أرشيف تصنيف ‘إينَـاسِّيات‘

… ثمّ أتى الحجّ/5

30 سبتمبر 2015


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

pray

أتَدري لو كنت تُشيّد بناءً ضخمًا، تعبتَ في إعداده، وقبيل انتهاءك، اكتشفتْ وجود فتحة صغيرة، أنت بحاجة لشيء يسد تلك الفتحة؛ حتى يُصبح بناءك، مؤهل للسكن، البناء بناءك، بإمكان تركه فارغًا، لكنه بالكاد، لن يصمد طويلًا، أنتَ تعرف بأنه لن يتحمل جفاف السنين، لذا فإنك ستبحث عن قطعة، لكن أيّ قطعة تلك التي تلاءم نوعية تلك الفجوة؟ هل ستختار لبناءك الرديء؟ أم أجود الأنواع، وأفضلها؟ كما قلتْ، البناء بناءك، ولا مستفيد سواك!

حسنًا، قد تختار قطعة جيدة إلى حدٍ ما، لمّا قررت وضعها، أنت تعلم أنه كان بإمكانك إحضار الأفضل منها، لكنك تساهلتْ وتكاسلتْ، وسرتَ على قاعدة: ” الجود من الموجود”! لن تكتشف سوءة فعلتكْ، إلا لما يُريك الله أبنية من حولك، ممن اختاروا لسدّ تلك الفجوة، قطع، ليست بنادرة، لكن تطلّب الحصول عليها، ثمنًا غاليًا!

إبراهيم عليه السلام، لمّا كدّ في بناء البيت العتيق، هو وابنه إسماعيل، عليهما السلام، لم يُهمل ذلك المكان الفارغ، كان يحتاج لحجارة واحدة فقط، حتى يقول بأن مهمته انتهت، ما الذي حدث؟ نفدت الحجارة من حولهما! ولما لم يجد إسماعيل عليه السلام قطعة واحدة فقط، أنزل الله إليهما (الحجر الأسود) والذي هو من الجنة، آخر حجر في بناءك، هو الأهم على الإطلاق، هو من سيحدد لك، بعد الله، مدى صمود بناءك من أهليته للسقوط! آخر الأمور دائمًا أهمّ من أولّها أو أوسطها، قد تبدأ بداية ركيكة، وتسير بناء على بدايتك، في ضلالة، لكن المهم عاقبة الأمر ونهايته، لذلك يقول تعالى (وللآخرةُ خيرٌ لك من الأولى) الله يخبرني ويُخبرك بأنّ نهاية الأمور، دائمًا خير لنا من بدايتها. وعلى النقيض، قد يبدأ الإنسان بداية سليمة، ثم يضلّ الطريق! يارب ادخلنا مدخل صدق واخرجنا مخرج صدق، واجعل لنا من لدنك سلطانًا نصيرًا.

لم يكنْ عبثًا، أن جعل الله الحجّ، الركن الخامس، الركن الأخير من أركان قلبك، الركن الذي استهان الكثير في كونه الأخير! اعتدنا على الانشغال في البداية، بداية الأمور، وفي النهاية، تفتر العزائم، وتتراخى الهِمم، لذلك قيل: ” من بدأ بالمكارم، فليتمّها“، تمام أركان قلبك، حتى الخامس منها والأخير، هو تمام لإيمان قلبك ولتقواه.

الحجّ لقلبك، بمثابة الحجر الأسود، للكعبة! يثبّتك، يقويّك، يشدّ من أزر فؤادك، لن تشعر بأنك بحاجة إليه، إلا لما يُكرمك الله به، لما يُكرمك وتُكمل آخر فرائضك، الحجّ يهبك شعور بأنّ قطعة من الجنة، قد وهبها الله، لقلبك، قطعة بيضاء، كما كان الحجر الأسود، أول ما أنزله جبريل عليه السلام، احرص على نقاء حجتّك في قلبك بيضاء، نقيّة! لا تلوّثها بعودتك لخطاياك! الآن في قلبك، قطعة ثمينة، ثمينة جدًا، غيركَ حصل عليها، ومع مرور السنين، ذهب بريقها، وباتت سوداء، انطفأ وهجها، فلم تعد تؤدي دورها ولا وظيفتها! حتى هؤلاء، يمنحهم الله معاودة قصدهم لبيت؛ حتى تستردّ تلك القطعة، بياضها.

