ظل وجود ” الضيف” هي أمّ أيضًا، أيًا كان الضيف، ومهما كانتْ الظروف.
تحدّثني، ثم يأتيها الأوّل، تعطيه من القُبلات والحنان، كأنها تراه للمرة الأولى، وأنا… استمتع بجميلِ المنظر، وصدق الشّعور!
يخبرها بشكواه، تستدعي ابنها الثاني، تسوّي الأمر بينهما بالاتّفاق، ينتهي الأمر لها، تستطرد: “إيوا ايش كنا نقول يا إيناس؟
بالكاد استرجع حبل حديثنا، لجمال ما رأيت، ونُدرته!

أم أخرى، لا أعرفها، شاهدتها قِبالة أحد المحلات، تنتظر انتهاء الصلاة، يُرافقها ابنها الصغير، الوقت يمرّ بطيئًا، والناس تزدحم، وطفلها شعر بالضجر، ألقتْ “برستيجها” جانبًا، وبدأت تلعب معه بكفيها وتردد معه نغمات يبدو أنهما يألفانها، تغيّرت ملامح الصغير، وأكاد أجزم أنه تمنى لو أن المحل لن يُفتح!
رغم أن الكثير منّا حدّق ناظريه تجاهها، وأنا أوّلهم، لكننا لم نكن نعني لها شيئًا، كانتْ كل ما تراه، صغيرها.

أنا لستُ أمًا، لكن أشعر بجزء كبير من معاناةِ الأمهات، خصوصًا في الأماكنِ العامّة، وفي حضرة الضيوف، أعلم أيضًا أن الأم كثيرًا ماتضطر لاستخدام نبرة حادة، على مرأى ومسمع ممن لا تعرفهم، قد تضطر المسكينة لسحب يد الطفل بقوة، فينعتها من يراها بالقسوة، وهي ليستْ كذلك لكن ضيق الوقت وأسباب أخرى جعلتها تتصرف على النّحو الذي… نراه دائمًا.
وهي لاتُلام، لكن، ثمّة أمور بمثابة الوقاية لحدوث أمور كثيرة مزعجة من الطفل، اتفاقات صغيرة، تعقدها الأم بينها وبينه، قد تحدّ من عواقب ما لا يُحمد.
مع العلم أنّ ليس كل الاتّفاقات تؤتي أكلها، لكن من المهم أن نسعى ونأخذ بالأسباب.

كنتُ برفقة ابنة أختي، وقد كنا أجرينا اتفاقاتٍ ثلاث، قبل مغادرتنا المنزل، وفي زحام المكان واكتظاظه بالأطفال، تزاحمت المشاعر، ونقضت الميثاق، فما كان مني إلا أن صرختُ عليها لا شعوريًا!
مضتْ في طريقها، ثم وكأني تداركتُ موقفي، ناديتها، احتضنتها، ذكّرتها بالاتفاق أولًا، شرحتُ لها سبب رفضي لطلبها ثانيًا، اقترحتُ لها بديل أعجبها، ثالثًا، انتهى الموقف.

الاعتماد على الفطرة في التربية، وعلى قاعدة ” كما ربّونا.. نربّي” لا تصح! العلم أولًا، التربية كأي شيء، تأتي بالعلم.
في هذه التدوينة لا أملك الكثير من الحديث، لكن الواقع المُشاهد في أمورِ التربية، يحثّني على كتابة الكثير الذي لا أعرف صياغته!

Share

فُرْجَة-1

12 فبراير 2016

♪ 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

window

عمّ الفصل الفوضى، حاولتُ شدّ انتباههم بكل الطرق التي أتذكر أنهم يحبونها، لكنهم يبدو أنهم تغيّروا عليّ هذا ما حدّثتني به نفسي، وبعد فراغ نفسي مني، وبيأس شديد كان يكتسح فؤادي، لم أُبدِه لهم، قلتُ لهم: “من سيحصل على النجمة الكبيرة أمام اسمه، يا ترى؟” فورًا، الكل جالس في مكانه!!

دائمًا أوّل ما يطرأ على الإنسان، في كثير من شؤونه، إذا ما تعسّرت عليه، الصّعاب من الطّرق، لحلّها! وقد يكون الأجدرُ لإتمامها على أتمّ وجه، هو استخدام أبسط طريقة! ولأنها بسيطة، ويسيرة جدًا، تعسّر على العقل، استحضارها!! والفطِن فينا مَن إذا عرف شيئًا، لزِمه، وحافظ عليه، فكلما تطلّب الأمر منه، إعادة الكرّة، أعادها..

