أرشيف تصنيف ‘أبلة إيناس !‘

” سويت حمّام ” !

20 سبتمبر 2014

♪ 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

writer

تلقّيتُ الخبر كالصاعقة ، الخبر الذي لم يطرأ حتى مجرّد خاطرة عابرة ! حين سألتُها كنت أسألها وأنا أعلم الإجابة ولكن من باب الاطمئنان أكثر جاء سؤالي لها ، فكانت إجابتها الخبر الذي لم يكن في الحسبان ! ” إيناس انتي معلمة روضة أول ” .

حقيقة لم أستغرق وقتًا طويلاً لأتقبل أو أعترض ، حفتني ألطاف الله الخفية ، ورغم أنه الخبر الذي لم يكن في الحُسبان ، إلا أنني رفضتُ إلا أن أُكمل فيه قبل أن أخوض تجربته .

بدأت تربية الله وتهذيبه لي باكتشافي بأن أطفال كثيرون يرتدون ” الحفاضة ” وبحاجة لتعليمهم ” الحمام ” ، الأمر الذي لم أفكر فيه يومًا ، لم يخطر على بالي يوماً كيف يتعلم الطفل أن يطلب دورة المياه حين يحتاج لذلك ؟ رغم معايشتي لابنة أختي لبعض الأوقات لكن لم تصلني ” المعاناة ” إلا حين قُدّرت أن نعيشها ساعة بساعة .

كان يتعيّن علينا أن يدخل جميع الأطفال ” الحمام ” كل ساعة . المُضحك هو توصيات أمهاتهم لنا بأن نُحضر جوائز تحفيزية لمن يذهب للـ” حمام ” ويحافظ على نظافة ملابسه . حسنًا في الحقيقة فعلت أفنان ذلك من قبل توصياتهم ، وكنتُ أقول ما بالها تهتم كثيراً بهذا الموضوع ، فسيذهبون للـ ” حمام ” ولاحاجة لتضخيم الموضوع !

كانوا يستمتعون بذهابهم ، وحين يعودون للفصل ، يهتفون لأصدقائهم ” سوووويت حمّام ” !! وكنا نحتفل معهم بالتصفيق و” تكريم ” الفاعل ، ويحوز في نهاية الأمر على ” استكر ” !! وحين تأتيهم أمهاتهم يكون أول ما تسأله : ” رحت الحمام ” ؟ وإذا كانت الإجابة بنعم ، تُكمل الأم طقوس الاحتفال الذي ابتدأناه .

وسط انشغالنا بموضوع ” الحمام ” كنتُ أشعر بالفقد ، فقدي للأطفال الكبار جدًا في عيني وفي قلبي ، أطفال التمهيدي الذين لا يحتاجون كلّ هذا الجهد في التوجيه ، أفتقد أن استغرق ساعة طويلة لتحضير حلقة واحدة تُقدّم خلال نصف ساعة ! أفتقد أن نفتح حوارات ونقاشات حول موضوع يشدهم ، فنتشارك البحث ويأتوني بما يُدهشوني بمعرفته . لله دُرّها من سنين جميلة مضت ..

شاهدتُ كيف تقدّم الحلقة لهؤلاء الصغار ، وجاء دوري للتطبيق ، كان موضوع الحلقة عن مواصفات الإنسان واختلاف ألواننا وأطوالنا ، عرضتُ أول صورة ، لشخصين أحدهما طويل جداً والآخر قصير . سألتهم من الطويل ؟ وكنت أشير بيدي للأعلى ، كان سقف توقعاتي عالي جداً ! أجابني أحدهم : ” يلعبو كرة سلة ” وقال آخر : ” ليه لابس أحمر ” وتبعتهم ثالثة:  ” ليه يضحك ” نظرت لأفنان نظرة استجداء ، فأومأت لي بأن أُكمل وأكملت وأنا أشعر بأني كمن يتحدث مع نفسه ، وكل واحد منهم في وادٍ قصي عن الوادي الذي معلمتهم فيه !