قبل الحجّ، يشغلك الشوق، أثناء الحجّ، تشغلك أمورًا تعيشها، يشغلك الزحام، والحرّ الشديد، يشغلك ألا تتجاوز اللاءات الثلاث! لا رفث ولا فسوق ولا جدال! وبعد الحجّ يشغلك القبول وبقاء الأثر!

ماذا بعد الحجّ؟ هذا السؤال الذي لا ينبغي أن يغيب عن البال! حتى لو لم تكن تملك خطّة واضحة للتغيير، انوِ التغيير أولًا، ثم خذ أول خطوة، حتى لو لم تكن تملك البديل المناسب!

يقول د. أحمد خيري العُمري في كتابه، طوفان محمد، معلقًا على حادثة رؤيا إبراهيم عليه السلام:

من بين كلّ الابتلاءات والاختبارات التي مرّ بها الرسل والأنبياء، فإن القرآن الكريم، لم يصف أي منها، بكونها (البلاء المبين)!

الله لا يريد منك أن تذبح ابنك، كما لا يطلب منك أن تذبح أحدًا، الفكرة أن تكون مستعدًا للتضحية بكلّ شيء، أن تكون مستعدًا للتنازل عن كلّ ما بَنيته، وتعلقت به، حتى لو لم يكن فيه مخالفة لشرع الله! لكن أن تكون مستعدًا للتضحية به، رغم ذلك، من أجل أن تنتصر قضيتك.

في الحجّ تأتيك تلك اللحظة، تأتيك حياتك كلها، إنجازاتك، حسناتك وسيئاتك، البلاء المبين هو كلّ غالٍ عليك، عليك أن تضعه على المذبح، والسكين بيدك، عليك أن تكون مستعدًا لأن تفعل ذلك.

عليك أن تكون مستعدًا لتقبّل حقيقة أن: الجوهر في إسلامك، في أن تكون مسلمًا، هو تلك اللحظة، التي ترضخ فيها لهذا، عندما تكون مستعدًا للتضحية بكلّ شيء.

كُن مستعدًا، بعد أن يمنحك الله القطعة البيضاء في قلبك، أن تُضحّي بكل ثمين، قد يكون ثمن الحفاظ على لمعان تلك القطعة، أن تضحي بروتينك اليومي، أو بأن تستبدل رفقتك!

في الحجّ، كلّ شيء مُلهم، كلّ شيء، يحدث أمامك، ثق بأن حدوثه، لم يكنْ مُصادفة! لا شيء يحدث اسمه صُدفة! الله قدّر كلّ شيء بدقة، قدّر أن ترى تلك الحادثة، بينما أنت سائر في الطريق، ربمّا! لما توقن بأن الله يُوقع الأحداث، لك لا لغيرك، رغم أنك خارج عن الحادث أو الموقف، لكن قدرك أن تكون مُشاهِدًا، حينها، ترى الأشياء كلها بمنظار مختلف، وحينها، يلتمس قلبك أوّل أطراف، التقوى!

المهم أن تجعل كلّ ما تشعر به، من سوء، ومن خير، يُقربك من الله، زُلفى، هذا ما يريده الله لما قدّر لك رؤية تلك المواقف! قد نظن أحيانًا أن الله أرانا ذلك الموقف، حتى نحكيه لغيرنا! وينتهي دورنا! الله يريد أن يزيد إيمانك في كل موقف يمرّ به، ولن يحدث هذا إن لم تكن تعتقد أن كل أمور الدنيا، كبيرها وصغيرها، توصلنا للإيمان، توصلنا لله!