أنتْ لما لم تكن تعرف شيئًا، لن يُحاسبك الله، ولا أحد من الناس، عليه، لكن لما يُبصّرك الله بالقدرة من نفسك، على هذا الأمر، وعلى تمكّنك منه، يبصّرك البصير أن هذا الحل، هو الأمثل دائمًا وأبدًا ليكُون شعارك في حالة كذا وكذا، فلا تُرهق نفسك بالبحث طويلًا، ولا تبدأ من البداية، فتُضيع وقتك، يُبصّرك البصير؛ لأنه يحبك، فيختصر لك الطريق؛ لتمضي لآخرتك سريعًا، بينما لا زال كثير ممن هم حولك، يتخبطون، تائهون، وللطريق، ضالون، وباحثون، عن الدرب، يبحثون، عن البداية، وكلما وصلوا لمنتصف الطريق، أدركوا متأخرًا، أن هذا ليس بطريقهم، فعادوا من حيث بدؤوا، فالحمدُ لله على نعمةِ هداية الطريق.

تضيقُ الحياة، رُغم اتساعها، وتنحدر أشد انحدار، رُغم استواءها، وتسودّ السماء، رُغم ضياءها، يحدث هذا لكل إنسان، ربما في يومه وليلته يتقلّب فيها مرّات ومرّات، ولا يجد في سنة الله خلاصًا، ولا في قضاء الله مناصًا، لكن قد يكون له على وجهِ الأرض، ما يسليّه ويُنسيه كلّ ما يلاقيه، وكل الذي ينتظره، فيجد الدنيا خضراء حُلوة، وهي ليستْ كذلك! إنّما بأثرِ ماكان يُسلّيه!

ابحث في نفسك، وغُص في أعماقها، اسألها عمّا يُسليها بحقّ، لمّا تكن في غمّة، في كرب، قائمة مهام لم تُتمها بعد، هدف كبير لم تحققه من سنوات، أناس يتربصون بك الدوائر، شرّ نفسك!، أشياء كثير لا تعرف كيف تنهيها، ولا تعرف؟ أنت تحتاج لأن تسلّي روحك بشيء، تغذّيه، حتى تستطيع أن تمتلىء، ولما تمتلىء، بإمكانها العمل من جديد، وإن لم تعمل وتحقق قائمة المهام، فستعمل أعمالًا طيبة أخرى، لا ريب، المهم أن تعمل هذه الرّوح، وألا تتوقّف أبدًا.

من الناس من وجد تسليته، في كثرة التشكي، أصبحتْ المجالس، لا تُعقد، إلا من أجل الشكاوى! لو وجدَ الإنسان، متنفسه وسلواه، مع العمل والسعي لإصلاح ما يُمكن إصلاحه، سيكون وضع مجالسنا وحالنا أفضل بإذن الله.

وإن كنتَ سائلًا عن سلواي، وسط ضجيج الحياة، وكدرها، ما تكون؟ فسأقول دون أدنى تفكير، أجد جُلّها في الخمس عشرة دقيقة، فترة القرآن التي أقضيها مع صغاري. وللحديث- بإذن الله- بقيّة.

Share

ما يُحسن..

11 نوفمبر 2015

 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

hand

فلمّا يُكرمك المُحسن إياه، ويدلّك عليه، تجد في نفسكَ شيئًا لم تكنهُ من قبل، تجد فيك إنسانًا لم تتوقع أنه يسكنك! لكنه كان ينتظر منك التفاته، التفاته واحدة فقط، مقابل معنى جديد تعيشه، فلما تعيش هذا المعنى، وأنت الذي لمْ تكن له باحثًا، لكن لما أتاكَ، بعد التفاتتكَ الأولى له، تُدرك كم كنتَ بحاجة له، ستكتشفْ بأنّ الجزء المفقود منك، عاد إليك بعدما عشته.

ما قيمتك؟ لم يُحيّر هذا السؤال علي بن أبي طالب رضي الله عنه، جاءت إجابته، موجزة، وواضحة، وقابلة للتطبيق والتجربة!