قررت أن أعيد المفهوم كلما وجدتُ فرصة لذلك ، وفي أيام مختلفة ، لم يعودوا يلتفتون للون الأحمر ، ولا لملامح الوجه ، الآن تشغلهم فكرة حقيقية وهي أننا مختلفين في الطول ، أصبحوا يقفون بجانب بعضهم البعض ويقارنون أطوالهم ويقولون : أنا كبير وفلان صغير ” وفي أحد المرات جاءني ” هيمو ” الطفل الذي يصعب عليه سماع اسمه الحقيقي دون ” دلع ” فقال لي وهو يقف بنفس الطريقة التي كان يقف فيها الشخص الذي عرضت لهم صورته وهو يضع يديه على خاصرته ويقول : ” معلمة أنا كبيررررر ” مستخدماً ذات النبرة التي أستخدمها .. أصححها له وأنا ابتسم بأن منحني الله طفلاً يجبر القلب رغم ” قزميته ” .

كنتُ أظن خلال سنواتي الوظيفية بأني تعلمت كيف أجعل المفهوم الكبير الذي يُدرّس للكبار ، كيف أجعل منه بفضل من الله مصغراً سائغاً للصغار ، لكن مع روضة أول ، شعرتُ بأني كنتُ أدرّس أطفال الجامعة والآن أطفال الروضة ! والبون شاسع جدًا . كنت استخدم المصطلحات التي اعتدتُ استخدامها مع أطفال التمهيدي ، وكنت في المقابل أتوقع نفس ردة الفعل . مع أطفال التمهيدي كنتُ أبدأ بالعد من 1 وحتى 3 ثم أشير بفمي كمن يغلقه وأقول : صمت . في الغالب كانوا يصمتون . أما مع هؤلاء الصغار جدًا ، يصمتون ولكن ليس قبل أن يعيدوا ما قلته وأسمع كلمة ” صمت ” من أفواههم الصغيرة بشكل مضحك تبدو وكأنها صدى  .يضحكونني حين يقولون :  ” سَمت ” وبعضهم يضيفون لها البهارات فيُتبعون الـ ” سَمْت ” بـقولهم : ” اششششش ” .

حين كنتُ – وما أجمل ما كان – معلمة التمهيدي ، كنت أخبر صديقتي أمل بأنني أحب جداً جدًا وقت الوجبة الثانية التي يحضرونها من منازلهم ، كنت أخبرها بأنني أشعر بأنها ” جلسة شاي ” معهم ، كنا نفتح فيها مواضيعاً ، ونجري مسابقات حتى من حماسنا كانت مديرتنا في كثير أحيان تخرج من غرفتها وتشاركنا الإجابة ، كان ذلك يسعدني كثيراً . أما الآن ، فجلسة الشاي لم تعد كذلك ! غدت كأنها “جلسة كبسة ” ! لم أعتد أن يُحضر الأطفال أرزًا أو أصناف أطعمة تحتاج لتسخين ! أصبحنا نقسم مهامنا ، معلمة تجلس على الطاولة تستقبل الأطفال والثانية عند حقائبهم تساعدهم في إخراج وجباتهم ، ثم تبدأ ” جلسة الكبسة ” ! أشعر حينها بأنه كمن تعلم كيف يكتب جُملاً طويلة جدًا لكنه فجأة اكتشف أنه لا يعرف الحروف أصلاً فكان حريّاً به أن يعود للوراء ويتعلم أ ، ب !

وللمواقف المضحكة النصيب الأكبر مع هؤلاء الصغار جدًا ، في أحد المرات التي كنا نلعب فيها ألعاب حركية وألعاب أصابع ، كنت أمثّل بأني آكلهم فأدغدغهم ويضحكون ، فجأة ، باغتني أحدهم بـ ” كف ” محترم جداً ، كان الموقف درامي جدًا وكان هذا أول كف أتلقاه من طفل في تاريخي كله ! وعندما شاهد ردة فعلي الواجمة ، ارتبك ، لا أتذكر ماذا قلت له لكنه قال لي : كنت ألعب !