بالمناسبة، لم أخطط مسبقًا، أن تكون نهاية سلسلة الكتابة عن الحجّ، أن تكون التدوينة الخامسة! اختم بقول د. العمري:

لا يمكنك اكتشاف الإنسان الجديد الذي أصبحت عليه، وأنت في الحرم! لابد من أن تلتحق بالعالم؛ لكي تجرب الإنسان الجديد الذي يفترض أن يكون قد ولد بين جنبيك.

الحج يُقيم عليك الحُجّة: هذا العالم يجب أن تُنقذه، لو أردتَ النجاة!

من لا يشكر الناس، لا يشكر الله، شكرًا، لكل من سخّرها الله لتزيد في إيمان الفؤاد، قبل الحجّ، وأخصّ بالذكر: لينة، بيان، د.نجود، إلهام، تسنيم، مريم، الشيماء، نُهى، عفّت، يارب جازهم بالإحسانِ إحسانًا، وبالسيئاتِ عفوًا وغُفرانًا.

فائدة: الحبيبة عفّت، لم تحجّ بعد، لكن مُسانداتها، لم تكن كذلك! فِعلها علمني بأنه بإمكانك المساعدة حتى لو لم تكن تجرّب شيئًا ما.

ربّنا تقبّل منّا، إنّك أنتَ السميع العليم، ولكَ الحمدُ الذي بنعمته الصالحات

Share

… ثمّ أتى الحجّ/4

30 سبتمبر 2015


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

mina3

(12)

بين جمرَتي الصغرى والوسطى، وقفتُ أدعو، أجرى الله على لساني، أسماء أشخاص، لم أعدْ أتذكر وجودهم! انقطعتْ أخبارهم عنّي! دعوتُ لأطفالي الأربع والعشرون، ولكني طامعة بالمزيد، عددتُ منهم بأسمائهم، وصلتُ حتى الطفل العاشر، ولم أتذكر الباقي! ياربّ، تُطلق لساني لأناس اندثروا لسنين طويلة، والقريبون يا الله يندثر ذكرهم؟ أيقنتُ أن الدعاء، رزق! يعلّم الله قلبك، بأن مخططاتك وقائمة دعواتك الطويلة، لن تفيدك، ما لم تسأله أن يلهمك ويوفقك ويفتح لك بالدعاء، فياربّ هيئ لنا من يذكرنا، ويدعو لنا بخير.

(13)

اليوم، يرحل المتعجّلون، يرحلون عنّا، يعودون لأوطانهم، ولأولادهم، كان رحيلهم قاسٍ، تركوا فراغ كبير، موحش، مُقفر! وهذا حال العباد، راحلون إلى الله، يصطفيهم الله، فيرحلوا عن دنيانا، يتركون فراغًا في قلوبنا، كان وجودهم، يحشو هذا الفراغ، ورغم قساوة الرحيل، وازدياد مساحة الفراغ، إلا أن الحياة سائرة، بدونهم، رغم حبنا لهم! نمنا تلك الليلة، ليلة رحيلهم، كما نمنا بوجودهم، بيننا، تناولنا وجباتنا، ويبدو أننا نسينا وجع رحيلهم! هكذا خلق الله لنا الحياة، وهكذا سيّر قلوبنا! تستعجب من تقلبات مشاعرك للأمرِ الواحد، خلال يوم واحد أو ليلة واحدة فقط! يارب اجعلنا ممن تعجّل لرضاك، (وعجلتُ إليكَ ربّي لترضى).