قِيمة كلّ امرِئ ما يُحسن

كيف تكون قيمة كل امرئ ما يُحسن؟ أنتْ لما تُحسن أمرًا ما، إحسانك فيه، يقودك لأن تستمرّ فيه، واستمرارك فيما تُحسنه، مهما كان ما تُحسنه ضئيلاً بنظرك، استمرارك وثباتك في ألا يذهب عنك بعيدًا، استمرارك يعني زيادة إحسانك إحسان، كل هذا ينفع على الأقل شخصًا واحدًا! قد يكون هذا الذي انتفع من استمرارك في الذي تُحسنه، من سيصلح أمورًا كثيرة، مِن حولك، عجزتَ أنت لأن تجدَ لها مخرجًا، حينها تُدرك بأنه (كلٌ مُيسّر لما خُلق له) خلقك الله، لتكتشف في نفسك، فيما تُحسنه، ولما تعرفه، تتقرب إلى الذي وهبك، زُلفى، دون أن تشعر بأنك تقترب، فجأة- ولا شيء يحدث فجأة لكننا لا نلتقط الرسائل!- من الله، يحدث كل هذا لما يكون سيرك من الأساس، لِما تُحسنه، على النحو الصحيح، كما يحبّ ربنا ويرضى، والله وتالله وبالله، يُدهشك المولى، بما كان في أيام طفولتك، حُلما تحكيه لأصدقائك، ولما كبرتَ أصبح خيال، ولما نضجتَ، وصدقتَ في السير لما تُحسن، يُصيّره الله واقعًا.

وبعد أن صار واقعًا، يُريكَ الله من نفسكَ  بفضلهِ- ما تُحبّ، يشدّ من أزرك بالذي تُحسنه؛ لأنك لن تُحسن أي أمر مهما صغُر، إلا لما تسعى لأن تتعلمه! الله يجعل نفسك تميل لهذا الأمر، ويترك لك القرار في السير نحو ميلك، حتى يصير شغفًا، وقضية تُدافع عنها وتحيا من خلالها، أو أن تتجاهل الميل الذي فطرك الله به!

طريقك الذي تتعلّم فيه ما تُحسن، ليس باليسير، ولا بالمستحيل، الصادق، يجدُ متعة في شقّ طريقه بنفسه، يأخذ من الناس، ما يعينه على إكمال سيره، ويتجاوز كل كلمة قد تجعله يكفّ عن المسير.

الله لما فطر قلبي للكتابة، لم يُملّكني كل ما أحتاجه، كنت أسير لأفهم ما أشعر به تجاه الكلمات، والنصوص التي لا يستطيع فؤادي تجاوزها، ولما فطنتُ للأمر، كانت تلك البداية.. البداية لتعبيد طريق جديد، لم أعلم منه إلا رسمه! وبعد “علميات حفر” طويلة، في الأشياء من حولي، ملّكني الله التعبير! وكان فيه بلائي ونعمتي، شكر وصبر ياربّ. لما تجد من حولك أشياء، وقلبك لا يكفّ أن يحدثك عن تفاصيل التفاصيل، وأنت في حياتكَ لاهٍ، مُنشغل، ونسيت الذي وجدتَ فيه نعمتكَ وبلاءك، هو نعمة، لأنّ الله ملّكك إياه دون أن تسأله؛ لعلمه بحاجة فؤادك له قبل أن تنضج، لكن لما تنضج، تشعر بأن كائنًا فيك، استيقظ فجأة! وهو بلاء؛ لأنه عليك إخراج زكاته، زكاة ما تُحسنه، نفع الناس به.

لا أجيد الكتابة عن الأمور السياسية، لا أجيد الخوض في الأمور الاقتصادية، لكنّه مكنني بفضلهِ وكرمه، في جوانب أخرى، تُصلح أجزاء أخرى، وفي هذا تعلمتُ درسًا مهمًا: حتى ما يُحسنه المرء، يجد في الأمر عينه، أجزاء هنا وهُناك، لا يجيدها، لكن يكفيكَ من البستان، بذرة، تُحسن اعتناءك بها، خيرًا من جمع البذور، فتسقط واحدة تلو الأخرى.

في مثل هذا اليوم في العام الماضي، كتبتُ: “الحمد لله القابض  على عدم تيسيره لي أن أكون من حجاجه”، وفي هذا العام، أقول: ” الحمد لله الحكيم، الباسط، الرؤوف، العليم، الخبير، أن يسّر لي حجّة جَعلها الله مبرورة”  الحمدُ لله الذي أتمّ على مدونتي ستةِ أعوام، يارب اغفر قصور الكلمات، وخطئها وزللها. ربّ أدخلنا مدخل صدق وأخرجنا مُخرج صدق واجعل لنا من لدنك سلطانًا نصيرًا.