في أحد الأوقات التي كنا نشاهد فيها مقاطع فيديو ، أخبرتني إحداهن أنها تريد أن تجلس في حضني ، فأجلستها والبقية حولنا على الكراسي يجلسون ، وفجأة شعرت بشيء … فسألتها إن كانت تحتاج لحمام ؟ صارت تبكي وتقول : ” لا أنا ندِيفة ” فعلمتُ أنها فعلتها فوق حجري ، في اليوم الذي قررت فيه أن أرتدي فستان !

وفي نفس الفترة في وقت آخر ، بينما الكل منسجم مع ما نشاهده ، هزّني أحد الأطفال وقال لي : ” معلمة إيناس شوفي ” .. وخلع عن كتفه وقال : ” شوفي خدّي ” وهو يلصق خده بكتفه ! ما أجملهم حين يفعلون أشياء لا أعلم كيف من الممكن أن تطرأ على قلب بشر !

خلال الأسابيع الماضية ، تعلمت أموراً ما كنت لأتعلمها لو عكفتُ عليها سنيناً طويلة ، وكان أكثر ما أردده : ” الله يعين الأمهات ” علمتُ كيف تكون التربية جهاد ، علمتُ كيف يبتليك الله في خصال كنتَ تظنّها متأصلة فيك ! فإذا كنت طِوال عمرك تظن بأنك أمين في عملك مُخلص ، فستأتيك أقدار الله التي يفسرها قلبك بأنها كالرعد في قوته ! وسيكون أن يُمطر قلبك بما اعتدته عسير جدًا ، وهنا يمحص الله كلّ ما أودعته في قلبك . تعلمتُ بجانب أن ندعو للأطفال ، أن  ندعو الله أن يكفينا شرهم ، كما علمتنا د. نجود . علمتُ بأنه لكي أكون معلمة ناجحة لابدّ أن يكون في رصيدي (خبرة) التعامل مع روضة أول ، تعلمت كيف يعزّ الله أقواماً ، لكنهم لا يفطنون بالعزة التي منحهم إياها ؛ لأنهم ينظرون للأمر بالمنظور المتعارف عليه اجتماعياً ، لا بعين البصيرة التي أنارها الله لهم لكنهم يأبون إلا أن تنطفئ . 

فاللهم يا الله اجبر نقص أعمالنا  ، واجعلنا مباركين أين ما كنّا ، واجعلنا من خيرة من يعلم الناس الخير 

Share

إلى ماهاجر إليه

30 أغسطس 2014

 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

ballon

لأجل يوم الغد ، لأجل الخامس من شهر ذو القعدة ، الذي كثُرت عليه رسائل السخرية ! يوم العودة للمدارس ، وعودة الأطفال لروضاتهم ! أكتب هذه التدوينة رغم أنه ليس لدي الكثير لأقوله . 

حرّروا الباعث ” كانت هذه جُلّ وصيتها في بداية لقاءنا وفي وسطه وفي آخره ، كانت توصيني وكل واحدة كانت حاضرة اللقاء بأن تتأكد قبل خروجها من منزلها ، من الباعث الذي يجعلها تذهب للعمل أصلاً ! أخبرتنا أن تسأل نفسك : لماذا أنا ذاهب للعمل اليوم ؟ فإن كان باعثك أي شيء عدا ابتغاء مرضاة الله ، فراجع نيتك واستعن بالله على أن توجهها إلى حيث ينبغي . 

كما أنك تحرص على انتقاء جميل الثياب في يومك الأول للعمل ، فاحرص على انتقاء أصدق نية واخلِصها لله . تذكر بأن الله لا ينظر إلى جديد ما نرتدي ، لكن أجورنا دائمًا مُنعقدة بما عقدناه في قلوبنا وأفئدتنا .

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه :

سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ” إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله ، فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها ، فهجرته إلى ما هاجر إليه ” رواه البخاري ومسلم .