(14)

في آخرِ أيام التشريق، أغلب الحجاج، تحرّكوا قبيل الظهر؛ لرمي الجمرات، كنّا هناك في تمام الساعة الثانية عشر، كان المنظر مهيب، مهيب بالفعل! أُمم من الناس، جالسة أمام الجمرة الصغرى! ينتظرون حلول وقت الزوال، ما الذي يمنع أحدهم من أن يرمي سبع حصيات، ويمضي؟! ياربّ كلهم مُمتثلون لشرعك، فياربّ ارضَ عنا وعنهم، كانت دقائق قصيرة، لكنهم، كانوا مستسلمين بحقّ! يارب نفعل كما أمرتنا! يارب ارزق قلوبنا الخشية، والصدق في القول والعمل.

(15)

بعد رمي الجمرات، بدأت طقوس الرحيل الموجعة، ترى نفسك تتأهب طوعًا للرحيل، ويشاركك التأهب، مَن حولك، كلّ من في مِنى، الكل مشغول، يتأكد من أنه لم ينسَ شيئًا؛ لأن العودة عسيرة! اليوم، قبل أن نرحل، نحزم حاجياتنا، لكن يوم أن يكتب الله لنا الرحيل الحقيقي، غيرنا سيحزم حقائبنا، سيتصرف بها أنّى شاء! يُكرِم الله المتأخرون بمشاهدة تفاصيل الرحيل؛ لتكون عبرة وعِظة! تُخلع أبواب المخيمات، تتزاحم الحافلات، حتى رجال الأمن، تراهم مشغولون بترتيب حاجياتهم؛ هذا يحمل فراشه، وآخر يبحث عن حذاءه الثاني، الكل مشغول، يذكرك انكباب كلّ واحد بنفسه، بحالنا يوم الحشر الأكبر! لن تكون متفرغًا لأن تحادث فلان أو تسأل عن حاله، أو حتى تغتابه! ياربّ اجعلنا من الذين ينشغلون مع عيوب أنفسهم، فيُسارعون بإصلاحها.

يتبع..

Share

… ثمّ أتى الحجّ/3

29 سبتمبر 2015


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

mina2

(7)

ولما عُدنا، بعد عناء الوصول، حزمتْ إحداهنّ حقائبها، وأخبرتنا بأنها مُغادِرة! تقول بأنها لا تُريد أن تكون حجتها الأولى، على هذا النحو من الضجر حول أشياء كثيرة في الحملة، ذهبتْ لمكانٍ آخر، لا نعلم ماهو، رحلتْ وقد علّمتنا درسًا لطيفًا، إن لم تكن راضٍ، فحاول الإصلاح، وإذا لم يتحسّن الوضع، ولم تستطع (مسك لسانك) فغادر، بصمت! أمل، كانتْ نموذجًا رائعًا، للرحيل الصامت، يارب اغفر ضجرنا الذي ما نشعر بقيمته، إلا لما نُرضعه لمن حولنا!

(8)

يوم النحر، يوم تنحَر فيه كل عاداتك السيئة، ومُعتقداتك الباطلة، استيقظنا على خبر حادثة الجمرات! وفيّات وإصابات! اتصالات ورسائل،نُطمئن من سأل، وداخلنا مُضطرب! يُجبرك الموقف أن تتخيل، لو كنت واحدًا من هؤلاء؟ ممن كتب الله لهم، أن يوم النحر، آخر أيام حياته، يا الله! كيف سأعوّض تقصيري في اليومين الماضيين؟! هل لو علم الذين ماتوا -رحمهم الله- أنهم سيلقون حتفهم في هذا اليوم، هل كانوا سيفرّطوا ثانية واحدة في عرفات؟ كما فعل الكثير! ياربّ اجعلنا ممن يذكروك في الرخاء قبل الشدّة.