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات

11.11.2015

Share

… ثمّ أتى الحجّ/5

30 سبتمبر 2015


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

pray

أتَدري لو كنت تُشيّد بناءً ضخمًا، تعبتَ في إعداده، وقبيل انتهاءك، اكتشفتْ وجود فتحة صغيرة، أنت بحاجة لشيء يسد تلك الفتحة؛ حتى يُصبح بناءك، مؤهل للسكن، البناء بناءك، بإمكان تركه فارغًا، لكنه بالكاد، لن يصمد طويلًا، أنتَ تعرف بأنه لن يتحمل جفاف السنين، لذا فإنك ستبحث عن قطعة، لكن أيّ قطعة تلك التي تلاءم نوعية تلك الفجوة؟ هل ستختار لبناءك الرديء؟ أم أجود الأنواع، وأفضلها؟ كما قلتْ، البناء بناءك، ولا مستفيد سواك!

حسنًا، قد تختار قطعة جيدة إلى حدٍ ما، لمّا قررت وضعها، أنت تعلم أنه كان بإمكانك إحضار الأفضل منها، لكنك تساهلتْ وتكاسلتْ، وسرتَ على قاعدة: ” الجود من الموجود”! لن تكتشف سوءة فعلتكْ، إلا لما يُريك الله أبنية من حولك، ممن اختاروا لسدّ تلك الفجوة، قطع، ليست بنادرة، لكن تطلّب الحصول عليها، ثمنًا غاليًا!

إبراهيم عليه السلام، لمّا كدّ في بناء البيت العتيق، هو وابنه إسماعيل، عليهما السلام، لم يُهمل ذلك المكان الفارغ، كان يحتاج لحجارة واحدة فقط، حتى يقول بأن مهمته انتهت، ما الذي حدث؟ نفدت الحجارة من حولهما! ولما لم يجد إسماعيل عليه السلام قطعة واحدة فقط، أنزل الله إليهما (الحجر الأسود) والذي هو من الجنة، آخر حجر في بناءك، هو الأهم على الإطلاق، هو من سيحدد لك، بعد الله، مدى صمود بناءك من أهليته للسقوط! آخر الأمور دائمًا أهمّ من أولّها أو أوسطها، قد تبدأ بداية ركيكة، وتسير بناء على بدايتك، في ضلالة، لكن المهم عاقبة الأمر ونهايته، لذلك يقول تعالى (وللآخرةُ خيرٌ لك من الأولى) الله يخبرني ويُخبرك بأنّ نهاية الأمور، دائمًا خير لنا من بدايتها. وعلى النقيض، قد يبدأ الإنسان بداية سليمة، ثم يضلّ الطريق! يارب ادخلنا مدخل صدق واخرجنا مخرج صدق، واجعل لنا من لدنك سلطانًا نصيرًا.

لم يكنْ عبثًا، أن جعل الله الحجّ، الركن الخامس، الركن الأخير من أركان قلبك، الركن الذي استهان الكثير في كونه الأخير! اعتدنا على الانشغال في البداية، بداية الأمور، وفي النهاية، تفتر العزائم، وتتراخى الهِمم، لذلك قيل: ” من بدأ بالمكارم، فليتمّها“، تمام أركان قلبك، حتى الخامس منها والأخير، هو تمام لإيمان قلبك ولتقواه.

الحجّ لقلبك، بمثابة الحجر الأسود، للكعبة! يثبّتك، يقويّك، يشدّ من أزر فؤادك، لن تشعر بأنك بحاجة إليه، إلا لما يُكرمك الله به، لما يُكرمك وتُكمل آخر فرائضك، الحجّ يهبك شعور بأنّ قطعة من الجنة، قد وهبها الله، لقلبك، قطعة بيضاء، كما كان الحجر الأسود، أول ما أنزله جبريل عليه السلام، احرص على نقاء حجتّك في قلبك بيضاء، نقيّة! لا تلوّثها بعودتك لخطاياك! الآن في قلبك، قطعة ثمينة، ثمينة جدًا، غيركَ حصل عليها، ومع مرور السنين، ذهب بريقها، وباتت سوداء، انطفأ وهجها، فلم تعد تؤدي دورها ولا وظيفتها! حتى هؤلاء، يمنحهم الله معاودة قصدهم لبيت؛ حتى تستردّ تلك القطعة، بياضها.

قبل الحجّ، يشغلك الشوق، أثناء الحجّ، تشغلك أمورًا تعيشها، يشغلك الزحام، والحرّ الشديد، يشغلك ألا تتجاوز اللاءات الثلاث! لا رفث ولا فسوق ولا جدال! وبعد الحجّ يشغلك القبول وبقاء الأثر!