 

يقول خالد  البليهد عضو الجمعية العلمية السعودية للسنة : 

تتفاضل الأعمال ويعظم ثوابها بحسب ما يقوم بقلب العامل من الإيمان والإخلاص ،حتى إن صاحب النية الصادقة إذا عجز عن العمل يلتحق بالعامل في الأجر قال الله تعالى( وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) وفي الصحيح مرفوعا “إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل صحيحا مقيما” وفيه أيضا “إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم حبسهم العذر” . وإذا هم العبد بالخير ثم لم يقدر له العمل كتبت همته ونيته حسنة كاملة ففي سنن النسائي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال”من أتى فراشه وهو ينوي أن يقوم ويصلي من الليل فغلبته عينه حتى أصبح كتب له ما نوى وكان نومه صدقة عليه من ربه” .

للمعلمين والمعلمات في كافة بقاع الأرض ، اصلحوا نواياكم ، تصلح دُنياكم بإذن الله ، نسأل الله عام دراسي مليء بالأجور .

اللهم اصلح بالقرآن قلوبنا ، واجعل هجرة قلوبنا لمرضاتك 

Share

عصاي التي أتوكأ عليها

18 مايو 2014

 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 pen

ابتدأت حفلة تخرج أطفالي الذين قضيتُ معهم عامين ، بمسيرة الفتيات العشر، قليلات العدد ، كبيرات المكانة في قلب معلماتهنّ ، اصطّفت الفتيات بشكل منتظم على المسرح ، تلتقِ عيني بأعينهنّ ، يبتسمن ولازالت أيديهنّ خلف ظهورهنّ ويقفنَ بشموخ ، كانت قلوبنا -رغم مسافة المسرح التي تفصلني عنهنّ- تتحدث ، كنّ يخبرنني بتصرفاتهن : هذا ماعلمتِنا عليه ، فأردّ عليهن بصوت لا يسمعه سوى قلوبهن الصغيرة : وهكذا أردتُ أن تكنّ . 
تبدأ مسيرة الفتيان الثلاثة عشر ، يسيرون خلف أمل بذات الطريقة التي سارت بها الفتيات ، وحين اقتربوا من المسرح ، تلاقت أعيننا ، هم يعلمون بأني وأمل فخورتان بإتقانهم لما درّبانهم عليه ولذا فإنهم حين تلتقِ أعيننا ، يبتسمون بطريقة كافية لأن تخبرنا بأن كل الأمور تسير على ما يرام .

الآن يقفون على المسرح أطفالي بل أبنائي الذين شاركوني ذكريات جميلة ، لوهلة كنتُ أخشاها ، استيقظ شعوري بقرب فقدي إياهم ، وبين مدّ وجزر بين خواطر تنتاب المعلمة الواقفة بصمود أمام المسرح ، يقطع حبل مشاعري صوت أم أحد أبنائي ، إيناس ليش قبعة أحمد كدا ؟ أبرر لها بلطف أنه “لعب” بها فبدا بهذا المنظر ، وأم أخرى تدعو لي بداية ثم تخبرني بأن أجعل طفلها يتحرك من مكانه لليسار قليلاً حيث أن ضوء الشاشة منعكس على وجهه ! استجيب لها مشيرةً لعُمر بأن يتحرك وقلبي يتمتم : يا قلوب الأمهات ! بل ياربّ قلوب الأمهات !

تتوالى فقراتهم بتيسير من الله ، وفي كلّ فقرة يقدمونها ، جزء مني وجزء من أمل يشدوان شدو الطير حين تعود بِطانًا ، أما الجزء الآخر يتأمل ، يرجو ، يحنو ، وجزء أحسنّا إخفاءه للناظرين … يبكي صغارنا الذين كبروا

ثلاث وعشرون قلبًا ، لكل قلب منهم حكايات يرويها قلبي على مهل .