(9)

تلقيتُ اتصالاً منها، تذكّرني بأن أحذر من الاحتفال بالعيد واحتساء الشاي وأن يُنسيني ذلك، ذكر الله، يوم النحر، عظيم عند الله، ومن يُعظّمه، فهو المحبّ له، حقًا. كلّ ذلك يسيرًا في القول، عسيرًا بعض الشيء، في التطبيق، يوم أن تجد كلّ من حولك، “يدردشون” وقد يطيلون الجلوس بالساعات، وأنت في ركنٍ قصيّ عنهم، تذكر ربّك في يومه العظيم. لما تلحّ على الله بشيء، ووافق إلحاحك، صدقك فيما تسأله، فإنه يُعينك، يؤخر أمورًا لك، من باب الإعانة، ويقدّم لك أخرى، إعانة لك أيضًا. الله في ذلك اليوم أخّر رمينا للجمرات؛ لحكم كثيرة، من بينها، حتى تفوتنا “حفلة الشاي”، معونة الله كانت في شعورنا بالإنهاك، والتماس من حولنا العذر لنا لعدم الإنضمام لهنّ، الله الكريم. لا يترك قلبًا صادقًا، إلا ويُخرجه مخرج صدق، كما أنه أدخله مدخل صدق.

(10)

ولما نوينا، أن نطوف طواف الإفاضة، تعسّرت علينا المواصلات، وعقب العسر، تسخيره لنا لحافلة، تقلّنا، استبشرتْ! والآن أقول: أنني اطمئننتُ (للخير) ولم أطمئن لله! فجأة، توقفت الحافلة، وقال سائقها، بأن الطريق نحو الحرم مغلق، عليكم بالنزول! وإكمال الطريق على أقدامكم، حتى تصل للبيت العتيق، تحتاج لساعة ونصف من المشي! كان ذلك يسيرًا لو كنت بمفردي، لكن أمي! ياربّ ركنتُ للخير، فمنعتني عنه، حتى لو كان الخير، يؤدي قلبي نحوك؟ قررنا العودة، حتى العودة كانت أشدّ عُسراً من سابقتها، أخذتْ الحافلة تدور وتدور، تجمع أناس، وتُنزِل آخرين! طافت بنا، كما رغبنا بأن نفعل! لكنه طواف تربية وتمحيص، عُدنا دون طواف إفاضة! قد تكدّ وتسعى في شيء ما، ويهيئ الله لك الأسباب؛ لأن تتمه، لا تفرح بالخير، ولكن احمد الله، واطمئن لجنبه، حتى لو منعك، فاطمئن له. في كلّ ما تسعى له، يترك الله جزءًا صغيرًا، يبتليك به، يبتليك بإنجازاتك، يبتليك بإسباغ نعمه عليك، احذر أن تفتتن!

(11)

وافق يوم القرّ، يوم الجمعة، ياربّ فضيلتان مُجتمعتان! خططنا للرمي وقت العصر؛ حتى نغتنم ساعة الإجابة الفاضلة، أنت تخطط، وتبدع في التخطيط، والله يُدبر لك الذي يزيدك تقوى وإيمان. لم تُجدِ مخططاتنا نجاح! ولمّا غابت الشمس، دون أن يُيسر الله لنا الرمي، هذه المرة، اطمئننتُ لجنبِ الله، لم تجزع النفس، ولم يزبد القلب ويرعد! الحمدلله. رضيتْ ياربّ. ولما توجهنا، ليلاً، للرمي، الله أبدلنا عوضًا عن الوقت الفاضل، ثلاث أوقات فاضلة! هطل المطر، وأذّن العشاء، ودعونا الله في الجمرات! ياكريم! ذكّرنا بكرمك في المنع قبل العطاء! الدرس المهم، هو ألا تنتظر (العوض منه) مُقابل كل شيء، تتركه من أجله، أو تفقده دون أن يكون لك قرار فيه؛ حتى لا تكون علاقتك مع مولاك، قائمة على ما تقوم به حياتنا مع الناس في كثير من الناس، إذا أعطيته، لابدّ أن يعطيني! لله الكريم يعوضك، قد يعوض قلبك، بمعنى جديد، أو إيمان راسخ، تفقّه لآياته فيك؛ لتُفلح.

يتبع..