ماذا بعد الحجّ؟ هذا السؤال الذي لا ينبغي أن يغيب عن البال! حتى لو لم تكن تملك خطّة واضحة للتغيير، انوِ التغيير أولًا، ثم خذ أول خطوة، حتى لو لم تكن تملك البديل المناسب!

يقول د. أحمد خيري العُمري في كتابه، طوفان محمد، معلقًا على حادثة رؤيا إبراهيم عليه السلام:

من بين كلّ الابتلاءات والاختبارات التي مرّ بها الرسل والأنبياء، فإن القرآن الكريم، لم يصف أي منها، بكونها (البلاء المبين)!

الله لا يريد منك أن تذبح ابنك، كما لا يطلب منك أن تذبح أحدًا، الفكرة أن تكون مستعدًا للتضحية بكلّ شيء، أن تكون مستعدًا للتنازل عن كلّ ما بَنيته، وتعلقت به، حتى لو لم يكن فيه مخالفة لشرع الله! لكن أن تكون مستعدًا للتضحية به، رغم ذلك، من أجل أن تنتصر قضيتك.

في الحجّ تأتيك تلك اللحظة، تأتيك حياتك كلها، إنجازاتك، حسناتك وسيئاتك، البلاء المبين هو كلّ غالٍ عليك، عليك أن تضعه على المذبح، والسكين بيدك، عليك أن تكون مستعدًا لأن تفعل ذلك.

عليك أن تكون مستعدًا لتقبّل حقيقة أن: الجوهر في إسلامك، في أن تكون مسلمًا، هو تلك اللحظة، التي ترضخ فيها لهذا، عندما تكون مستعدًا للتضحية بكلّ شيء.

كُن مستعدًا، بعد أن يمنحك الله القطعة البيضاء في قلبك، أن تُضحّي بكل ثمين، قد يكون ثمن الحفاظ على لمعان تلك القطعة، أن تضحي بروتينك اليومي، أو بأن تستبدل رفقتك!

في الحجّ، كلّ شيء مُلهم، كلّ شيء، يحدث أمامك، ثق بأن حدوثه، لم يكنْ مُصادفة! لا شيء يحدث اسمه صُدفة! الله قدّر كلّ شيء بدقة، قدّر أن ترى تلك الحادثة، بينما أنت سائر في الطريق، ربمّا! لما توقن بأن الله يُوقع الأحداث، لك لا لغيرك، رغم أنك خارج عن الحادث أو الموقف، لكن قدرك أن تكون مُشاهِدًا، حينها، ترى الأشياء كلها بمنظار مختلف، وحينها، يلتمس قلبك أوّل أطراف، التقوى!

المهم أن تجعل كلّ ما تشعر به، من سوء، ومن خير، يُقربك من الله، زُلفى، هذا ما يريده الله لما قدّر لك رؤية تلك المواقف! قد نظن أحيانًا أن الله أرانا ذلك الموقف، حتى نحكيه لغيرنا! وينتهي دورنا! الله يريد أن يزيد إيمانك في كل موقف يمرّ به، ولن يحدث هذا إن لم تكن تعتقد أن كل أمور الدنيا، كبيرها وصغيرها، توصلنا للإيمان، توصلنا لله!

بالمناسبة، لم أخطط مسبقًا، أن تكون نهاية سلسلة الكتابة عن الحجّ، أن تكون التدوينة الخامسة! اختم بقول د. العمري:

لا يمكنك اكتشاف الإنسان الجديد الذي أصبحت عليه، وأنت في الحرم! لابد من أن تلتحق بالعالم؛ لكي تجرب الإنسان الجديد الذي يفترض أن يكون قد ولد بين جنبيك.

الحج يُقيم عليك الحُجّة: هذا العالم يجب أن تُنقذه، لو أردتَ النجاة!

من لا يشكر الناس، لا يشكر الله، شكرًا، لكل من سخّرها الله لتزيد في إيمان الفؤاد، قبل الحجّ، وأخصّ بالذكر: لينة، بيان، د.نجود، إلهام، تسنيم، مريم، الشيماء، نُهى، عفّت، يارب جازهم بالإحسانِ إحسانًا، وبالسيئاتِ عفوًا وغُفرانًا.

فائدة: الحبيبة عفّت، لم تحجّ بعد، لكن مُسانداتها، لم تكن كذلك! فِعلها علمني بأنه بإمكانك المساعدة حتى لو لم تكن تجرّب شيئًا ما.

ربّنا تقبّل منّا، إنّك أنتَ السميع العليم، ولكَ الحمدُ الذي بنعمته الصالحات

Share