عبد الله ، ابني الذي لازال ” يمسك علي زلة ” قفزتي الفيلكسية ! ويذكرني بما لا أرغب تذكره .. عبد الله فلتكن هذه القصة ، تذكارًا لقلبك حين تكبر

لمار ، ابنتي التي تعشق الوقوف في أول الطابور ، تذكري بأني كثيرًا ما ساعدتكِ في أن تحققي ما تحبينه

أحمد ، ابني الذي لمْ أستطع تحقيق أمنيته في إحضار “آيباده ” إلى الروضة ، لتتذكر دعاباتنا في محاولات مستميتة لإحضاره

ديالا ، ابنتي التي تعشق ” المكياج وتساريح الشعر ” لتحتفظ ذاكرتك بأحاديثنا عن آخر الموضة

علي ، ابني الذي يعجبني حين ينادي والدته “معلمة جمانة ” ويخبرني سرًا بأنه يناديها “ماما” في منزلهم ، لتتذكر ابتسامتي في كل مرة تخبرني فيها ذلك

جود ، ابنتي التي تبدو جميلة حين تبتسم ، لتتذكري بأني أخرجتُ ” بنسة ” كانت تثبّت شعري يوم تخرّجكم ، حين رأيتكِ مُنزعجة من ربطة شعرك كثيرة الانزلاق ، ليكون شعري في حالة فوضى ، وتبدين في حلّة أجمل

رضوان ، ابني المحتفظ بمعلومات علمية يشاركني فيها بين الحين والآخر ، سأتذكر بأن آخر ما علمتني إياه هو عن سمك القرش Megalodon ، فلتتذكر استماعي لما تقوله

فيء ، ابنتي التي تتميز بحفظها للسور التي تعلمناها سويًا ، لتتذكري فخري بك في نظرات وابتسامة تعلمين بأنها لكِ حين يتوقف أصدقاءك فتكملين مالا يعلمونه

حمزة ، ابني الذي يعشق البناء في ركن المكعبات ، لتتذكر كل مرة صرفتُ نظر أصدقاءك بطريقة ملتوية عن ركنك الذي تعشق ، لتنعم بما تحبّ

لين ، ابنتي التي تعشق أكل ” اللبان ” لتتذكري المرات التي “اخترعت ” قوانين تتيح لك مضغ ما تحبين

عُمر ، ابني الذي يناقشني على أمورٍ لا يكترث لها أصدقاءه ، تذكر بأنني اجتهدت كثيراً حتى تقتنع بأمور لم تكن في ذهنك بأنها الصحيحة

ليان ، ابنتي التي تمتلك حساً فنياً يُبهرني ، لتتذكري بأنني سأحتفظ باللوحة التي أهديتِني إياها ، اللوحة التي أخبرتني والدتكِ فيما بعد بأنكما عكفتما الليل بأكمله حتى تُنجزيها

عبد المحسن ، ابني الذي يعبر عن حبه لأصدقاءه بحبات الدونات التي باتت ملتصقة بك ، فكل كرتون دونات هو بالكاد ولا بدّ هو منك لا من غيرك ، لتتذكر بأنني كنتُ أنعم بما ينعم به أصدقاءك ، فيبدو مُحياك باسماً

نور ، ابنتي التي خلعت وشاح الصمت ، وباتت متحدثة وصاحبة رأي ، تذكري أنني أحببتك بكلّ حالاتك المزاجية

يوسف ، ابني الذي يختبىء عُنوة كلما جاء متأخراً ، ليفاجئني ، لتتذكر بأنك في كل مرة تراني مندهشة لحضورك ، فقد رأيتك واصطنعتُ الانشغال ، لتسعد

تسنيم ، ابنتي التي شاركتني تفاصيل شهور حمل والدتها بأخيها ، لتتذكري بأنني فكرت في إسعادك فكان تمريرك لهاتفي لكل أصدقاءك ليروا أخيرًا ” أنس ” الأخ المنتظر ،كان في ذلك سعدِك