Share

… ثمّ أتى الحجّ/2

28 سبتمبر 2015


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

ولمّا أتى، ما فقهتُ خفقات قلبي المُضطربة، اليوم فجرًا الرحيل، لتلك الأرض التي ما كتب الله لنا لقاءها رغم قُرب قرب المسافات، عقودًا طويلة! راجعتُ قائمة حاجياتي، أغلقتُ حقائبي، راجعتُ قراءاتي، وظلّ قلبي مُستيقظًا، يوقظني بأشواقه، إن لم يوقظني المنبّه بصوته.

mina

(1)

ركبنا الباص، كنتُ انظر للأُفق، مشغولة الفكر، مضطربة الأشواق، وبينا أنا كذلك، مررتُ كفّي الأيسر حول معصمي الأيمن، فلم أجدها! سُبحتي! أنا متأكدة من أني لففتها جيدًا حول معصمي، كما أفعل بالعادة! تعكّر صفوي للحظةّ! أسأل أمي، فلا تدري، وكذلك أختي، تُعطيني أمي سُبحتها، آخذها على مضض، وقلبي غير راضٍ! كلّ هذا في دقيقة أو أقلّ! ولأني سألتُه كثيرًا أن يُعينني على أن تكون حجّتي، حجّة العُمر، مبرورة، فقد ألهمني قولها الذي ناسب الموقف كثيرًا، وسكّن اضطرابي، قالت لي: “سيحدث أن تفقدي شيء لم تحضريه معك أثناء إعدادك،فاجعليها فرصة لتعليم نفسك أن لا تتعلق بشيء، وأنّها تستطيع الاستمرار بدونه“. وهذا ما علّمني الله إياه، فجر يوم التروية.

(2)

في المُخيم، صُعقتِ بأن من بيننا من هي حامل بشهرينِ أو ثلاث! وأُخرى أتت بطفلها الذي لم يُفطم بعد! وثالثة تركت ابنها ذو العامين عند صديقتها! تخيّلتُ لو أني كنتُ إحداهن؟ وكان شوقي هو شوقي، ماكنتُ سأفعل؟ هل كنتُ سأجاهد فيك وأنا مُجهدة بحملٍ يا الله؟ أم هل كان قلبي سيحتمل أن أحجّ وصغير يشغلني عنك؟! أو أني مُغتربة، وأترك قطعة مني، عند صديقتي؟ يا الله حمدًا لك ثلاثًا، أن لم تجعلني واحدة منهنّ حتمًا ما كنتُ لأفعلٍ فعلتهنّ. علّمني الله ظهر يوم التروية، ثمة أفئدة تفوق أشواقك، يافقيرة الشوق! أراني الله حقًا قوله صلوات الله وسلامه عليه، بهِمم تعلّقتْ بالثّريا، فبلغّها الله واصطفاها! كانت ثريّاهم، حجّة، رغم كل الظروف! ياربّ تقبّل مني ومنهم.

(3)

الساعة الثانية فجرًا، وقت اندفاعنا لعرفة، لكن رأسي، ليس على ما يرام، ياربّ لطفك وسترك، سرتُ معهم بجسدٍ مُترنّح، ورأس مضطرب جدًا، أعرف جيدًا نوبة شقيقة كهذه! عسيرة يا الله، لا أريدها الآن، فجر عرفة ياربّ أريده، فلا يضيع في نوبة بائسة كهذه! لكن يُربيني الله من حيث لا أحتسب للتربية طريق، في الطوارئ، كدتُ أصرخ بوجه الطبيب، حين قال لي بأنه لا يستطيع إعطائي إبرة! تمنيتُ كما يتمنى قلبي دائمًا، أن يكون هناك مقياس يقيس حدة وجع الرأس! كما تفعل أجهزة الضغط والقلب! أخبرني بأنه لا يملك عقارًا مسكنًا، إلا نوعًا جديدًا، ولابدّ أن يقوم باختبار حساسية أولًا، وبالفعل، لم يناسبني العقار، انتفخ جلدي، وأصبتُ بحكة شديدة، أخفيتُ كل هذا وأخبرته بأن الأمور على ما يرام، ياربّ كذبتُ هذه الكذبة؛ حتى لا تضيع أشواقي، حتى لا تنفلت عرفة، يارب تقبّلها منّي.