سلطان ، ابني الذي يعبر كل يوم عن حبه لي بطرقة تختلف عن اليوم الذي قبله ، هل تتذكر رقم المائة حين أخبرتني بأنك تحبني مثل هذا الرقم الكبير بنظرك ، ستعلم بعد حين بأن المائة لا تساوي شيئاً أمام المليون والترليون ! ومثل أكبر الأرقام ، أحبك

تيماء ، ابنتي التي تتفرد بمناداتي ” معلمة إيناث ” ، لتتذكري اجتهادي في أن تحظي بالنصيب الأكبر من المهام التي تحبين إتمامها

عزام ، ابني الذي أهداني هديته المفاجِئة يوم تخرّجه ، لتتذكر بأني أثنيتُ عليك ذات يوم بالمُتقن لعمله ، الوصف الذي جعل أصدقاءك يتداولونه كحُظوة حصلتٓ عليه بمعجزة

الجازي ، ابنتي التي تحب أن تحضنني راكضةً من مسافاتٍ بعيدة ، لتعلمي بأني تحمّلتُ ” فعصاتك” لئلا تُبتر مشاعرك ، وحبك الصغير

مشاري ، ابني الذي أسرني يوم أن أخبرتني والدته بأنه أخبر أبيه بأنه سيخبرني أمراً مهماً ، وحين استفهَمته ، ابتسم وصنع بكفيه الصغيرتين شكل قلب ، لتتذكرني كلما رأيت ” سفينة شراعية ” تشبه التي تعلمناها سويًا ، وباتت شغلك الشاغل رغم مرور زمن ليس بقصير

نُمي ، ابني الذي فاجئني بمعرفته لمعنى اسمه حين أخبرتني بأنه من النٓماء ، لتتذكر بأنني كثيراً ما حرصت أن تكون بالقرب من صديقك المفضل في أغلب الأوقات

فيصل ، ابني الذي يحب اللعب بدراجات السّباق ، لتعلم بأني دعوتُ لك حين رأيتك تبكي ألماً شاكياً من أذنك وظللت صامتاً تعضّ أكمام قميصك ، فسخّر الله صديقك ليخبرني

ابناي وبنتٓاي الذين رحلوا دون أن يكملوا معنا ، ورد ، لمار الشهري ، عبد الله الشيخي و محمد ، كنتم ولازلتم في الفؤاد حاضرون

أطفالي ، أنتم عصٓاي التي أتوكّأ عليها ، حين السعد ، حين الضيق . قد ترحلون وترحل مشاعركم دون قصدٍ منكم ، فتكبرون ، وتكبر إنجازاتكم ، وتضيع منكم تفاصيل صغيرة ،كانت عظيمة يوم أن كنتم صغاراً ،وقد أكبر ، ويغزو الشيب رأسي ، فأنسى دون قصد أن لي معكم ذكريات بحجم الجبال ، أكتب هذه الكلمات ، لكم حين تكبرون فتعثرون عليها بمشيئة من جامع الناس ، ولي حين أبلغ من العُمر عتياً . . لأتذكر بأن صغارًا كانوا يسندوني كلما انزلقتُ من الحياة .

Share

أحببتُ مُحمد !

26 ديسمبر 2013

♪ 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

ballon

كان – وما أقسى كثير مما نسبقهُ بكان – حضوره يعني يوماً ثقيلاً .. يعني يوماً مليئاً به لا بغيره ، بأسئلته ، بحركاته ، بكل عفويته التي تضطرني كمعلمة أن استقبله بصدر رحب مهما كان داخلي ضيقاً .

كانت تُلفِته كل الأشياء الموجودة على جدار الفصل ، لا يُبالي بحديث المعلمة فيقطع حلقتها بسؤاله عن أشياء قد يصفها من حوله بأنها تافهة ، لكنها كانت الجوهر  ، على الأقل بالنسبة له . كان يسأل عن سبب عبوس ملامح أحد الشخصيات الموجودة على اللوحة ، يتأمل كل شيء بطريقته التي تُزعج أصدقائه .. تلك الطريقة التي تجعل المعلمة في مأزق !

كل شيء جميل لديه في الحياة سببه ” ماين كرافت ” ، كل أمر يحدث له ، يُؤمن بأن لـ “ماين كرافت” يد في ذلك ! للحد الذي يجعله يؤمن بأن بداخله أكثر من قلب ، تماماً كلعبة ” ماين كرافت ” !

قال ذات يوم وما أكثر ما كان يقولها : ” أصلاً الزومبيز اللي يشفيني ” الأمر الذي جعلنا في صراع مع داخله ، فكنا نُعيد كل شيء لله ، كان يُعارض ، ينفي ، يحدق فيمن يمسّ ” ماين كرافت ” بسوء ! لكننا كنا نستمر بعونٍ من الله وفضل ، وبينما أنا مستمرة في غرس ما أتذكر فاضلتنا أستاذة أناهيد بما كانت تقوله لنا بأن دور المعلمة هي بناء عقيدة الطفل ، بأن تغرس البذور ، ويتكفل الله لها في المستقبل بالنماء .. رغم إيماني بأن الأمور العقدية تحتاج لوقتٍ طويل حتى تظهر نتيجتها ، لكن كأنّ شيئاً من يأس كان يُرافقني في كل مرة كنتُ أراه يتحدث على النحو السابق .

طَوى الله الأيام والأشهر القليلة جدًا ، حتى صارحتُ ولأول مرة صديقتي أمل ، أخبرتها بأنني أحببتُ مُحمد ! الطفل الذي لم أكن أتوقع بأنني سأميل له يوماً ! الطفل الذي يصعب ترويضه لمن يجهل مداخل شخصيته ، أحببته !

وفي أحد الحلقات العلمية ، كانت أمل تحدّث الأطفال عن دوران الأرض حول الشمس بشكل منتظم ، وعن دورانها حول نفسها ، الأطفال صامتون ، مُحمد جالس أمامي مباشرة ، مجاوراً لأمل ، قاطعها قائلاً : شوفي كيف سبحان الله يا معلمة ! لا شعورياً توافقتْ ردة فعلنا أنا وأمل ، نظرتْ كلتانا لبعض ، شعرنا بالامتنان لله كثيراً .. فلو كان أحداً آخر سبق محمد بذات القول لما تعجبنا ، لكن كل شيء من مُحمد كان – وما أقسى قول كان – مُختلفًا .. أعقبنا النظرة بابتسامة ملأت شدقينا ، وأكاد أجزم أن قلوبنا كانت في وضعية الحمد العميق جدًا .. كانت هذه الإشارة الأولى التي نتلقاها من مُحمد وإن لم أكن مخطئة بأنها المرة الأولى التي نسمع فيها كلمة ” الله ” منه ، وما أجمله حين نطقها .

وفي وقتٍ آخر ، أروى الله ظمأ قلبي بما تلذذ به سابقاً ، جائني مُحمد وهو يأكل طعامه قائلاً : “ معلمة إيناس تعرفي إنو الله يخليني آكل التفاح عشان أسير قوي ؟ ” ابتسمتُ هذه المرة بيني وبين نفسي ، وشعور الحمد يغمر كلّ خلاياي .

قبل أربعة أيام من الآن ، أخبرتنا والدته بأنهم سينتقلون من جدة ، نزل علينا الخبر كالصاعقة ! ، كان عسيراً علينا أن نتخيل أياماً وأسابيعاً .. أشهراً بلا مُحمد ، بلا ضحكة مُحمد ، بلا تساؤلته ، بلا كل جمال صادر منه .

يعتاد الإنسان أشياءَ كثيرة في حياته إذا تكررتْ ، إلا الفقد ، تظل مراراته ووجعه في القلب وكأنه المرة الأولى التي يعيشها ، فياربّ القلوب  وطبيبها ، احفظ مُحمد”نا” بحفظك ، وعرّفه بك حتى لا يرجو سواك ، وانبته نباتاً حسناً ، واجعله قرّة عين لأهله ، لأمّته . 

Share