(4)

خيمتنا في عرفات، كانت ليست على ما يرام، كما كان رأسي حينها! زادت الاحتجاجات! تعالتْ الأصوات، ياربّ رُحماك! ضيق في المكان، وزيادة على ذلك، دخول أُخرَوات للانضمام معنا، أخروات لا ندري من أين أتين! زاحمننا في المكان، وفي الهواء! أنام الله الأعين دون علمنا، وفي ضُحى عرفة، اشتدّ بنا الحرّ، مع تعطل أجهزة التكييف، الحرّ الذي كان سيهون لو هوّنه من حولك! تلك الحرارة، ماكانت لتعدل شيئًا من حرّ جهنّم، ياربّ بصرّنا بما تقدّره لنا، وبفعل الحر، ساءت الأنفس! وانهالت بعضها بالشتائم، التي لوّثت أسماعنا! ، ثم أتى مندوبًا من وزارة الحجّ بعد عدّة شكاوى، يارب في الدنيا، قد نلجأ للحكومات، فتدافع عنّا، يوم الحشر ياربّ من سيقبلنا إن لم تقبلنا؟ ياربّ ادرِكنا وتداركنا برحمتك.

(5)

في ظُهر عرفة، كانت إحداهن، تدعو وتقرأ القرآن، وبعد أن انتهت، دار بينها (حوار) وبين حاجّة من الجنسية المصرية، كان خلافهما حول كيفية نطقها لحرفَي (ض/ ظ) الحاجة السعودية كانت تقول بأننا كعرب نعرف كيف ننطقها، بينما الأخرى، كان تقول لها ولكنكِ لم تقوليها الآن بطريقة صحيحة، كنتُ أنظر إليهم؛ حتى ينتهي المشهد، أريد معرفة نهاية الحوار، لكن إحداهنّ وفقها الله فطنتْ لذلك، قالت: ( لا جدااااال) يا الله! إنه الجدال، لم يكن حوار! كيف لم انتبه لذلك! تذكرتُ قولها يوم أن قالت لي، الجدال يأتيك في مواقف صغيرة خفيّة، كوني فطنة، غفر الله لنا ولهما.

(6)

انتهت الساعات الأخيرة من عرفة، اليوم العظيم، عند الله، ياربّ اجعلنا ممن باهيتَ بهم ملائكتك وكل خلقك، وحان وقت الرحيل لمزدلفة، وكانت الصاعقة الصادمة، لن نذهب لمزدلفة!! عاد الاحتجاج وتعالي الأصوات! أخبرونا بأن مخيمنا في أرض مزدلفة، لكنه يأخذ حُكم مِنى؛ لاتصال المخيمات ببعضها، بين مقتنع ورافض، ظهرت الكثير من صور الفساد، والله المُستعان! في طريقنا لعودتنا لمخيمنا في مزدلفة/منى، كان الموقف مهيب جدًا، حشود كثيرة، كثيرة جدًا جدًا، تقف، تنتظر كل حملة، دورها في المسير نحو القطار، المنظر كفيل بأن يجعلك تتخيل موقف يوم الحشر، مكان كبير، يضم الملايين، فيضيقُ بناظريك! تتخيل بأنّ كل واحد من هؤلاء الحشد، ينتظر دوره؛ حتى يُحاسب. يارب رحماك بنا يوم الحشر الأكبر! لوهلة، تتذكر كل المواقف التي تأخرتْ فيها السيارة التي ستقلّك لمنزلك، و(دقائق) انتظارك، تقارن بين تلك الدقائق، وبين انتظارك هنا لساعات حتى تصل لمكانٍ تنام فيه! يارب ظلمنا أنفسنا، فاغفر لنا وتُب علينا!

يتبع..

Share